ما نخبّئه في علب سجائرنا الفارغة

(4)
Publisher: Dar Rawafed
Year: 2025

كتب الروائي المصري سامح أبو عاصي:

" بعض الكتب لا تُقرأ بل تُعاش تأخذ بألبابنا حتى نظن أننا نحن المقروءون لا السطور، وبعض النصوص لا تُطالع بل تسكن فينا فتأسرنا، وبعض الكلمات إذا لامست أرواحنا أسكرتنا حتى الثمالة، فلا نفيق منها إلا على حقيقة جديدة في داخلنا، وعلى رأس هذه الفتنة النبيلة يقبع ديوان "ما نخبئه في علب سجائرنا الفارغة" للفيلسوفة الموريتانية أم النصر مامين، كتاب كأنما كتب بحبر من نبض لا من مداد، وحين يُذكر الإنتاج الموريتاني وجب التؤدة في الخطو، كأنك تمشي في مهبط وحي أو على تخوم إلهام عار من الزيف، فكيف إذا كان الحديث عن أم النصر؟
تلك التي لم تكتب لتُصنف بل لتنجو، وتهدي نجواها إلى من يشعرون فيكتبون ما شعروا به غير مبالين بلعنة التصنيف أو التأويلات العرجاء، عبارة ليست إهداء بل ميثاق حرية أدبية يُعفي النص من قيود القراءات الكسلى، لقد دخلت أم النصر إلى أعماقنا بمصباح كاشف لا ليضيء الطريق فحسب، بل ليُعري ما استتر فينا من تناقضات وارتجافات، كشفت فرحاً يتقن التنكر في هيئة حزن، ووحدة تقيم فينا رغم ضجيج الوجوه وبرودة قلوب تتدثر بحرارة العابرين، جعلتنا نرى بكاء العين حين يصمت وسكون النفس حين يغوي، ونزوحنا الخفي من حياة الآخرين حتى ونحن نظن أننا مقيمون، هي كتابة تقتحم الإنسان اقتحاماً تلامس خلجاته، وتجرؤ على طرق مناطقه المعتمة التي لا يعرفها سواه، تكتب عن أطياف عبرت بنا وبقينا بها، عن ابتسامات نصر تُزهر في تربة الألم، وعن تلك العزلة التي لا ينقذنا منها أحد لأننا مهما كثر من حولنا نظل وحدنا، نُشيد مدائننا الداخلية ونحرسها من انكشاف لا يُحتمل، وفي هذا العالم تتجاور القلوب الصافية مع الكلمات المحقونة بضباب ماكر فتبقى الطفولة في أنقى تجلياتها عصية على مجتمعات الفضيلة الهشة، لا تُروض ولا تستأذن، هناك تسير أم النصر بين المسافرين إلى لذاتهم المؤجلة، وتكتب عن سيدة المدينة التي تأبى أن تعتذر عن أنوثتها أو تستغفر من كونها نفسها، إنه ديوان لا يمنحك إجابات بقدر ما يمنحك مرآة ترى فيها ما أخفيت، وتُدرك أن ما نخبئه في علب سجائرنا الفارغة هو في الحقيقة ما يملأنا."