The Satanic Verses: Between Fiction and Politics Part two

الجزء الأول من المقال

والاعتراض الشائع جدا لدى مؤيدي ( آيات شيطانية) هو : أن كثير ممن يهاجمون المؤلف، لم يقرأو الرواية..! ولكن، بالإضافة الى ان كثير من المدافعين عن الرواية لم يقرأوها ايضا.. واكتفوا بما عرفوه عن نبرة المؤلف العدائية الحادة من اجل الشعور بالرضا، فليس هذا هو السؤال الذي يتم تجاهله بل هذا: لماذا عرف هؤلاء واولئك بما ورد في الرواية قبل أن يقرأوها ؟والآخرون كلهم، لماذا وكيف سمعوا بها؟ مثلما يسمع كل الناس بقدوم ( السيرك ) الى المدينة؟ لا شك ان الدور الذي لعبته وسائل الاعلام والوقت الثمين الذي صرفته بسخاء للحديث عن الرواية واجراء المقابلات حولها ونشر صور تظاهرات المحتجين، وقراءة المقاطع وذكر التعليقات هو السبب.. وهذا سبب يتعلق بـ(الخطاب) الذي في الرواية، وليس بـ(حكاية) الرواية او ( رأي) المؤلف..او حتى الحاده..لان الملحد لا يهتم بالمقدس ولذلك لا يهتم بتدنيسه لان (الدنس) و (القداسة) وجهان لنفس العملة الدينية، فـ(رشدي) لا يبدو  كافرا بالمقدسات، بل يشعر بالاثارة من تدنيسها لانها مقدسة !! هذا كل ما في الامر.. هكذا تم خلق ضوضاء وجلبة مثل السيرك ومثل المتعة والفضول المصاحبة له حيث يزدحم المتفرجون لمشاهدة المهرجين والراقصين البارعين على الحبال، الذين تدربوا طويلا قبل العرض، وكذلك الفرجة على مخلوقات عجيبة (مثل المخلوقات الخيالية في ايات شيطانية).. وقرود ووحوش كاسرة تقفز عبر حلقات النار. والمتعة التي يشعر بها المتفرجون ناتجة عن تخويف الناس لانفسهم بمشاهدة اشياء حقيقية مخيفة، عبر مسافة امان، بحيث لا تشكل خطرا حقيقيا، تماما مثل المتعة المصاحبة للصورة النمطية عن الاسلاميين، في وسائل الاعلام الغربية وفي رواية رشدي، لتخويف القراء انفسهم بها دون ان يصدقوا انهم معرضون للخطر حقا. ولكن، بعد سنوات تحولت الصورة الى واقع مخيف واختفى المهرجون..بينما بقيت الوحوش والمسوخ .

ومن حيث ان رواية (رشدي) خطاب اكثر مما هي راوية، او حكاية ساخرة، او حتى فانتازيا.. فيمكننا العودة اليها واعادة النظر فيها من هذا المنظور، مستعيرين من رشدي شغفه بالنكات وحس السخرية، في الرواية وفي مقابلاته الاعلامية، ومقارنة روايته باعمال ادبية كانت منصة لخطاب ايديولوجي معين. ذلك ان روح تصريحات رشدي واقواله، في اللقاءات وفي ( ايات شيطانية) ،هي تقسيم البشر الى قسمين: مسلمين وغير مسلمين، والى همج ومتحضرين، والى محبين للديمقراطية الغربية وكارهين لها.. وبعملية اعادة دمج للمفردات حتى لو كانت عشوائية وسريعة، دون حذف او اضافة.. نجد بالصدفة ان المسلمين الموضوعين في مقابل غير المسلمين.. هم انفسهم همج في مقابل المتحضرين وهم الكارهين للديمقراطية في مقابل محبي الديمقراطية.. ويمكن اضافة ثنائيات متقابلة على نفس المنوال بالسهولة نفسها ، وهي لعبة سهلة ولا تتطلب جهدا عقليا، ولا همة نفسية بل تتطلب العكس تقريبا وليس لها نهاية. ولكن حتى هذا، ليس جديدا في التاريخ ولا السياسة منذ  كان الاغريق مقابل البرابرة اي كل من ليس يونانيا.. والرومان مقابل السافاج ..الى اخره.

