السينما الشعرية: دروب خمسة مخرجين : كوكتو، بونويل، بازوليني، تاركوفسكي، بيرغمان
يقدّم هذا الكتاب قراءة نقدية وتأملية في تجربة خمسة من أبرز المخرجين العالميين الذين أسهموا في تشكيل ما يُعرف بـ"السينما الشعرية" أو The Cinema of Poetry: جان كوكتو، لويس بونويل، بيير باولو بازوليني، أندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان. لا يسعى المؤلف حميد عقبي إلى تأريخٍ تقليدي أو تنظيرٍ أكاديمي صارم لهذا التيار السينمائي، بل يفتح بابًا للتفكّر الحُر والمُتخيَّل، عبر مقالات ونصوص كُتبت بين عامي 2007 و2024، وتحمل في طيّاتها انفعالًا شخصيًا صادقًا وشغفًا معرفيًا وفنيًا ممتدًا لسنوات.
يتناول الكتاب المفهوم الشعري في السينما انطلاقًا من إرث السرياليين، ثم يتوقف عند جان كوكتو بوصفه شاعر الصورة والمجاز البصري، متتبعًا فيلمه "دم شاعر" بوصفه تجربة سينمائية حالمة تتحدى الزمن والمنطق. ثم ينتقل إلى لويس بونويل، حيث يُحلّل فيلمه "شبح الحرية" بوصفه هجاءً مريرًا للمجتمع البرجوازي وأنساقه القيمية، من خلال أدوات سريالية وتراكيب سردية مفككة.
مع أندريه تاركوفسكي، يغوص الكتاب في سينما الحنين والروح، تلك التي تصنع الشعر من الصمت والماء والزمن البطيء، مؤكّدًا أن أفلامه ليست فقط ملاحم بصرية بل تأملات وجودية عميقة. أما بازوليني، فيقدمه الكتاب كأحد أبرز شعراء الصورة، المتمرّدين على الخطاب المهيمن، إذ يقرأ فيلميه "ميديا" و"النظرية" قراءة رمزية تسائل العلاقة بين الأسطورة، الدين، والواقع الطبقي الوحشي. كما يخصّص فصلًا لتحليل جماليات اللون في سينما بازوليني، وتوظيفها كأداة فلسفية في بناء المعنى لا مجرد زينة بصرية.
ويمنح الكتاب حيزًا خاصًا لسينما إنغمار بيرغمان، إذ يرى فيها صوتًا داخليًا للقلق الإنساني، والإيمان، والموت، والحب، عبر تحليل فيلم "الختم السابع" بوصفه نصًا شعريًا مفتوحًا على الأسئلة الكبرى. كما يسلط الضوء على سحر الحوار في أفلام بيرغمان، حيث يتقاطع الشعر مع الفلسفة والمسرح. وفي فصلٍ أخير، يجمع المؤلف ثلاث تجارب سينمائية – بازوليني، بيرغمان، بونويل – ويقارن بينها من خلال عدسة تصوير المهمّشين، والإنصات لصوت الآخر المنفي أو المقصي.
إن أهمية هذا النوع السينمائي تتجلى في كونه مقاومة فنية للابتذال والاستهلاك، ورفضًا للأنظمة السياسية والدينية القمعية، وبحثًا عن معنى مغاير للوجود. ليست السينما الشعرية ترفًا جماليًا، بل هي تعبير عن وعي متوتر بالزمن والتاريخ، بالحقيقة والذاكرة. ولذلك، فإن المخرجين الذين يتناولهم هذا الكتاب استطاعوا – كلٌ بأسلوبه ورؤيته – ابتكار لغة سينمائية مغايرة تدمج الحلم بالواقع، والمجاز بالحقيقة، والذات بالعالم.
هؤلاء المخرجون أثروا في أجيالٍ عديدة من السينمائيين، الكتّاب، والشعراء حول العالم، وفتحت أعمالهم أفقًا جديدًا لفهم الصورة، بعيدًا عن النمطية والحكائية الضيقة. أفلامهم تُقرأ مثل قصائد ميتافيزيقية، لا تزول أهميتها بتغيّر الزمن، بل تزداد راهنيتها في عالم يزداد ضجيجًا وسطحية.
وفي هذا السياق، يُعدّ حميد عقبي صوتًا متفرّدًا في النقد السينمائي العربي المعاصر، إذ لا يقترب من السينما من موقع تنظيري أو تقني فقط، بل من موقع العاشق والشاعر والمخرج، وهو ما يُكسب كتابه بُعدًا فريدًا. لقد اشتغل عقبي لسنوات طويلة على ترويج مفهوم السينما الشعرية في الأوساط الثقافية العربية، وكتب عنها، وأنتج أعمالًا فنية مستلهمة من رموزها، وأقام معارض وأخرج أفلامًا قصيرة تنهل من رمزية الصورة ومجازها. بل إننا نجد صدى هذه السينما الشعرية في كل أعماله: رواياته، قصصه، نصوصه المسرحية، ولوحاته التشكيلية، وحتى كتاباته النقدية التي تتميز بلغة شاعرية وتحليل تأملي.
إن هذا الكتاب ليس مجرد دراسة في السينما، بل بيان حبّ ووفاء لسينما الشعر والفكر. إنه دعوة للمشاهد والمبدع على السواء للغوص في أفلام تُشبه الأحلام، وتُشبه أرواحنا حين تهرب من الصخب إلى الصمت، من الخطابة إلى الهمس، من الأجوبة الجاهزة إلى الأسئلة المفتوحة.
مزيد من القراءة
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...