آيات شيطانية بين الرواية والسياسة والأصولية

ما إن صدرت رواية ( آيات شيطانية) عام ١٩٨٨ في بريطانيا حتى حازت على نوع من الشهرة السريعة٠ والرواية تدور حول آيات نزلت على النبي ( محمد) ثم نسخت لانها ليست من الوحي ، اي ان محور الرواية يدور على امر بالغ الحساسية ، ورغم ان العمل تخيلي وان بطل الرواية لا يحمل اسم محمد بل اسما لا يمكن ان يكون هناك اكثر منه شبها باسم ( محمد) ٠٠فهل هذا يجعل موضوع الرواية سيئا ام مثيرا ؟ الاجابة ليست بدهية او بسيطة جدا كما تبدو ، مثل شهرة الفضيحة التي من الصعب تحديد سبب انتشارها مع الهواء لانها سيئة ام لانها مثيرة؟ ولكن في العام التالي لصدور الرواية جاءت من ايران فتوى باهدار دم مؤلفها ( سلمان رشدي) ٠٠والآن٠٠هل صار الأمر أكثر سوءا؟ لكنه صار أكثر إثارة أيضا ٠٠والشهرة السريعة التي حصلت عليها الرواية في البدء ، اصبحت ذات دوي عالمي وازداد بيع نسخ الرواية وتضاعف عدد ااراغبين بقراءتها في كل مكان ، وازدادت اللغات التي اخذت تترجم اليها٠ ومن السهل على شخص يقف ويتأمل بترو قبل ان يدع الظاهرة تجرفه بعناوينها الفاقعة والمعروفة مسبقا ، من السهل عليه ، على اي جانب يقف سواء في هذا الخندق او ذاك ، ان يشعر ان ثمة اغواء في الجو يفوح من الجانبين ، ثمة من يغوي ومن يستجيب للاغواء٠٠ لكن الأصعب ان يقول بسرعة : من الذي يغوي؟ ومن الذي يتعرض للإغواء٠

 

هيئة الاذاعة البريطانية التي تبث بأربعين لغة من بينها العربية وهي الأكثر متابعة بين الناطقين باللغات التي تبث بها ومنهم المستمعين العرب ، تكفلت بتعريف المستمعين بالرواية الجديدة ٠ واخذ المستمعون العرب يسمعون كلاما جارحا عن مقدساتهم بشكل شبه يومي هي عبارة عن مقاطع من الرواية التي لم تكن قد ترجمت الى العربية ولم يكن احد من المستمعين قد قرأها لكنهم اخذوا يسمعون مقاطع منها عبر الاذاعة البريطانية٠ في تلك الفترة المبكرة من الأزمة ربما تولد انطباع اولي لتفسير ما الذي يحدث من أنه كاتب مهاجر بعد اصداره روايات ناجحة ، أراد وقد بلغ سن النضج ، ان يتبعها برواية وان تكن خيالية تكون تصفية حساب مع تربية دينية محافظة يعتبرها سببا لطفولته البائسة قبل نجاته وهجرته الى بريطانيا٠ وحيث انه كمسلم يعيش في بلد يكفل حرية التعبير فهو قادر اخيرا على ان يقول بصوت مسموع ما هو محرم عليه في وطنه: الهند وباكستان ٠ هذا الافتراض الأكثر واقعية من الواقع نفسه ، ليس حقيقيا هذه المرة ، لان ماحدث لرشدي وبشهادة رشدي نفسه ، هو على العكس تماما بشكل استثنائي يثير الدهشة والاعجاب عن حياة هانئة لطفل محظوظ.