الواقعة السياسية البسيطة اللافتة للنظر منذ السبعينات هي التركيز الزائد في الاعلام الاوروبي على العرب والاسلام، الامر الذي جذب انتباه ادوارد سعيد -كما يقول - ليس لان ذلك التركيز كان جديدا.. بل، لانه كان تكرارا لهوس الغرب بالموضوع ذاته منذ حوالي قرنين، وهكذا اصدر (سعيد ) كتابه المعروف ( الاستشراق ). يقول (فرناند دومون): (( ان التركيز على صورة شيء من الاشياء انما يعني عزله.. من اجل ابرازه ..)) ..فماالذي يوحي لنا به هذا الكلام، او بماذا يذكرنا؟ الا يمكن ان يكون المقصود شيئا منبوذا بشدة؟ بحيث لا ينبغي لمسه باعتباره كريها؟ صحيح، ولكن.. الا يمكن بالدقة نفسها ان يكون المقصود شيئا مرغوبا بشدة؟ مبجلا ومحوريا ودائم الذكر ولا يمكن لمسه ايضا باعتباره فائق الاحترام؟ صحيح ايضا..لان دومون يكمل كلامه السابق ويختمه بالقول: (( ..والفصل انما يعني التأسيس..)). وحتى التعريف القاموسي لكلمة (تابو ) او محرم هو: ما يوضع جانبا بوصفه مدنسا او مقدسا.

في كتاب (كفاحي) وهو عمل ادبي من نوع السيرة الذاتية تاليف (ادولف هتلر) ..و الكتاب يجري، ايضا، تقسيما للبشر بين اجناس بناءة للحضارة واجناس هدامة وملوثة لها، نقرأ في الكتاب : (( ان هناك عداء مستحكما بين اليهود والصابون..)) (!) وهي صورة ادبية او استعارة شعرية للقول انهم قذرون، والمؤلف يعرف ان قارئه سيكمل التقابلات المماثلة كلها بين الهمج والمتحضرين حتى نهايتها.. وفي حالة هتلر وأنصاره كانت نهايتها وضع كل المعادين للصابون في معسكرات اعتقال حتى الموت (وفي شائعة شعبية ان النازيين صنعوا من جثث ضحاياهم نوعا من الصابون بيع في الاسواق ) واشتعلت الحرب العالمية وازهقت ارواح الملايين..كان اليهود موضوع عداء متفاوت حسب العصور في كل الغرب، لكن النازية استبدلتهم بكل شيء آخر ودفعت الموضوع الى حده الاقصى كشيء منبوذ بشدة حد التحريم. وما ان انتهت الحرب العالمية حتى اصبح اليهود موضوعا مرغوبا بشدة، واقيمت لهم دولة في فلسطين حسب رغبتهم وصار ممنوعا الكلام ضدهم بحكم القوانين الديمقراطية. وصار الفلسطينيون والعرب والمسلمون والشيوعيون (؟) هم كارهو اليهود، وسبب مآسيهم. لو وضعنا كلمة (مسلمين) بدل (يهود) وكلمة (ديمقراطية) او (حرية التعبير) بدل (الصابون) لحصلنا على جملة من اقوال رشدي: ان هناك عداء مستحكما بين ( المسلمين ) و (الديمقراطية) او حرية التعبير ؟! صحيح ان سلمان رشدي تعرض للتهديد بالقتل مع انه لم يدعو لقتل احد، وهذا دليل على كره المسلمين للديمقراطية( !)ولكن هتلر ايضا لم يمنع احدا من استخدام الصابون غير ان الاعداء وسخين بطبعهم، فما ذنب هتلر الذي سجل افكاره الجريئة في كتاب كفاحي وهو في السجن ودفع ثمن ارائه الحرة؟ مثلما واصل رشدي اطلاق تصريحاته ومقابلاته من مقر اقامته السرية ودفع ثمن أفكاره. ورفض رشدي الاعتذار للمسلمين لا حساسهم بالاهانة من الرواية قبل الفتوى، لكنه -والحق يقال - قدم اعتذارا لهم من مكان سري بعد الفتوى.. غير ان قادة المسلمين هم الذين اعتذروا عن قبول اعتذار رشدي وقالوا ان الوقت فات ولكي لا ننسب لسلمان رشدي ابداع اواختراع صورة نمطية عريقة عن الاسلام نقول: ان رواية رشدي ترجمة ادبية لصورة نمطية سادت الاعلام والثقافة الشعبية الاوروبية وقد نقلها رشدي الى عالم الأدب، ومن هناك قامت وسائل الإعلام بالحديث عنها نقلا عن عالم الأدب وليس عن الثقافة الشعبية. وهذه بضاعة عادت الى مالكيها.

