الفدرالية: هل هي صيغة وحدة أم أداة شرذمة؟





الدكتور / داود خير الله
(أستاذ محاضر في القانون الدولي بجامعة جورجتاون – واشنطن)
كلمة ألقيت في "مركز الحوار" في واشنطن في العاشر من آذار/ مارس 2004

سئل كونفوشيوس: إذا وُليّت الحكم فما أوَّل ما تقوم به؟ قال: أحدّد للعبارات معانيها. سوف أستعين بحكمة الفيلسوف الصيني في محاولتي الإجابة على السؤال الذي يطرحه موضوع هذه الأمسية. الفدرالية هل هي صيغة وحدة أم أداة شرذمة؟ السؤال الذي يفرض نفسه بدءاً هو ما الذي نَودّ وحدته أو نخشى انقسامه في العالم العربي؟ أهي الوحدة في إطار الانتماء الديني أو الطائفي أو القبلي، أم الوحدة في إطار دولة إقليمية في الغالب رسَم حدودها مستعمر واستمات سكانها في الدفاع عن أزلية هذه الحدود؟ أم ما نودّ هو الترجمة السياسية الفعّالة للانتماء القومي؟ فإذا توخّينا وحدة لها ما يلزم من الاستقلال والحيوية في النمو لكلٍّ من أطر الانتماء المذكورة، وجميعها لها جذور وتتمتّع بدرجات متفاوتة من الحيوية في المجتمع العربي، لبلغنا ربّما ما نحن فيه من شرذمة وتخلف وضعف. فانتشار وتشجيع الانتماء الديني أو الطائفي أو القبلي كمؤسسات سياسية يقوّض وحدة المجتمع في إطار الدولة القطرية وكذلك في الإطار القومي. والتركيز على ابتعاد الدولة القطرية واستقلالها التام عن إطارها القومي كثمن لوحدتها، سوف يدفع إلى إضعاف الدولة وعزلتها فضلاً عن شرذمة الوحدة والطاقات القومية. فما هي شروط الاتحاد “الفدرالية" التي تساعد على ترسيخ الوحدة في المجتمع في الإطار القطري وفي الإطار القومي وهل هي متوفّرة في دول المجتمع العربي؟

ليس للاجتماع السياسي وشكل الحكم فيه نمط ثابت لا يتغير. فمِنَ التجمّعات القبلية البدائية حتى قيام الدولة الحديثة عرفت البشرية أشكالاً عديدة للحكم لا ضرورة لعدّها. وحتى الدولة الحديثة، أكانت بسيطة أم مركبة، أي اتحادية، فليس بين علماء الاجتماع والسياسة اتفاق على مفهوم دقيق لها لأنها في حالة تطوّر مستمر. وكلُّ ما هو متفَّق عليه هو أنَّ مكوّناتها هي إقليم ذو حدود جغرافية، وشعب يؤلّف البيئة الاجتماعية ويسكن هذا الإقليم، وسلطة تمارس سيادة الحكم ضمن حدود هذا الإقليم. والدولة الحديثة نشأت في الغرب الأوروبي ولكنّها أصبحت الوحدة الأساسية في بنيان النظام العالمي ونشأة وتطوّر القانون الدولي. فهي مصدر وموضوع كافة الحقوق والواجبات. وقد عرفت الدولة الحديثة بالدولة القومية "nation state" لأنّ ظهورها في أوروبا رافق ظهور القومية التي بلغت أوجها في القرن التاسع عشر وامتدّت خارج أوروبا إلى الدولة العثمانية والعالم العربي.

أودّ التركيز قليلا على فكرة القومية ودورها في نشأة الدولة الحديثة، وذلك بهدف إلقاء الضوء على تعثّر الخطاب القومي في إزالة العقبات في وجه التعاون والتكامل السياسي إن لم يكن الاتحاد بين الأقطار العربية.

