شاعرات، مبدعات، ملهمات وحداثويّات

(0)
بقلم: حميد عقبي
التصنيف: نقد
عام: 2025

عن دار صبري يوسف بالسويد صدر كتاب «شاعرات، مبدعات، ملهمات وحداثويّات» للكاتب والناقد حميد عقبي، ويأتي هذا الكتاب بوصفه عملًا نقديًا يسعى إلى سدّ فراغ واضح في المكتبة العربية، من خلال تقديم تجارب نسائية عالمية كان لها أثر عميق في تشكيل الحداثة الأدبية والفكرية، لكنها بقيت بعيدة عن اهتمام القارئ العربي.

لم يقدّم الكتاب تعريفات سريعة أو عروض مدرسية، كونه حاول أن يشتغل على مقاربات تأملية نقدية تضع النصوص في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، وتتعامل مع الكتابة بوصفها فعل مقاومة، وليس إنجاز جمالي. الأصوات التي يتوقف عندها الكتاب أسهمت في مساءلة العبودية، تفكيك الاستعمار، فضح العنف البنيوي، الدفاع عن الجسد والهوية، وخلق لغة بديلة انطلقت من الهامش وواجهت المركز.

على المستوى العالمي، تُعدّ هذه التجارب مرجعيات أساسية في الجامعات الغربية، وتُدرّس ضمن حقول الأدب المقارن، الدراسات النسوية، ودراسات ما بعد الاستعمار. تأثيرها لم يكن محصورًا في الشعر أو السرد، بل امتد إلى تشكيل وعي ثقافي وسياسي جديد، وإلى إعادة تعريف مفهوم الحداثة نفسها بوصفها وعيًا نقديًا لا زينة شكلية.

ورغم هذه الأهمية، يظلّ حضور هذه الأصوات ضعيفًا عربيًا. ليس بسبب محدودية قيمتها، بل نتيجة غياب الدراسات الجادة، وشحّ الترجمات، وهيمنة مسارات نقدية وإعلامية انتقائية. كما أن الإعلام الغربي، في كثير من الحالات، لم يروّج لهذه الأسماء بالقدر الكافي، لأن صوتها كان حادًا، مقاومًا، ومزعجًا للمنظومات المهيمنة، حتى داخل السياق الغربي نفسه.

من هنا تبرز قيمة هذا الكتاب؛ فهو يطرح سؤالًا أوسع عن علاقتنا العربية بالثقافة العالمية، وعن الأسباب التي جعلتنا محرومين من تجارب كان يمكن أن توسّع وعينا النقدي وتغني ذائقتنا الجمالية. الكتاب دعوة مفتوحة لإعادة القراءة، وإعادة النظر في خرائط الأدب العالمي من زاوية أكثر عدلًا واتساعًا.