 

صورة الآخرية مقابل صورة الذات او الهوية مسألة حيوية منذ ظهور الثقافة، والمجتمعات، والأدب، ولم تكن يوما نقلا شفافا للواقع وليست هذه وظيفة صورة الآخر في الثقافة بل ان وظيفتها هو اتصال الذات مع نفسها، مثلما ليست الايديولوجيا تعبيرا شفافا عن الثقافة او الواقع.. إلى حد أن (ماركس) راى : (ان الثقافة نفسها ايديولوجيا.. من حيث نقلها للطبيعة). ومن الابتذال اعتبار ان صورة نمطية عن الاخر قد يكون مصدرها الاخر نفسه، وان علينا (فحص) الآخر قبل الوصول لحكم نهائي (!) بينما نجد في كتاب الادب المقارن: (( ان من المستحيل ان لا تبدو صورة الاخر، على مستوى فرد او كاتب وعلى مستوى جماعي لمجتمع او امة، ان لا تبدو نفيا للاخر ايضا )) والابتذال وجدناه في بعض المناقشات عن نقد رشدي للاسلام، عند فحص (الاسلام ) نفسه من اجل تبيان صدق (رشدي)  او كذبه، او فحص اليهودية لتقييم خطاب هتلر،وهذا بحث عن سراب لا طائل منه، لاننا في هذه الحالة يتوجب علينا فحص كل البشر لتقييم صحة او كذب كل البشر.. لان كل الثقافات قدمت صورة نمطية عن كل الثقافات -بدون استثناء- : من اكثر القبائل البدائية (همجية) والتي تصف كل البشر الاخرين بانهم (همج)، كما  يقول (شتراوس) بعد زيارته لها, وصولا الى بريطانيا الديمقراطية حيث كان (سلمان رشدي) يعيش ويمارس حرية التعبير ، واول ممارسه عملية له عن حرية التعبير الحضارية والتي جعلته مشهورا ونجما في التلفزيونات، كانت تأليف عمل ادبي يهين ويسب فيه ديانة ينتمي اتباعها الى ربع سكان الارض.! بينما يجب فحص صورة الاخر باعتبارها تقديما لصورة الذات.. ويقول دانييل باجو في كتاب الادب المقارن السابق ذكره : (( تريد الذات اجراء محادثة مع الاخر، ولكن حين تحادث الاخر.. تنفيه.. وتحادث نفسها ))..ونجد خصوم رشدي يعتبرونه كاذبا، بينما نجد المدافعين عنه لا يهمهم ان كان صادقا اصلا ، ولا يفحصون الحقيقة بل تهمهم صورة الاسلام كـ(آخر)، ويطالبون سواهم بفحص الاسلام. ذلك ان صورة الآخر ليست صادقة او كاذبة، بل هي رمز للوظيفة التي تؤديها، وصورة الاسلام ليست ناتجة عما يسمى (طبيعة الاسلام) بل عن طبيعة ايديولوجيا الغرب.

