جنون الحكاية - قجدع

(1)
Year: 1999

 

جنون الحكاية - قجدع ، هي الرواية الأولى للكاتب اللبناني والأكاديمي كامل فرحان صالح (kamel farhan saleh )، صدرت في بيروت لدى دار الحداثة في العام 1999. 

 

تأتي هذه الرواية لصالح بعد اصداره ثلاثة دواوين شعرية: أحزان مرئية، و شوارع داخل الجسد، و كناس الكلام، وقبل إصداره كتابه النقدي الأول " الشعر والدين ..."، وروايته الثانية " حب خارج البرد "، وديوانه الرابع " خذ ساقيك إلى النبع "، وكتابين في الأدب والنقد: " حركية الأدب وفاعليته ..." و"ملامح من الأدب العالمي ".

روايته الأولى "جنون الحكاية – قجدع"، هي في الحقيقة، كانت مشروع قصة قصيرة، (كما يقول صالح في حوار منشور معه في جريدة البناء البيروتية (1))، لكنه شعر أن الشخصيات تضجّ في روحه، "وتريد أن تواصل السرد، أو بالأحرى تريد أن تتشكل ضمن مسار حياة. وهكذا كان"، لكن "الجنون الذي سيطر على كتابة الرواية الأولى، تحول إلى هدوء وسكينة وتأمل، في الرواية الثانية "حبّ خارج البرد"، وكما حدث معه في الشعر حدث معه في الرواية، لكنه أعترف أن عالم الرواية عالم متعب ومرهق ومؤذ نفسيًّا، إذ كيف لشخص واحد أن يتحكم بمصير عشرات الأشخاص بـ"جرّة قلم"، هذه قمة الديكتاتورية والعنف... ربما".

ففي عبثية الحرب الأهلية في لبنان، يهتز خيال كامل صالح ويحلق ربما ليهرب من عالم هجرته الإنسانية إلى عالم آخر أو ليوصل فكرة ما عبر قجدع الاله الرمز بأن الحياة لا تزال مستمرة.

وفي قراءة للكاتب الجزائري المنجي بن العبيدي الميغري لرواية جنون الحكاية، نشرت في مجلة الحداثة اللبنانية (2)، جاء فيها :

"قجدع، إله رواية "جنون الحكاية" لكامل صالح الصادرة لدى دار الحداثة في بيروت، أحد الآلهة الجديدة!.

الرواية قصة الحياة، قصة الحيوات بصيغة الجمع، مثلما أن الآلهة هي قصص لحيوات أخرى، في التاريخ. وإذا كانت الآلهة تصطنعها خيالات الناس وحيواتهم وهواجسهم، فإن قجدع إله اصطنعته خيالات الرواية، وهواجسها وقلقها. وبما أن الرواية هي قصص حياة، أو قصة حيوات، فإن قجدع العظيم، إله يتحاور مع كل تلك الحياتات، ومع شخوص تلك الحياتات.

شخوص الرواية الذين يتحاور معهم قجدع ، هو صنيعتهم، مثلما أن الآلهة في كل قصة حياة بشرية هم كائنات اصطناعية، وكائنات ثقافية متعالية ومطلة عن بعد، نحتاج لرقابتها من أجل استمرارنا ومن أجل أمننا النفسي، ومن أجل التواطؤ مع الممكن والواقع.

إن قجدع هو مؤلف الرواية، ما دام قد خرجت من صلبه، ومن نزقه، ومن رغبته المكبوتة أو المعلنة.

لكن في زمن "موت الآلهة" و"موت المؤلف"، فإن شخوص الرواية هم في الحقيقة من ألفوا شخصية هذا الإله "الكاراكوز"، من أجل أن يستخدموه، فيقولون ويعبرون ويتحاكون ويهذون ويهذرون، ويعانقون الجنون. كم من الجنون نحتاج حتى نخاطب الآلهة ونتواطأ معها؟!.

تستحضر الرواية قصة الخلق كما يرسمها ويعرضها القران، قصة خلق ادم، لكن الرواية تمارس الخلق بالمقلوب أو بالعكس، فإذا كان الإله هو الذي يخلق الإنسان في القران لينظر كيف يعمل، فإن الرواية، أو "جنون الحكاية" جعل من الشخوص هم من يخلقون إله قجدع، بل هم من ينوبون عنه في صياغة الأحداث وروايتها وافتراض سيناريوهات ومسارات لشخوصها ولأحداثها، ما جعل الرواية وكأنها تكتب كل حين وان بحسب أمزجة الإله أو أي من الشخصيات الفاعلة فيها.