فقد ولد (سلمان رشدي) في (مومباي) في الهند وعاش -كما يقول - طفولة سعيدة في كنف أسرة مسلمة غير متشددة, وسط بيئة محيطة تضم أناسا من مختلف الاديان, وان أصدقاء طفولته كانوا مسلمين وهندوس ومسيحيين دون تمييز.. وفقط من أجل مستقبله الدراسي عرض عليه والداه السفر إلى بريطانيا, ولم يفرضا عليه حتى هذا العرض. ويقول انه بالبساطة نفسها وافق على السفر, رغم انه كان مجرد مراهق وكان لديه الكثير مما سوف يفتقده حين يفقد مسقط رأسه. فاي تصفية حساب مفترضة مع الدين تمثله رواية ( آيات شيطانية) وهو لم يخضع لأي قسر لا ديني, ولا عائلي, ولا اجتماعي, طوال طفولته ومراهقته؟.. ترى..أي شيء كان يريد رشدي مواجهته- حقا - من خلال روايته الصادمة؟ حين وصل الى بريطانيا طالبا يافعا, تلقى صدمة عندما فوجىء بالعنصرية وبانه ( آخر) وشخص غير محبوب, بسبب لونه وعرقه.. وهذه مشاعر لم يكن قد اختبرها -من قبل - في وطنه, ولكن .. - وللغرابة- ليس هذا ما اراد قوله في روايته ( آيات شيطانية).. ليست الصدمة التي تلقاها فور وصوله لبريطانيا هي ما أراد التعبير عنه,.. بل.. على العكس.. أراد إلحاق الصدمة بالآخرين من جراء استخدامه لمقدساتهم في رواية سوريالية - في الحقيقة - يمنح (رشدي) نفسه فيها حق التلاعب الخيالي بموضوعات لها مرجعية عند ملايين المسلمين.

.. بعد تخرجه من الجامعة في بريطانيا، حاول اصدار عدة روايات لكنها كانت محاولات فاشلة. وأحس انه - ككاتب - فاقد للإتجاه، فأراد العودة الى (الجنة المفقودة) - على حد تعبيره - أي الى مسقط رأسه وملعب طفولته، وبالفعل.. فان سفره الى وطنه حيث أمضى مدة من الوقت هناك، هذه العودة الى الأصول أثمرت رواية (اطفال منتصف الليل) عام 1981.. والتي فازت بجائزة البوكر. وعاد اليه حظه اخيرا. وخلال الفترة التالية لهذا النجاح الباعث على الرضا، أخذ يفكر بتأليف رواية اكثر طموحا هي: ( آيات شيطانية). ومثلما ذكرنا سابقا، فإنه لم يسعى في رواية سن النضج هذه الى أن يسرد  إحساسه بالصدمة مستعيدا ذكرى وصوله الى بريطانيا، حين شعر بأنه ( آخر ) غير مرغوب فيه، بعد أن كان (ذاتا ) محبوبة في وطنه، بل قام بسرد معاكس.. استوحى فيه من معتقده، مايمكن اعتباره معتقدا وحشيا وشاذا - من وجهة نطر (ذات) الى ( آخر ) غريب - متماهيا هكذا مع كونه ( آخر ) وليس (ذاتا ) ..وعندما ظهرت ردود فعل المسلمين ضده وتهديده بالموت كما لو انه غريب، او مرتد، أي: ( آخر ) بالنسبة لهم، تماهى أخيرا حينها مع هويته الجديدة كحامل للجنسية البريطانية.. وصار ينفي ( الآخر ) الذي ينفيه.. ذلك الآخر الذي كان ذاته الأصلية القديمة .. صار (رشدي) ذاتا جديدة مهاجرة وليس مجرد آخر .. صار جزءا من ( الذات ) الغربية.

.. هذا هو الطريق الذي سلكه (سلمان رشدي) باصدار روايته ( آيات شيطانية ) التي وقعت على تقاطع ملتبس لإتجاهات متعاكسة عديدة ..