منذ اصبحت روما مسيحية صارت مسيحية مركزية وكان ( آخرها) متوفرا وهم اليهود الذين سلموا المسيح لروما حين كانت وثنية. وترجع كلمة (حداثة) الى  تلك الفترة المبكرة حين استخدم بابا روما الكلمة قاصدا بها الحد الفاصل والقطيعة مع اوروبا ما قبل المسيحية، كما ذكر (هبرماس). وعند ظهور الاسلام صار (اليهود والمسلمين) هم عدو روما و( آخرها). والصليبيون في طريقهم لمحاربة الاسلام في المشرق، قتلوا كل من صادفوه من اليهود، لكن البابا نهى الصليبيين عن القضاء الكامل على اليهود، لانه يجب ان يبقى (شهود) يهود على المسيح. وعندما استعاد الاسبان غرناطة كان احد شروط المسلمين عدم طرد اليهود بعد تسليم المدينة، لكن الاسبان اخلوا بالعهد وطردوا يهود غرناطة فورا . ثم اصبح الاتراك المسلمون هم العدو  الذي اقترب من عمق اوروبا طوال عصر النهضة الاوروبية، فقام الاسبان بطرد سكان غرناطة المسلمين، وكان قد صدر الجزء الاول من رواية (دون كيشوت) ولذلك تم ذكر الحادثة في الجزء الثاني. وعلى الرغم ان المؤلف سرفانتس كان قد تعرض للاسر بعد معركة مع الاتراك وسجن لسنوات قبل تاليف الرواية، لكنه عبر عن ضمير انساني، وعارض اجراءات سلطات بلاده بدفاعه عن الاندلسيين المطرودين، حين كانت ماتزال (محاكم التفتيش) الرهيبة موجودة، والتي تشبه (غستابو ) هتلر وتفتيشها عن اليهود والمعارضين للنازية. في تلك الفترة ظهر لاول مرة تعبير (دعاية \ بروباغاندا) ..عندما اسست كنيسة روما مجلسا للدعاية. بينما نجد رواية (ايات شيطانية) لا تعارض سلطة الدعاية التي تعيش في ظلها، بل توازيها وتستقطب جمهور الدعاية نفسه.

وقبيل الثورة الفرنسية كتب المفكر الفرنسي (فولتير) مسرحية عنوانها: (محمد) ..! وعرضت على المسرح، وهي شبيهة بآيات رشدي الشيطانية، من حيث الصاق تهم واوصاف خيالية بالشخصية. لكن (فولتير ) كان يريد تحذير الشعب من طغيان ملوك اوروبا وكان يمنع التصريح بذلك فلجأ الى عمل فني مسرحي لعرض خطاب سياسي من خلال شخصية تاريخية يعرفها جمهوره جيدا لانها شخصية ( الآخر )، العدو ومؤسس الاسلام : (محمد). وهنا ايضا كان (فولتير) معارضا للسلطات القائمة، واستخدم (التورية الفنية) وقال بنفسه فيما بعد: ( ان المسرحية لا تدور حول النبي محمد بل حول ملوك اوروبا..) اي ان صورة الآخر كانت عن ( الذات)، كانت مرآة لا اكثر.. لكن فولتير مفكر شجاع. اما (سلمان رشدي) فقد اصر في تصريحاته على ان موضوع روايته هو ( الاسلام) ولم يعترف بالتورية التي تكمن في خطاب الرواية والتي تخدم السياسات القائمة والتي جعلت الاعلام السائد والجمهور داعمين له. بعد (فولتير) قامت الثورة الفرنسية واسقطت الملكية.وتبلورت هوية اوروبا او الغرب وفق نزعة مركزية اوروبية وصلت الى اضعاف الكنيسة ثم ازاحتها، وبعد ذلك تمت ازاحة المسيحية نفسها والحفاظ على النزعة المركزية.