اقترنت فكرة القومية بنشأة الدولة الحديثة لأنَّ المجتمع القومي يعتبر مرحلة متقدمة من مراحل التطور الاجتماعي والسياسي. لذلك تدعى الدولة الحديثة بالدولة القومية أو الدولة الأمة "nation state". والترجمة الدقيقة للقانون الذي يرعى علاقات الدول "international law" هي القانون الأممي. ومع ظهور الدولة القومية ظهر كذلك مبدأ السيادة القومية الذي هو من أسس النظام العالمي. وإذا كانت الأمَّة هي في أساس معظم الدول الأوروبية التي نشأت فيها الدولة الحديثة فإن ذلك لا ينطبق على دول العالم كافّة. فهناك دول ذات قوميات متعددة مثل سويسرا وكندا والهند، وهناك مجتمعات لديها الكثير من مقوّمات القومية لكنها لم تبلغ من التطور ما يمكنّها من التوحّد في إطار سياسي يعكس رغبتها في الحياة المشتركة. وربّما ينطبق ذلك على وضع الأمة العربية.

ورُبَّ سائل ما هي مقوّمات المجتمع القومي كي نتمكّن من الحكم ما إذا كانت متوفرة في المجتمع العربي أم لا. وهل للقومية مفهوم متفَّق عليه؟ ما هي عناصر المجتمع القومي وفي أي لحظة من تطورها تبلغ المجتمعات البشرية مرحلة التكوّن القومي وتتوفّر فيها مقوماته؟ لقد كثرت النظريات لكن ليس هناك اتفاق بين علماء السياسة والاجتماع والقانون الدستوري وحتى القانون الدولي على مفهوم موضوعي للقومية.

بصورة عامة النظريات التي عالجت المسألة القومية تنقسم إلى فئتين؛ الأولى الموصوفة بالنظريات البيولوجية أو العنصرية وهي التي تقول بأن الأمَّة حقيقة بيولوجية مادية، والثانية تعرف بالنظريات الروحية أو المثالية وهي تبني القومية على أساس المشيئة المشتركة والأماني الواحدة. ومن العناصر المكوّنة للقومية والتي تناولتها معظم هذه النظريات؛ الأرض وتأثير المناخ في تكوين الطبع الاجتماعي، الأصل والعرق، الدين، اللغة، التاريخ المشترك والمصالح الاقتصادية، والإرادة الجامعة للأماني المشتركة. إنّ هذه العناصر جميعها هي متداخلة في تركيب المجتمع القومي وليس لواحد منها الاستئثار في تكوين المجتمع القومي. لا بل الاستئثار قد يؤدّي إلى تمزّق النسيج القومي كما يحصل عندما يشتدّ الخلاف بين القبائل أو الأعراق أو الطوائف أو الأديان داخل المجتمع. فهناك من يقول أن ظهور الدولة القومية كان على حساب القبائل والأعراق التي تمكّن المجتمع من صهرها والطوائف والأديان التي قلّص نفوذها إذ رافق ظهور الدولة القومية فصل الدين عن الدولة. وقد دفع ذلك ببعض الكتّاب إلى نكران أثر الدين كعنصر في تكوين المجتمع القومي. الواقع أن تقلّص دور الدين مع ظهور المجتمع القومي لا يصيب الدين في جوهره بل يطال آثاره الاجتماعية في المؤسسات والقوانين. والملاحظ أنّ تقلّص دور الدين والعوامل الأخرى التي تسبب الانقسام ترافقها حركة توحيد بين أبناء المجتمع وتداخل بين طبقاته واندماج بين طوائفه، وقد تقصر مدَّة هذه الحركة أو تطول حسب ظروف كلِّ شعب وخصائصه ويظهر على أثرها المجتمع القومي بوجهه الجديد. فيبقى الدين من المكوّنات الثقافية للمجتمع، لكنه يفقد قدرته على تمزيق المجتمع القومي.