في العام الذي صدرت فيه الرواية عام 1988 كانت اوروبا تشهد تغييرات غير مسبوقة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتبدلات جذرية في مزاج الرأي العام الأوروبي حيث شهدت العواصم الاوروبية، ومن ضمنها العاصمة البريطانية، وللمرة الأولى تظاهرات سلمية كبيرة معادية لإسرائيل على خلفية الانتفاضة الفلسطينية في العام ذاته، هذا في اوروبا الغربية الداعمة تقليديا لاسرائيل.. اما اوروبا الشرقية فكانت تشهد تغييرا مماثلا مع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية..هكذا - وعلى حد تعبير هنري كيسنجر -  فان الغرب، وعلى راسه الولايات المتحدة الأمريكية،  وجد نفسه  في وضع فريد : (( فللمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية، لا تكون الولايات المتحدة أمام عدو قوي يهددها.. )) ..قاصداً النازية التي اختفت مع نهاية الحرب العالمية والاتحاد السوفييتي الذي احتفى الآن. وأغرب مافي هذا القول الساخر بمكر ، هو اعتبار زوال العدو قبل ان يحل مكانه عدو جديد هو بمثابة (فرادة في الوضع ) !!.. تفسر إحساس الغرب بالقلق وعدم الإتزان ..اما فوكوياما فقد ذهب الى ابعد من كيسنجر حين قال بسخرية اقل مكرا واكثر غطرسة: (( ان التاريخ - بذلك - يكون قد انتهى..)) وذلك في مقالة (نهاية التاريخ ) التي صدرت في عام سقوط جدار برلين وهو العام نفسه الذي صدرت فيه الفتوى ضد (سلمان رشدي) عام (1989).. وعلى أية حال جاءت رواية ( آيات شيطانية) كما لو انها صافرة الانطلاق لمعالجة الوضع سريعا، ولإعادة البناء.! بناء الجدران العازلة، وليس جسور الاتصال..فهل كانت رواية آيات شيطانية إنقاذ للتاريخ (!) واستئناف للبدء، وان التاريخ القديم يمكن ان يعود ويصير.. تاريخا جديدا ؟!!

 

وليس جديدا ولا مستغربا على إيديولوجيا الرأسمالية ان تحتفظ برصيد من (فائض القيمة ) الرمزي لتاريخ الصراع القديم مع الاسلام، وحين يحل الكساد بثنائية (شرق \غرب) وصراعاتها البائدة، ويعود الى السطح صراع الطبقات بين الجنوب والشمال، المليء بالمحتوى الاقتصادي المكشوف وليس المحتوى العاطفي الديني الملتبس، فتسحب ايديولوجيا الرأسمالية المدججة بالإعلام من رصيد المخزون المشترك لتاريخ المسلمين والاوروبيين، ومن ذهان الجماهير على الجانبين من اجل اعادة الامور الى نصابها..

ولنفترض منذ الآن ان (سلمان رشدي) لم يكن في وارد هذا كله، ولم يأخذ أيا منه في حسبانه.. فهل يغير هذا الإفتراض، حتى لو كان حقيقة، أي شيء في (المصفوفة) المذكورة أعلاه ؟و ألا يمكننا الإفتراض ان المصفوفة هي التي اخذت رواية ( آيات شيطانية ) في حسابها دون قصد من المؤلف؟ ولكن .. في هذه الحالة، يكون (رشدي)، مؤلف الرواية، فاقدا للشعور بالدوامة التي يقف هو وروايته منذ لحظة صدورها في قلبها والتي يراها الجميع ماعداه؟ وهذا افتراض اكثر إبتذالا من افتراض تواطؤ المؤلف.