فاذا كانت (صورة ) الآخر موجودة دائما لتلبية (صورة الذات) في كل الثقافات، فان ( آخرية الاسلام) هي -بهذا المعنى- شىء طبيعي، للاسف، مثلما ان الحروب والعنف كانا موجودين بشكل طبيعي في التاريخ الانساني، وتطورا مثل كل شيء، تطورا الى سلام ومهادنات. وقد نشأ التعارف بين البشر عبر الصراعات.. فلا شىء ثابت بما فيه صورة ( الذات)، وبالتبعية، صورة ( الاخر). ولكن، لذلك تكون المفارقة، حين يترافق صعود حضاري شامل، كما هو حال الغرب الاوروبي والامريكي، ومفتوح على المستقبل، مع اعادة انتاج انماط تعود الى ماض تجاوزه الحاضر. وهذا أساس مقالتنا، وحالة شبيهة بالموقف في منتصف السبعينات، حين لاحظ (ادوارد سعيد) عودة وسائل الاعلام في اوروبا وامريكا لتقديم صورة للعرب والتركيز عليها كدلالة تخص نظرة اوروبا الى نفسها. فرغم تخلي اوروبا عن رموز المسيحية وعن الايديولوجيا الدينية لكن.. كأن اروبا لا تستطيع التخلي عن العدو الرمزي للمسيحية وهو الاسلام، حتى حين اصبحت ليبرالية وعلمانية وقوية. لقد كانت اوروبا كل مرة تحل ( آخر) جديد محل ( آخر) عبر التاريخ: اليهود، زنوج افريقيا، هنود امريكا، ولكن.. كل مرة تربط هذا (الآخر) مع العرب او الإسلام: ( الآخر الاصلي) وليس الاخر الاقدم، فاليهود اكثر قدما. حتى الفاتحون الإسبان (( حين دخلوا الى المكسيك ورأو معابد (الازتيك) الضخمة فقد اسموها (مساجد)،(!) وأطلقوا على (مكسيكو) للوهلة الاولى اسم ( القاهرة) ..)) اي انهم أحالو الهنود الحمر وهم (اخر جديد) مجهول، الى الاخر نفسه بالنسبة اليهم: العرب و (الاسلام)، كما يقول (تودوروف) في كتاب (غزو امريكا). والمسرحية الأخرى لشكسبير: مسرحية (عطيل).. التي تدور حول شخصية معرفة في الرواية على انها ( عربية ومسلمة )، وشكسبير يتعاطف معها، لكنه جعل عطيل زنجيا اسود. وهذا ما قصدناه بان صورة الاسلام ليست ناتجة عن (طبيعة) في الاسلام، بل عن طبيعة في (ايديولوجيا الغرب) نفسه، رغم الاسطورة الشائعة ان الغرب لايملك ايديولوجيا مع انها مسؤولة عن التصور الذي يعمل الغرب على تشكيل العالم بحسبه، دون ان يعني هذا تصديق ان الغرب قادر على تشكيل العالم، ولكننا نبحث في التصورات وعلاقتها بالصورالنمطية واعادة انتاجها كل مرة، في المراحل الحديثة بحسب معطيات كل مرحلة.

لاحظنا في العرض السابق، كيف دمج الغرب كل (آخر) مع الآخر العربي والمسلم، وهتلر في كتابه (كفاحي) قام في وقت مبكر، بتكثيف واستعادة (آخر) قديم هو اليهود، لتدعيم صورة الذات الالمانية. ويقول هتلر في كتابه انه عندما كان بعض المثقفين ياتون لمناقشته، كان يشعر بالضيق (( لان افكاره ليست موجهة للمثقفين.. بل للناس العاديين..)). كان هذا قبل الحرب بوقت طويل، ورغم افكاره العنصرية المعلنة وتصريحه بكراهية الديمقراطية، إلا أن الغرب ( الديمقراطي) تركه يجمع قوته، بل امده بالتمويل غير المباشر، أملا في ان (هتلر) سيحارب الشيوعية. الى ان شن هتلر حربه ضد الجميع: اليهود، والشيوعيين، والديمقراطية، فاضطر الغرب للتحالف مع الشيوعية لسحقه بتكلفة باهظة. قبل الف سنة دعمت كنيسة روما نخبة الصليبيين (فرسان الهيكل) وتركت لهم كل المقدرات لحربهم المقدسة على المسلمين، وبعد نهاية الحرب وانتصار المسلمين، قادت الكنيسة وبعض ملوك اوروبا حملة قتلوا واعتقلوا فيها كل فرسان الهيكل بلا هوادة. وقد عرف الغرب ان (صورة الاخر ) اليهودي عند النازية هي لعبة دموية، لكنه لم يحاربها جديا، بل أعطى لـ(هتلر ) الوقت لتدعيمها، وترك اليهود للوحش مثل فريسة في القفص، لان الغرب ظن ان النازية ستكون مثل الحملات الصليبية ولكن ضد الشيوعيين وانها كالصليبيين سوف تفتك باليهود مثل بروفة للقتل في طريقها الى هدفها الاساسي. ولم تصدق اوروبا ان هتلر سوف يتجرأ على مهاجمتها كلها. ومنذ هزيمة النازية تمحورت الذكرى في الغرب كله حول الحرب العالمية الثانية وكانت وسائل الاعلام الاوروبية تذكر بان الشعوب العربية، ومسلمي الجمهوريات السوفييتية، كانوا متعاطفين مع النازية، ومرة اخرى تم ربط النازية، عندما اصبحت عدوا اول للغرب الاوروبي، مع العرب والاسلام، وتم تحميلهم جزءا من المسؤولية عن ابادة اليهود. واعفى الغرب نفسه من المسؤولية عن (حسن ظنه) الذي وفر مهلة لهتلر . وفي ذروة الحرب الباردة اعيد الربط بين الشيوعية والعرب لتفسير العداء الجذري للاحتلال الاسرائيلي..وتفسير مايسمونه الارهاب الفلسطيني.