ولكن مهما تفاوتت درجات توفّر العناصر المادية المكونة للقومية، فإنَّ المجتمع القومي لا يظهر للوجود إلا بتوفّر عنصرين أساسيين يغلب عليهما الطابع النفسي؛ أحدهما يمتدّ إلى الماضي ويتضمّن تراثاً غنياً بالذكريات المشتركة، والثاني في الحاضر ويكمن في الإرادة الجماعية في الحياة المشتركة. وفي رأيي، والتاريخ يدعم ذلك، إنّ توفر عامل الإرادة الفاعلة الحرَّة في الحياة المشتركة والرغبة الجامعة للأماني الواحدة هي من أهمّ العوامل المكونة للمجتمع القومي.

فلو نظرنا إلى واقع العالم العربي في ضوء ما تقدَّم نجد أن الكثير من عناصر القومية متوفّر فيه؛ كاللغة، والدين، والتاريخ المشترك، والمصالح الاقتصادية، والرغبة في الانتماء، لكن تفاعل هذه العوامل لم يبلغ من التطوّر حدّ الانصهار في مجتمع قومي مستنير يعكس في ارتباطه السياسي إرادة فاعلة مستقلة في الحياة المشتركة أو الرغبة الجامعة للأماني الواحدة. لا بل إنّ بعض العناصر المكوّنة مبدئياً للمجتمع القومي لا تزال تشكّل عوائق في طريق الانصهار القومي وبروز المؤسسات السياسية التي تعكس الأماني الواحدة والرغبة في حياة مشتركة. فالدين والطائفية والقبلية والأصول العرقية لا تزال تشكّل عناصر تفرقة أكثر منها روابط وحدة في المجتمع العربي. لكن العامل الأهم في عدم تطور المجتمع القومي وتحويل الأماني المشتركة إلى واقع سياسي هو غياب الإرادة الحرَّة الفاعلة في خلق المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعكس الأماني القومية الواحدة. وإليكم بعض الأدلة على ذلك.

أبدأ بمحاولة الإجابة على السؤال التالي. ما هو الدليل الموضوعي على الانتماء القومي في العالم العربي، وما هي حدود ومظاهر هذا الانتماء؟ لن أتطرَّق إلى آثار الفكر السياسي منذ منتصف القرن التاسع عشر خاصَّة لجهة تحديد الهوية الذاتية ومظاهر الانتماء في العالم العربي، حسبي من الوثائق السياسية التي تجسد هذا الفكر أهمّها أي دساتير الدول العربية. وهنا لا أريد المغالاة في دور الدساتير العربية كمعبّر عن الهوية والأماني العربية، فهي وإن كانت الوثيقة السياسية الأولى في أيَّة دولة، فإنَّ دورها محدود في الدول النامية بصورة عامة وفي العالم العربي بشكل خاص لأنها لم تأتِ نتيجة تفاعل ونقاش علني يعكس إرادة الشعوب بل إن معظمها مفصّل، سواء بالنص أو بالتطبيق، لشخصية سياسية أو حركة حزبية معينة أو لملائمة ظروف طارئة. وبالرغم من أنَّ الدساتير العربية لا تعبّر بشكل كامل عن الفكر السياسي والوجدان الشعبي إلا أنها تشكّل دليلاً هاماً على مظاهر الهويَّة والانتماء.

فالحدّ الأدنى من تجلّي العروبة في كافَّة الدساتير العربية، ما عدا الصومال، هو في النصّ على أنَّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية. واللغة باعتبار معظم المفكرين القوميين هي المقوم الأول من مقومات القومية العربية وأخص بالذكر أعمال الأستاذ ساطع الحصري.