                             *            *            *

ترافق سقوط جدار برلين الفاصل بين الشرق السوفييتي والغرب الراسمالي، مع السقوط الرمزي لجدران عازلة عديدة.. فلأول مرة تحني اسرائيل رأسها لعاصفة الرأي العام الأوروبي وللتظاهرات المطالبة بحق تقرير المصير للفلسطينيين. ولم يكن يخطر في بال الاسرائيليين حتى في كوابيسهم ان تتجرأ وسائل اعلام في الغرب على قلب التيمة الرمزية التوراتية عن البطل داوود الصغير الذي يهزم بالمقلاع جوليات العملاق الفلسطيني..هذه التيمة التي ترمز في الثقافة الشعبية الاوروبية والامريكية للصراع العربي الاسرائيلي، فإسرائيل الصغيرة هي (داوود)، والعالم العربي (جوليات)..لكن مجلة امريكية ذكرت ان البطل الصغير داوود - هذه المرة - هو الفلسطيني حامل المقلاع والحجر. وكانت تلك لحظة النهاية لصورة نمطية سلبية عن العرب ( او نهاية وظيفتها ) كانت قد تصدرت وسائل الاعلام الاوروبية فيما يتعلق بالصراع العربي \ الاسرائيلي منذ قيام اسرائيل، وشكلت مرجعا اصطلاحيا مثل قاموس شرح المفردات، وغطاء لتبرير الوقوف الى جانب اسرائيل واخفاء المعاناة الفلسطينية .. وظهرت صورة جديدة للفلسطينيين كشعب صغير يواجه وحده اسرائيل القوية المدعومة - فوق ذلك - من كل قوى الغربية ..بدل الصورة القديمة عن اسرائيل الصغيرة الديمقراطية التي تواجه وحدها عداء شاملا من الدول العربية الكبيرة والديكتاتورية الداعمة للفلسطينيين والعازمة على تدمير اسرائيل او رميها بالبحر ..!! في هذا الوقت ايضا عام صدور ( ايات شيطانية ).. حتى الحرب الطويلة بين العراق وايران انتهت..! والتي كانت قد شكلت بدورها، من خلال استمرارها المديد، فرصة وحجة للدعاية الاسرائيلية القائلة بان: تعبير (صراع الشرق الاوسط ) لم يعد يعني احتلال اسرائيل للاراضي العربية، بل يعني.. الحرب العراقية الايرانية، والحرب الاهلية اللبنانية..كل هذا تهاوى معا .. بين عامي 1988- 1989 وتوقفت الحرب الاهلية اللبنانية رسميا، وجاءت رواية ايات شيطانية لتعيد (تصحيح التاريخ) (!) ولتذكر العالم بأن الخطر البديل عن (امبراطورية الشر ) السوفييتية وعن (الإرهاب) الفلسطينيي، اللذين اختفيا من المسرح، متوفر وتحت الطلب: صعود الاسلام الأصولي ..وذلك قبل ظهور المنظمات الاصولية والتي سوف تظهر تباعا بعد قليل..وجاءت ردة الفعل الغوغائية للمتظاهرين المسلمين  في بريطانيا، وصدور الفتوى الايرانية ضد سلمان رشدي .. تدشينا سريعا وترميما للصورة النمطية السلبية السابقة عن العرب والاسلام، والتي تمزقت من كل جانب وتجاوزها الزمن والاحداث، واستبدالها بصورة  سلبية جديدة عن اسلام ( إيراني..) بحيث يتم اخراج الفلسطينيين والعرب منها مؤقتا كي لا تتناقض مع التعاطف الدولي الجديد الذي لقيته القضية الفلسطينية، على ان يتم اعادة العرب والفلسطينيين للصورة السلبية مرة اخرى، ولكن.. بعد مرور عاصفة الرأي العام العالمي خاصة ان صور الانتفاضة الفلسطينية كانت ماتزال خبرا أولا في وسائل الاعلام.

 ذلك على الرغم من ان ايران كانت خارجة للتو من حرب طاحنة على حدودها مع العراق، ولم يكن لها - وقتها - نشاط اقليمي واسع.. فجاءت الفتوى ضد (سلمان رشدي) لتعطي ايران، وان يكن من باب السمعة السيئة، شهرة ودورا رائدا للعالم الاسلامي على الساحة الدولية في حرب (طواحين هواء..) دون ان يكون واضحا فيها: من الذي يلعب دور (دون كيشوت).. المجنون - والنبيل مع ذلك - رغم اوهامه المضحكة.. ومن يلعب دور التابع (سانشو) الغبي والمضحك دون نبالة...؟ فهل كان (رشدي ) جزءا من التواطؤ المترامي الاطراف والمتعدد الجوانب، من غير ان يكون هو نفسه متواطئا عن وعي؟ أم أن تأليف ونشر ( آيات شيطانية) في ذلك الوقت بالذات، هو صدفة محضة ؟ رغم ان الرواية رفعت مثل راية للهجوم او الدفاع في الموجة المتصاعدة لصورة الإسلام الأصولي.. وصارت عنوانا للإحتجاج الإسلامي  على رشدي أكثر مما هي احتجاج من المؤلف ضد التزمت الديني. كأن الرواية كانت سمكة صغيرة وطعما للسمكة الاسلامية الكبيرة.. ولم تكن هي نفسها سمكة كبيرة، مثلما يريد ان يقول بعض النقاد الذين يريدون تبرير الرواية بمقياس السرد والكتابة الفنية الخالصة..؟ وإذا كانت (ايات شيطانية): رواية .. مجرد رواية، أي أنها عمل أدبي، فهل يقع العمل الأدبي داخل عالم الادب دون ان يقع في المجتمع ؟ واذا كانت شخصيات الرواية واحداثها شخصيات واحداث روائية ليست موجودة في الواقع فهل المؤلفون شخصيات روائية خيالية لا تعيش في المجتمع بل في صفحات العمل الروائي؟ وما اردنا قوله في هذه المقالة هو هذا بالضبط : ان الرواية تقع في سياق ولا تقع في الفراغ تماما مثل اي نشاط انساني حين يحدث فانه يحدث في سياق معين وغاية المقالة التذكير بالسياق الذي جاءت الرواية فيه وجعله واضحا.

