يوريديس في ليلة الرازم

(0)
Genre: Novels
Year: 2024

 تعتبر رواية “يوريديس في ليلة الرازم” للكاتب اليمني حميد عقبي بمثابة جولة أدبية رائعة، ويرى الناقد اليمني د. حاتم الشماع ضرورة تأمل ما تتركة هذه الرواية من مؤثر في تعقيدات النزوح والذاكرة والهوية.كونها تتعمق في النفس المتعددة الطبقات للوجود في الشتات، وتنسج بين الصراعات الشخصية والجماعية لصياغة سرد مقنع وعالمي. 

يربط عقبي، وهو صوت أكاديمي وأدبي يمني في فرنسا، بين الثقافات والتاريخ، ويقدم للقراء عملا يتجاوز الحدود الجغرافية والزمانية. في جوهرها، تستقي رواية “يوريديس في ليلة الرازم” من الأسطورة الخالدة لأورفيوس ويوريديس، وتعيد تشكيلها ضمن محيط الذاكرة الثقافية اليمنية والشوق في الشتات. تبعث هذه التخيلات الجديدة حياة جديدة في حكاية كلاسيكية، فتضع بين شوق أورفيوس الأبدي إلى يوريديس وشوق النازحين إلى وطنهم وهويتهم. ويحول حميد عقبي الأسطورة إلى مجاز حديث، حيث يصبح المنفى هو العالم السفلي، والذاكرة هي يوريديس المراوغة، والفن هو القيثارة الأورفية التي تحاول الإبحار عبر ظلال الاغتراب. يكتب الشماع في مقالة نقدية منشورة ويقول: تلتقط رواية عقبي القصيرة الطبيعة المتناقضة للمنفى – وهي مساحة يلوح فيها الماضي في الأفق ولكنه يبدو بعيدا بشكل متزايد. تعكس رحلة البطل الوعي المجزأ لفرد من الشتات، عالقا بين حنين جذوره والمسيرة التي لا هوادة فيها لسياق تبنيه. من خلال السرد الغني، يستكشف عقبي أسئلة الانتماء: ماذا يعني أن تكون في وطنك في عالم يبدو غريبا؟

 هل يمكن للذات الشتاتية التوفيق بين تعددها، أم أنها ممزقة إلى الأبد بين العوالم؟ اذ تتكشف القصة على شكل طبقات، تعكس الطبيعة المجزأة للذاكرة نفسها. فكما يتصارع البطل مع شظايا الحياة التي تركها وراءه، يدعى القارئ إلى تجميع شظايا الفسيفساء التي تعكس حقائق النزوح والمرونة. ما يميز “يوريديس في ليلة رازم” هو تطورها الأسلوبي. يستخدم عقبي بنية سردية غير خطية تعكس ارتباك المنفى، في حين ترفع لغته الغنائية النص إلى جودة شبه أسطورية. تتأرجح الرواية بين الواقعية الصارخة والتجريد الشعري، وهو اختيار أسلوبي متعمد يؤكد على حدود وجود البطل. سرد عقبي مشبع بالرمزية – سواء كان ذلك استحضارا مخيفا ليوريديس كذاكرة مجسدة أو ليلة رازم كساحة معركة مجازية حيث تتصادم الهوية والنزوح. تعكس صور الرواية القصيرة، التي تتسم بالحيوية والزوال في الوقت نفسه، الطبيعة العابرة للحياة في الشتات، حيث لا يتم استيعاب أي شيء بشكل كامل ولكن كل شيء يبقى باقيا. اد في حين أن الرواية القصيرة شخصية للغاية، فإنها تعمل أيضا كتعليق أوسع على الهوية اليمنية والاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي شكلت سرديات الشتات.

 إن عمل الروائي عقبي مشبع بثقل التاريخ، وينسج أصداء التراث الثقافي الغني لليمن في حين يشهد على صراعاته المعاصرة. تضع الرواية القصيرة نفسها في موقف رثاء واحتفاء – رثاء لوطن ندبته الصراعات واحتفاء بالروح الدائمة لشعبه. من خلال وضع بطل الرواية في فرنسا، يزيد عقبي من تعقيد السرد، ويسلط الضوء على التوتر بين تصورات الغرب للشرق والتصور الذاتي للموضوع الشتاتي. إن هذا التفاعل يذكرنا بنظرية إدوارد سعيد في الاستشراق، حيث يبني الغرب سردا للشرق غالبا ما يكون اختزاليا ومنفرا. ينتقد سرد الروائي عقبي هذه الإتجاهات بمهارة بينما يؤكد على وكالة وتعقيد الهوية اليمنية. على الرغم من تجذرها في الثقافة اليمنية، فإن “يوريديس في ليلة الرازم” تتجاوز سياقها المحدد لتتحدث عن موضوعات عالمية للخسارة والشوق والبحث عن المعنى. تتردد أصداء الرواية القصيرة مع أي شخص تصارع مع النزوح – سواء كان جغرافيا أو عاطفيا أو وجوديا. 

من خلال استكشافها للحالة الإنسانية، تدعو رواية عقبي القراء إلى التفكير في مفاهيمهم الخاصة عن الهوية والذاكرة والانتماء. إنها تتحدانا للنظر في ما يعنيه حمل شظايا من الماضي أثناء التنقل عبر عدم اليقين في الحاضر – وهو سؤال قديم قدم نزول يوريديس إلى العالم السفلي ومعاصر مثل عناوين الأخبار اليوم. في الختام، إن رواية “يوريديس في ليلة الرازم” للكاتب حميد عقبي هي عمل بارع يحتل مكانة فريدة في الأدب المعاصر. 

إن اندماجها بين الأسطورة والحداثة، والشخصية والسياسية، والواقعية والتجريد يجعلها استكشافا عميقا لتجربة الشتات. إن هذه الرواية القصيرة لا تروي قصة فحسب؛ بل إنها تخلق تجربة غامرة تظل باقية لفترة طويلة بعد قلب الصفحة الأخيرة. وبصفتنا قراء، فإننا مدعوون إلى السفر جنبا إلى جنب مع بطل الرواية إلى أعماق المنفى والذاكرة، والخروج بفهم متجدد لتعقيدات الهوية والقوة الدائمة للفن ورواية القصص. فلتكن هذه المقدمة دعوة للانطلاق في هذه الرحلة، لتفقد نفسك في متاهة جمال سرد عقبي، واكتشاف الحقائق العالمية التي تربطنا جميعا في أعماقها. صدرت الرواية في ديسمبر 2024 عن دار اطياف للنشر والترجمة / المغرب العربي – متوفرة على موقع نيل وفرات وبعض المنصات للكتب الرقمية والورقية .