وثمَّة حدٍّ أوسط وهو التصريح بالانتماء للأمة العربية. ففي دساتير مجموعة من الدول العربية هي مصر والأردن وسوريا واليمن والكويت واتحاد الإمارات العربية وقطر والبحرين نصوص تذكر أن شعب هذه الدول هو جزء من الأمة العربية. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدستور العراقي المعمول به حتى الاحتلال الأخير ينصّ على "أن العراق جزء من الأمة العربية" " ويتكوّن شعب العراق من قوميتين رئيسيتين هما القومية العربية والقومية الكردية". وكذلك ينصّ الدستور العراقي على "أنَّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية وتكون اللغة الكردية لغة رسمية في العراق إلى جانب العربية في المنطقة الكردية". وبذلك يكون الدستور العراقي أكثر ليبرالية واعترافاً بالحقوق القومية الكردية من جميع دساتير الدول التي تتوافر فيها أقليات كردية.

وهناك مجموعة لا تنصّ دساتيرها على انتماء كياناتها أو شعوبها إلى أمَّة عربية، بل إلى مفاهيم عربية أقلّ تحديداً من الأمَّة، كالأسرة أو العالم أو الكيان. وهذه هي حال تونس حيث الانتماء إلى الأسرة العربية، والجزائر حيث تكون الجزائر" جزءاً متكاملاً … مع العالم العربي" والسودان حيث تكون السودان "جزءاً من الكيان العربي والإفريقي". لبنان مثلاً كان ذو وجه عربي فأصبح بعد اتفاق الطائف عربيّ الهويَّة والانتماء.

وهناك ثلاث دول لا تنصّ دساتيرها على أيِّ انتماء عربي أو أيّ تعبير مشابه. وهذه حال موريتانيا والصومال والمغرب. ويلاحظ أنَّ دستور المغرب في الوقت الذي لا ينصّ على أيِّ انتماء إلى الأمَّة العربية فإنه يسجّل تعهّداً بالعمل للوحدة الأفريقية.

أما الحدّ الأقصى من مظاهر الانتماء القومي فهو التعهّد بالعمل للوحدة العربية، ونجده في ديباجة أو مواد دساتير بعض الدول العربية وخاصة الدستور المصري الذي ينصّ في مادته الأولى بأن "الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة". وكذلك تنصّ المادة الأولى من الدستور السوري أنَّ "الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة". والمادة الأولى من الدستور العراقي تؤكّد بأنَّ "العراق جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة هدفه الأساسي تحقيق الدولة العربية الواحدة وإقامة النظام الاشتراكي". وكذلك المادة الأولى من دستور ليبيا، إن لم يكن قد جرى تعديلها مؤخراً، تنصّ على أنَّ "ليبيا جمهورية عربية ديمقراطية حرّة، السيادة فيها للشعب وهو جزء من الأمة العربية وهدفه الوحدة العربية الشاملة".

هذا وضع الانتماء القومي في دساتير الدول العربية، وقد تعكس أو لا تعكس الرأي الشعبي في دول العالم العربي، فكيف يمكننا التحقّق من واقع الوجدان الشعبي بالنسبة للانتماء القومي؟ في دراسة ميدانية حديثة لمؤسسة زغبي إنترناشيونال في ستِّ دول عربية هي مصر والسعودية والمغرب وتونس ولبنان وسوريا عن أولويات الانتماء لمواطني هذه الدول، أي هل الانتماء بالدرجة الأولى هو للدين أو للطائفة أو للقبيلة أو للدولة أو للعروبة. كانت أجوبة الأكثرية الساحقة لسكان معظم هذه الدول الانتماء للعروبة أولاً. لبنان كان الاستثناء الوحيد حيث تقاسم الانتماء إلى الدولة أي لبنان الانتماء إلى العروبة أولاً وذلك بسبب الثقافة الطائفية دون شك. يمكن كذلك إضافة عضوية كافَّة الدول العربية بجامعة الدول العربية كدليل إضافي على الهوية العربية والانتماء القومي.