مسرحية (تاجر البندقية) لشكسبير - على سبيل المثال - تنتمي لعالم المسرح الانكليزي.. ولكنها تنتمي ايضا لثقافة معينة ومجتمع معين في عصر معين، هو المجتمع الانكليزي في القرن السادس عشر ..وشخصية (شايلوك) الشهيرة في المسرحية هي من ابداع خيال مؤلفها، لكنها في الوقت نفسه مبنية عبر خيال قارىء شكسبير، وجمهور عصره، وسياسة زمنه.. وما ان صدرت المسرحية حتى خرجت شخصية شايلوك من المسرح  لتتجول في خيال قراء عصره، ثم في خيال القارىء العالمي عبر العصور..ذلك ان شكسبير استمد بالاساس صورة شايلوك من تنميط المجتمع لليهود وهذا ليس لأن شكسبير متواطىء مع الملكية او المجتمع ( رغم ان المسرحية كتبت بعد انتشار شائعة عن تعرض الملكة لمحاولة اغتيال (بالسم) من قبل يهودي تسلل الى القصر..)، بل.. لأن شكسبير منغمس في مجتمع عصره ورموز ثقافته، ولا يمكن القول ان المسرحية مجرد مسرحية، وان (شايلوك) لا علاقة له باليهود المحاصرين بالتحريض، وأن (شكسبير) لم يقصد ما أحس به اليهود من اساءة.. يقول تودوروف : (( النص الادبي يحتوي دائما في ذاته، على مجموعة معلومات تخص طريقة استعماله )) وقد عانى اليهود -ربما - حتى اليوم من شخصية (شايلوك) ومن اسمه الذي تحول الى صفة لجماعة دينية كان مباحا الاساءة لها في العصور الوسطى ..لا توجد براءة طفولية من الدلالات بل..ليس مطلوبا براءة العمل الأدبي من شبكة الدلالات خارجه، لأنه يفقد أهميته حينها..(( فكل أثر أدبي يتمفصل - وعليه أن يفعل ذلك كما يقول تودوروف - مع بنية أكبر منه، بنية أدبية او ثقافية إجتماعية)).. وردا على اعتراض يقول : ( في هذه الحالة.. ماذا يبقى من النص الابداعي؟) ويجيب تودوروف : (( اذا لم يتمفصل النص الأدبي مع بنية أكبر منه او خارجة عنه يكون - بصراحة - دون أهمية، يكون مجرد عمل ذاتي)) !!

.وهكذا لا عيب في وقوع (آيات شيطانية) على شبكة من الدلالات او التقاطع معها..لكن العيب في نكران ذلك من جانب المدافعين عن الرواية الذين ينفون اي علاقة للرواية مع السياسة او الايديولوجيا ..وبذلك تبقى علاقتها بالأدب..؟وسوف نصدق مؤقتا ايمان المدافعين عن الرواية ان اهميتها تعود الى ان لها علاقة متمفصلة مع الادب وحده اذن، وليس مع اي بنية سوى عالم الروايات؟ ..فماذا نجد هنا؟ نجد ان تقنية السرد تعتمد فانتازيا الحلم والواقع، والايهام بالتاريخ والخيال الروائي، دون اي جديد يضاف على تلك التقنيات الادبية، ولا تميز،  ولم تشكل إثارة فنية لنقاد الأدب ولا للأدباء، ولم تثر نقاشا فنيا مثيرا لديهم فـ( آيات شيطانية) - كعمل ادبي - هي عمل عادي !! تقنياته الفنية مستنفدة، ومع ذلك، قامت قناة اذاعية اخبارية ذات تاثير واسع هي البي بي سي بقراءة مقتطفات من رواية (عادية..) بتواتر منتظم ..قبل الفتوى المثيرة بقتل المؤلف، وقبل ان تكون تظاهرات المسلمين عنيفة؟! اي ان رواية رشدي نجحت بالتمفصل مع بنيات اكبر منها.. وتقع حارجها.. لكنها فاشلة بالتمفصل مع عالم الادب والروايات، وحازت - مع ذلك - على شهرة أكثر من اي رواية عظيمة ادبيا وفنيا، اي ان ايات شيطانية جعلت كل الشبكات التي وقعت عليها تهتز : الدينية، والسياسية، والايديولوجية ، والاخلاقية، وحتى القانونية ( مثل حدود حرية التعبير ) لكن الشبكة الوحيدة التي لم تهتز هي: شبكة عالم الأدب والنقد الأدبي..!!