.وبينما لاتبدو الليبرالية الغربية ( ايديولوجية ) في عالم كان يضج بالايديولوجيات ، فان الناقد ( رولان بارت) يشير الى الغرب الاوروبي بقوله: ((..هناك يكمن جوهر الايديولوجيا ))، الذي يستند على (( التلطيخ ))، ويؤكد بارت على الكلمة باعتبارها معبرة عن الثقافة الغربية لان ايديولوجيا الغرب لا تمنع ولا تقمع لكنها ( تلوث) و (تلطخ) خطابات الآخر والمعارض والمختلف قبل تلطيخهم  هم انفسهم.

والدور الذي لعبته (ايات شيطانية) وهي رواية خيالية عن (الاسلام )، هو دور مشابه لدور كتاب (كفاحي) وهو مجرد سيرة ذاتية، يعرض فيها هتلر افكاره قبل استيلائه على السلطة. لكن اليهودي في كتاب هتلر هو استعادة لـ( آخر) صاف، لا تعكره شائبة شبه مع الذات ولا حتى البشر، آخر (نقي \ pure )، شر اصلي، وذلك قبل وقوع الحرب باربعة عشر عام. وبالمثل جاءت ( ايات شيطانية)  لاستعادة ( الاسلام ) كآخر مصفى، اصلي، شر ينوب عن كل آخر ولايشترك مع آخر، حتى ( العربي) تم حجبه مؤقتا، وفي الاثناء، كانت ولادة حركة ( الطالبان) في افغانستان و(حماس) في غزة في نفس عام صدور الرواية، ولم تثيرا اهتمام احد. ولم يكن (تنظيم القاعدة) قد وجد بعد. واسم تنظيم  القاعدة لايحمل اي ايحاء او معنى رمزي بالعربية، لكن معناه واضح بالانكليزية (قاعدة \ fundament ) ومعناها: (اصولي)(!) وذلك قبل ثلاثة عشر عام من بدء حروب مكافحة الارهاب عام 2001. ولا يمانع سلمان رشدي في اللقاءات معه من ربطه بالتداعيات السياسية ومكافحة الارهاب مثلما قد يفعل مناصروه ففي وثائقي من انتاج (دي دبليو) يقول ان الامريكيين الذين التقاهم بعد هجمات 11 ايلول قالوا له: ( انهم في البداية لم يفهموا لماذا كتب روايته؟ وماذا أراد ان يقول؟ لكنهم بعد هجمات ايلول فهموا قصده متأخرين..)..ويشير بيده للتعبير عن التأخير والأسف، وبدا فخورا بـ(تحقق نبوءته) عن الارهاب الاسلامي، مع ان روايته تتحدث عن تأسيس الاسلام في القرن السابع، فكيف عرف ما سوف يحدث بعد 14 قرن؟ ولم يظهر على رشدي اي حياء من شبهة ( الايحاء) او التعرض للايحاء، ودعونا لا نخمن من يمكنه ان يوحي لمن؟ ومن الصعب تصديق ان احدا يسبق الامن الفدرالي وحلف الناتو بتوقع الاحداث!! فهل كان الامريكيون الذين تحدثوا معه متاخرين جدا في فهم تحذيره بعد 13 عام من نشر الرواية؟ ام ان توقعه كان مبكرا جدا، وسابقا لهم باربعة عشر قرنا؟ منذ ظهور الاسلام ؟