فلماذا إذاً لا تُتَرجَم مظاهر الانتماء القومي في الوجدان الشعبي والدساتير العربية والاتفاقات الإقليمية إلى واقع سياسي من التعاون والتكامل إن لم يكن الوحدة أو الاتحاد بين الأقطار العربية، أقلّه فيما يتعلق بالدفاع المشترك عن النفس وخلق المؤسسات الاقتصادية التي تعود بالفائدة على شعوب جميع الدول العربية؟

إجابتي على ذلك هي غياب العنصر الأهم في تكوين المجتمع القومي وهو الإرادة الواعية الفاعلة في ربط وتحويل كافَّة العناصر المكونة للمجتمع القومي إلى واقع سياسي يعكس الرغبة في تحقيق الأماني القومية والمصالح المشتركة. إنَّ هذه الإرادة بقيت هزيلة عاجزة ولم يكن لها دور حتى في إنشاء معظم الدول العربية. ذلك أن ليس للعربي تجربة في نشأة الدولة الحديثة. فالمستعمر الأجنبي هو الذي صنع هذه الدول ورسم حدودها وشكّل التنظيمات السياسية والقانونية فيها. صحيح أنَّ ظهور الخطاب القومي قد ساعد على جلاء المستعمر والاستقلال في العديد من دول المشرق والمغرب العربي، إلاّ أن هذا الخطاب لم يتطّور بل انحسر ويكاد يتلاشى في يومنا هذا. وهو في كل حال بقي عاجزاً عن ترجمة الحلم القومي إلى واقع سياسي يعكس إرادة فاعلة قادرة على الدفاع عن حقوقها ومصالحها في وجه الإرادة والمصالح الأجنبية. شكل الحكم قد يعكس الإرادة الاجتماعية في الحياة المشتركة لكنّه لا يخلقها. فالإرادة الحرّة الفاعلة هي وراء بناء المجتمع القومي الأميركي بشكله الفدرالي حتى لو اقتضى ذلك خوض حرب أهلية طاحنة للحفاظ على الوحدة. والإرادة الحرّة الفاعلة المدركة لمصالحها المشتركة هي وراء وحدة أوروبية بين دول لا تجمعها لغة أو أصول عرقية أو ثقافة إيمانية واحدة لا بل يكاد تاريخ الحضارة الغربية يكون تاريخ الحروب فيما بينها.

فالاتحاد الفدرالي في العراق مثلاً، الذي تريده وترعاه قوى خارجية بهدف تغييب عروبة العراق واستبدال الخطاب القومي فيه بخطاب عشائري طائفي عرقي، وعزل العراق كعضو فاعل في محيطه العربي مدافع عن الحق القومي فيه، لا يمكن اعتباره أداة وحدة على الصعيد القومي. أمّا شكل الحكم الذي يأتي نتيجة تفاعل واختيار مستقل عن أيِّ تدخل خارجي بين كافَّة فئات وقوميات الشعب العراقي، مهما كان شكله، فهو الضامن لوحدة العراق وقوته ومصالح أبنائه. فالعراق المرهون في وحدته للمشيئة والمصالح الخارجية لن يستطيع الحفاظ على هذه الوحدة إذا ما تناقضت مصالحه مع المصالح الخارجية. والعراق المعزول عن محيطه القومي والمحدود في تسلحه ووسائل الدفاع عن نفسه بإرادة خارجية سوف يكون "عراقاً" منقوص السيادة مضطراًّ أن يكون محميّة للقوى والإرادة الأجنبية.

أرجو أن لا يرى أحد فيما أقول تغاضياً عن الأخطاء لا بل الجرائم التي ارتكبها مغتصبو الخطاب القومي من الحكّام، أو تساهلاً في استمرار مثل هذا النمط من الحكم. إلاّ أن أخطاء الحكام الذين شوّهوا الخطاب القومي وارتكبوا باسمه الموبقات يستدعي المحاسبة وإصلاح الأخطاء، لكنّه لا يبرّر الطعن في الخطاب القومي أو في الدعوة إلى وحدة الصف العربي وكأنّها هي العلّة. الفشل في التنفيذ لا يعني بالضرورة الخطأ في اختيار الهدف كما يدعو الكثير من مروّجي المشروع الأميركي في المنطقة العربية.