فالذين يقولون ان ( آيات شيطانية) رواية، ويجب التعامل معها على هذا الاساس وليس على أسس أخرى.. هم أنفسهم يدافعون عنها لأسباب ايديولوجية وسياسية ودينية (ضد الدين)، ويرفضون إدانة الرواية انطلاقا من الاسباب نفسها.. مما يؤكد السياق غير الأدبي الذي تعوم الرواية فيه، ومع ذلك.. لنبقى في مناقشة الرواية كعمل ادبي باعتبارها جزءا من عالم الروايات او تأليف النصوص الأدبية.. فإذا كان كل نص يقوم على خيال المؤلف لكنه يستند الى خيال القارىء او المتلقي المفترض، الى درجة جعلت ( إمبرتو إيكو ) يؤلف كتابا عنوانه (القارىء في الحكاية !!) يدرس فيه روايات و حكايات انطلاقا من ملاحقة ظل  القارىء  وخياله داخل النصوص وداخل بنية السرد الاصلي للنص، مع أن المؤلف حين يبني نصه من خياله لا يفكر بالقارىء بوعي.. بل دون وعي، والقارىء  حين يبني قراءته للنص بخياله في بناء مواز لرواية المؤلف، فإنه هو أيضا يفعل ذلك دون وعي. فما  الذي فعله ( رشدي) في روايته.. وما الدور الذي أعطاه لقارىء  الرواية ؟ مثلما لجأ رشدي للمبالغة في كل عنصر آخر تتكون منه الرواية:  من الفانتازيا، واستخدام فانتازيا الحلم والواقع، وفانتازيا الحلم في الحلم.. والتاريخ بالخيال الروائي، واستخدام الفاظ جنسية بذيئة بالعامية، والفاظ بذيئة بالفصحى.. كذلك بالغ باللعبة الابداعية للتبادل بين خيال المؤلف وخيال القارىء التي تقوم عليها الكتابة الادبية فاستند الى خيال القارىء عن وعي وقصد، وهذه نقطة ضعف في رواية رشدي، لان كثافة الوعي في الابداع تجفف الماح اللاوعي الاكثر اهمية في العمل الادبي، وبينما تكون اللعبة الابداعية عادة لعبة شفافة وهادئة بين خيال المؤلف وخيال القارىء.. تتم بصمت مثل رقصة الفالس وليس التانغو، فان رشدي حولها الى رقصة ( زار ) بدائية مجنونة حول النيران المتأججة.