وكما يقول الروائي خوليو كوتازار: (( ان الادب لعبة لكنها لعبة يمكن للشخص ان يضع حياة انسان فيها )) كذلك يمكن القول ان رواية ( آيات شيطانية) و سيرة هتلر الذاتية (كفاحي)، اللتين كانتا عملين ادبيين في البداية وربما كانتا لعبتين لكلا المؤلفين، لكن السياسة والإعلام جعلتهما لعبتين توضع فيهما مصائر شعوب في مهب الحروب والموت. والكتابان، بعد اول صدور لهما، لم يأخذهما القراء على محمل الجد، وشعر قراء ( كفاحي) أن الكتاب خليط غير متناسب من الافكار، مثلما شعر قراء رواية ( رشدي)، وفي المانيا كان الناس يؤلفون النكات عن هتلر وكتابه، ولكن عندما اشتدت الازمة الاقتصادية  وارتفع عدد العاطلين عن العمل في المانيا، وحين صدرت الفتوى الدينية ضد رشدي، ازداد اقبال القراء على الكتابين وشعر المؤلفان بوصول الرسالة الى الجمهور ومع ذلك لم يصدق الناس في الحالتين ان مايرد في الكتابين يمكن ان يتحول الى حقيقة. والنمطان الواردان في الكتابين: (اليهود) في (كفاحي) و (المسلمون) في رواية ( رشدي)، لم يكونا جديدين على القراء ولا على وسائل الاعلام، لا في زمن (هتلر) ولا في زمن قراء رواية (رشدي) لكن الغالبية لم يعرفا ماهو الجديد في اعادة صورة نمطية قديمة، ومع اي سياسة مستقبلية تتقاطعان، ولأي مرحلة تمهدان.. فلا يتذكر الكثيرون ان كلمة (أصولية) لم تكن ترد تقريبا في الاعلام حين صدرت رواية رشدي،  ولننظر اليوم مدى إلفتها وتكرارها، فأين كانت الحركات الأصولية عند صدور ايات شيطانية اذا كانت تسميتها غير مستخدمة حينها؟ وكيف ظهرت بعدها مباشرة؟ولماذا نجد تاريخ تأسيسها يرجع الى تاريخ نشر الرواية لكنها لم تكن مشهورة بعد؟

صورة المسلم النمطية التي استمدها (رشدي) من قاع الثفافة الشعبية والاعلام واعاد احياءها في روايته ، صورة لا زمنية ، مثل صورة (اليهودي) التي استعادها هتلر من قيعان الثقافة الشعبية في اوروبا واعاد تكثيفها في كفاحي و ارسالها لتأدية وظيفة جديدة في مشروعه السياسي . ولذلك عاد رشدي في الرواية الى لحظة تأسيس الإسلام من اجل إدانة الاسلام اليوم، بينما قام هتلر بإدانة اليهودي اليوم (في عصره) وادانة سلوك اليهودية منذ تأسيسها. وعنوان كتاب هتلر الأصلي هو: (كفاحي ضد الكذب والضعف والجبن ) لكن ناشر الكتاب اقترح عليه اختصاره الى الكلمة الاولى، وكان يمكن لـ(رشدي) ان يجعل عنوان روايته: ( كفاحي .. ضد المسلمين واعداء الديمقراطية، وحرية التعبير ) مثلما كان يمكن لكتاب هتلر ان يكون عنوانه: (مزامير شيطانية)!! ومافعله رشدي انه عزل المسلمين عن غير المسلمين ( كما عزل هتلر اليهود عن غير اليهود) ثم عزل المسلمين عن حضارة العصر ثم عزل تاريخ الاسلام عن الزمن ولذلك فالمسلمون اليوم مثل المسلمين عند ظهور الاسلام، فما يسري على البشر من تغيرات عبر الزمن والوقت لا يسري على المسلمين لانهم (مخلوقات اسلامية) وليسوا مخلوقات بشرية تماما، وهذه المخلوقات غير تطورية اي ان اسلامها اليوم مثل اسلام زمن التاسيس وهذا يناقض كتاب (اصل الانواع) لداروين, فالكائنات التي لا تطور ميزات وقدرات للتلاؤم تفنى وتبقى الكائنات التطورية التي طورت سمات للتأقلم وهذا ينطبق على الديناصورات والحشرات وسائر المخلوقات لكنه لا ينطبق على المخلوقات الاسلامية بحسب الصورة النمطية للاسلام وبحسب نظرية رشدي ولذلك تدور رواية ايات شيطانية في عصر نزول الوحي لتأريخ (اصل النوع الاسلامي) الذي تصادفه - ايها القارىء - حتى اليوم في عصرنا الحاضر، ولكي تعرف كيف يتصرف المسلم او كيفية عمل هذه المخلوقات يمكنك ان تقرأ كتابهم المقدس (القرآن الكريم) وفيه تعليمات وبمثابة (كاتالوغ) مرفق (!) لكيفة عمل المسلم، اي ان النبي (محمد) ليس مؤسس ديانة بل مؤسس (بيولوجيا) يتوارثها المسلمون بالجينات الوراثية دون اي تطوير. بالضبط مثل صورة اليهودي وكتبه القديمة وتعاليم كتاب التلمود.