وأخيراً أودّ التأكيد على أن حالة الضعف والشرذمة، إن كانت داخل بعض الكيانات العربية أو داخل الصف القومي، علاجها ليس في تغيير التقسيم الإداري داخل هذه الكيانات. فمكامن العلّة هي في الهوّة المتعاظمة بين الحاكم والمحكوم في معظم الدول العربية، وهي في تقهقر الخطاب القومي وغياب المرجعية فيه، وكذلك هي في تخلّف المثقف العربي وتقصيره في القيام بدوره القيادي.

فالحكم الذي لا ينبثق عن إرادة شعبية فاعلة تحاسبه إذا أخطأ وتعطيه مناعة عند الملمّات هو حكم ضعيف فاسد منقوص السيادة ولا يُتوقّع منه تأمين مصالح الشعب وتحقيق أمانيه. وتقهقر الخطاب القومي وعدم تطوّره وغياب المرجعية بشأنه سبب أساسي في الشرذمة العربية ونمو الثقافات القبلية والطائفية المدمرة للوحدة، أكان على الصعيد المحلّي داخل الدولة أو داخل الإطار القومي. فالخطاب القومي المستنير هو خطاب توحيدي يزيل العقبات في وجه الوحدة الداخلية، أكانت هذه العقبات طائفية أو قبلية أو عرقية، ويقضي على التناقض بين الولاء الوطني الإقليمي والولاء القومي، ويربط بين الدولة والإطار العربي المكمّل لها والداعم لسيادتها الفعلية. والخطاب القومي المستنير هو خطاب إنساني في التزامه الحقوق والقيم التي تحفظ كرامة الإنسان وتقيم الجسور بين الأمم، وهو خطاب إقامة الحكم الديمقراطي والمشاركة الشعبية، وهو خطاب حكم القانون ومحاربة الفساد، وهو خطاب تنمية بشرية وخطاب تفجير الطاقات الإبداعية في كلِّ إنسان في المجتمع العربي.

لكن التردّي في الخطاب القومي واتّساع الهوَّة القائمة بين الحاكم والمحكوم هي مسؤولية المثقف العربي بالدرجة الأولى. فالمثقف في كافَّة المجتمعات الحيّة هو الذي يضع ويفسّر قواعد السلوك الاجتماعي والسياسي وهو الذي يراقب تطبيق هذه القواعد. المثقفون هم أدوات التغيير الأساسية في المجتمع. ومع العلم أنَّ في التعميم شيء من الظلم تجاه بعض المثقفين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لجرأة مواقفهم، لكن يبقى من الصعب فهم استمرار حالة التردّي على كافَّة المستويات في العالم العربي دون أن يكون للمثقف العربي دور أساسي في ذلك. فالمثقف العربي يتعايش مع الظلم والاستبداد، ويعير قلمه ولسانه أحياناً لتبرير سلوك الحاكم المستبدّ. وهو يتعايش مع الفساد وأحياناً يحاول الإفادة منه. والمثقف العربي لا يثور لاستباحة الحق العربي أكان في فلسطين أو في العراق أو في أي بلد عربي آخر. وهو يسكت عن سلوك المحتلّ وأحياناً يبرّره وغالباً ما يدعم حجج المحتل في إصلاح وتغيير كان عليه هو أن يكون مصدره والمهندس الرئيسي له والراعي لتنفيذه. وهو لبلادة فكرية وشلل في الحيوية يصف مواقفه بالواقعية ويدعو للقبول بالواقع مهما كان ظالماً أو مُذلاًّ ويقتضي تغييره.

وباختصار فإنَّ نجاح مشاريع الهيمنة الأجنبية والشرذمة العربية مرهون باستمرار الهوَّة بين الحاكم والمحكوم، وتردًي وهامشية الخطاب القومي، واستمرار عطل أو تعطيل العقل العربي المتمثل في مثقفيه. فالاتحاد أو الانقسام لا يقرّره شكل الحكم بل نوعية الإنسان الذي يصنعه.