ولم يكتف رشدي بالايحاء والتوجيه لخيال القارىء عن عمد بدل ان يكون عفويا، كما انه لم يتوجه لقارىء افتراضي عام فقط، بل توجه لقارىء افتراضي معين شبه خاص، وتحديدا توجه رشدي الى نوعين من القراء: قارىء نمطي مسلم، وقارىء نمطي كاره للاسلام، ولم يهتم بالقراء العموميين الذين ليسوا مسلمين وليسوا عنصريين.. وهؤلاء هم الذين شعروا بخيبة امل من قراءة الرواية، لان خيالهم لم يتفاعل مع خيال المؤلف الذي لم يكن موجه اليهم اصلا ..كما انهم لم يتطوعوا بخيالهم لدعم حبكة الرواية لانهم لا يملكون دافعا مسبقا نحو الموضوع، لا للدفاع عنه ولا للهجوم عليه، على العكس من القارىء المسلم والقارىء المعادي للاسلام ..اللذان وجدا نفسيهما على ساحة معركة لكنها مالوفة لهما مثل الفة المنزل لكليهما، بما تثيره الرواية من حنق وسجال يعرفانه سابقا، ويتربصان به، ويشمان روائحه الدفينة.. فعلى سبيل المثال فان قاموس الكلمات الجنسية الصريحة، والسباب البذيء في الرواية، لا يستدعيه المؤلف من قاموسه الخاص بل هو قاموس القارىء المفترض، المعادي للاسلام فيثير خياله و يساعده  على التشفي بخصمه لكن الخصم المسلم ايضا يهمه هذا القاموس ويستفزه ويثير خياله لتبرير غضبه من الرواية ولجعله دليلا على لا اخلاقية المؤلف، ويدعم القارئان حبكة المؤلف لسببين مختلفين طبعا، وبذلك يضمن رشدي من خلال الاعتماد على خيال قرائه الحماسيين من الجانبين ان السكة ستكون مفتوحة وزلقة امام تقدم الرواية.. لان المسلمين وجدوا فيها اكثر ما يخشونه من التجرؤ على مقدساتهم ولن يغفروا ابدا، ولان العنصريين المعادين للمهاجرين وجدوا ما يتمنونه ويخجلون من قوله علانية ولن يتخلوا عن رشدي ابدا وسيدعمون قاموس الشتائم الذي استخدمه نيابة عنهم دون ان ينطقوا به.

المسلم النمطي وكاره الإسلام النمطي: قارئان متخاصمان ينتميان لمكانين مختلفين خارج الرواية، اما داخل الرواية فهما ينتميان لشخص واحد هو المؤلف (رشدي) نفسه.. فهو مسلم، وهو كاره للاسلام..!! وكان يمكن القول بطريقة مختصرة انه (مسلم كاره لنفسه) (!) لكنها صيغة (تلمودية) لوصف المرتد.. وسوف نعود للتلمود لاحقا.

.والمؤلفون عادة يقومون بشرح وتأويل بعض المواقف ووصف الشخصيات في القسم الاول من الرواية، لكنهم يتوقفون عن ذلك في الاقسام التالية ويكتفون بالسرد والحبكة، معتمدين على أن القارىء سوف يقوم لوحده بالتأويل والشرح في خياله بعد ان تلقى الإشارة في القسم الأول. لكن ( رشدي ) في روايته استمر بالتأويل والوصف طوال الرواية رغم اعتماده على خيال القارىء، لكنه لم يترك القارىء لوحده.. وهذه من العيوب الادبية ايضا في رواية ( آيات شيطانية).. فما الذي يبقى لمناقشته في الرواية باعتبارها عملا ادبيأ؟

..(كل نص ادبي هو حكاية، من جهة، وخطاب من جهة اخرى) كما يقول ( تودوروف) ، ورواية ( آيات شيطانية) ليست شذوذا عن هذه القاعدة، لكنها خطاب أكثر مما هي حكاية او رواية.. وحتى من هذه الناحية اي في مجال الاعمال الادبية التي يكون فيها الخطاب طاغيا على الحكاية، فان رشدي لم يكن رائدا. فـ(تاجر البندقية) كانت حكاية وخطاب بسبب ان شخصية شايلوك النمطية كانت تلبي الصورة النمطية عن اليهود في المجتمع، وطغت على كل احداث المسرحية أي ان خطاب المسرحية طغى على حكايتها، كذلك رواية (دون كيشوت) لان المؤلف كان يجعل الشخصيات تعلق على الاحداث السياسية في زمنها..( مثل ايراد خبر طرد الاندلسيين على لسان احدى الشخصيات والرد بان هذا عمل غير انساني لان من حق الاندلسيين العيش في اسبانيا ..) (!) ولاشك ان المقارنة مع (شكسبير ) و (سرفانتس) ليست في صالح (سلمان رشدي)، لا من ناحية القيمة التاريخية، ولا الموهبة.. ولا العمق الانساني، لكننا نفعل ذلك لايضاح ان وجود (خطاب) يسري كالنهر في بحر الحكاية دون ان يكون ظاهرا للعيان من الوهلة الاولى، لا ينتقص من الاعمال الادبية العظيمة لكنه يبدو معيبا في عمل يصبح فيه الخطاب هو مبرر الرواية الوحيد والاخير..فـ(آيات شيطانية) لا تشبه مسرحية شكسبير ولا رواية سرفانتس حقا.