 

وتناقض (رشدي) مع المنطق السليم اكبر من تناقض (هتلر)، مع  ان الاثنين لا يخاطبان المنطق السليم اصلا، ولا يطرحان افكارهما من اجل التفكير، ولكن واقع الحال ان اليهود في كتاب (كفاحي) وفي ظاهرة (العداء للسامية) هم ( عرق ) وبالتالي يمكن عزو الاتهامات لهم لاسباب عرقية وجينية (!) وان يكن بشكل سخيف ومضحك ومتناقض مع العلوم. وقد شغل هتلر نفسه بقراءة سطحية لكتاب ( الاعراق البشرية) لاثبات الصفات العرقية لانحطاط اليهود ولتفوق الجرمان ايضا (..؟) اما ( الاسلام النمطي) فمهما تم تنميطه فهو دين وليس عرق، واتباعه من غير العرب ينتمون الى 35 عرق، وقومية، وامة، والعادات والثقافات لدى تلك الاعراق مازالت تميز البلدان الاسلامية فيما بينها، ولذلك فالتعليق على العادات العربية و ( البدوية ) لتفسير الاسلام، لا تفسر شيئا منذ مئات السنين، وهذا هو سبب ان وسائل الاعلام في اوروبا وامريكا وحتى بعض المنشورات (مثل اطلس المعلومات لعام 1986) كانت دوما تنشر ارقاما (مخففة) عن عدد المسلمين الحقيقي، ليس لأن العدد بحد ذاته يعني شيئا ولكن لانه  يناقض الانطباع السائد الذي كانت تلك الوسائل تنشره وهو: ان الاسلام دين عربي، وأن المسلمين هم العرب والشعوب القريبة والشبيهة بهم، فقط، مثل: ايران، وتركيا، والاكراد .. فلا يعرف المتلقي ان اندونيسيا وحدها اقل بقليل من عدد سكان كل البلاد العربية،  وان الحزب الشيوعي الاندونيسي ( المسلم ) كان منذ سنوات اكبر من الحزب الشيوعي السوفييتي والحزب الشيوعي الصيني ايضا اي انه كان اكبر حزب شيوعي في العالم، والذي قضى عليه هو الولايات المتحدة الامريكية وليس الاصوليين، وان ( ألبانيا) في قلب اوروبا، على مقربة من ايطاليا، هي بلد مسلم وليس اسلامي، وان مسلمي البوسنة لم يكونوا يعرفون الاصولية الني كانت وسائل الاعلام تتحدث عنها، اي ان المسلمين يشبهون البشر كثيرا، وان تعبير ( امة اسلامية)هو تعبير روحي، مثل التعبير اليهودي السابق على قيام اسرائيل وهو (نلتقي في اورشليم ).. ولم يكن المقصود منه احتلال فلسطين، وان تعبير (عالم اسلامي) تعبير حشوي لا يصف بنية على ارض الواقع، كما قال (جيمس كورت)، مثل تعبير عالم مسيحي فهو يجمع (بلجيكا) و (اثيوبيا) ولا يجمع شيئا في الواقع والثقافة والسياسة..!

وكتاب التلمود اليهودي بدوره من اشهر الكتب القديمة التي تجري تقسيما بين البشر بين ( يهود \وغير يهود ) مثل التقسيم في (كفاحي) بين (يهود وجرمان ) وتقسيم رشدي بين (مسلمين وغير مسلمين)