إن قجدع في الرواية إله ديمقراطي، يشترك مع مخلوقاته في: الحب والجنس والسجائر والجنون والفوضى والإحباط، كما يشاركهم الحكي والتخييل.

وإذا كانت الشعوب في السابق تدون لتاريخها وللحظاتها الاستثنائية في هذا التاريخ، ولمواسمها، تدون لكل ذلك بالآلهة، فإن روايتنا تدون لليومي، وللمعتاد، فتجعل له إلها، بل تدون للخيبات وللاحباطات، فتجعل من هذا الإله شريكا فيها يستمع لفتون الحكاية ويقترح حلولا، ويخفف بعض نكدها، أو ينسحب أحيانا كطفل أعجزته الحيل، كما يبدو هذا الإله حميما ودودا، منخرطا في اللعبة، لعبة الحياة والحكي، لعبة اصطنعها واصطنعته، كي يظل هذا الإله "يلعب كأنه لم يكبر يوما".

لعل قجدع هو الإله الذي يسكن في كل واحد منا، وإذا كان الناجحون لا يحتاجون كثيرا للآلهة، فيكفيهم عنفوان وأبهة تفوقهم وغلبتهم، فإن الرجل اليومي، الذي ينهكه هم يومه، هذا الرجل بصيغة المجهول، وهذا الرجل بصيغة الجمع ، وهذا الرجل بصيغة المذكر والمؤنث، هو من يحتاج إلى إله.

لكن ليس أي إله، وإنما إله يسمع له، ويحاكيه، ويحاوره، ويداعبه، ويغريه، ويزين له. انه يحتاج إلى الإله العظيم قجدع، الذي يخرج من سطور الكلمات. انه يحتاج إلى إله مخصوص يخرج من رأسه، ومن وجع كلماته، ومن صدى خياله ومخياله، انه إله الأدباء والشعراء الغاوون، إله الغواية والتواطؤ والوعد، إله الإبداع والكلمات. انه إله كامل صالح.

تلك هي أحوال الجزء الأول من رواية كامل صالح الذي بدا وحيها يتنزل ذات يوم من زمن الحكي والخيال، ولم يكتب هذا الوحي إلا من بعد إحالته على كتبة الوحي ونسخته من أهل دار الحداثة عام 2000 في حجم متوسط، وفي جزء أول وطبعة أولى، ونحن في انتظار اكتمال نزول وحي قجدع العظيم.

حرقة الشهوة

ليست الرواية إذن قصة بوليسية فيها حبك لجريمة، وتتبع لخيوطها وتشويق واكتشاف مفاجئ لقاتل مخبأ بعناية في تفاصيل الأحداث، وليست الرواية قصة حب عابرة لصحافي ابتدأ حياته بشكل متأخر، وظلت قصة حبه عاطلة عن التفعيل والترسيم، فلا هي بدأت ولا هي انتهت، وليست الرواية قصة رجل ناجح مهنيا، ووجيه اجتماعيا، لكنه عنّين، تقتله حرقة الشهوة مع نساء حارقات مشهيات، فيكتشف عندهن، وعند كل شهوة عورته وعجزه، وقد خرج من بيته ومن حضرة زوجته هربا لإخفائهما، فيقتل كي يداري، وكي ينتقم، وكي يموّه، وتبدأ من ورائه قصة أخرى.

إن الرواية هي قصة كل هؤلاء وغيرهم، ما دامت قصة للحكي الحر.

غير ان الرواية هي في الأساس قصة الرجل، أو قصة الذكر، فالإله ذكر، والشهوة ذكورية، ومحركات الحكي ذكورية: وقد حصل القتل من أجل الذكر، والعنف من أجل الذكورة، والنضال يحضر أو يغيب فيخفي أو يظهر ذكورتنا أو خصينا.

إن الذكورة ليست مفهوما جنسا أو جنسانيا فقط ، فيمكن في الحكي وفي مخيلتنا الجمعية ان تستعمل الذكورة ضمن تعابير ارتكاسية للسياسة، أو المال والأعمال والصحافة والمجتمع وغيرها، شأنها شأن "الرجولة".

إن الدين يحتاج إلى الذكورة، والنضال يحتاج إلى الذكورة، والسياسة تحتاج إلى الذكورة، هذا مع ان إسرائيل، المؤنث الوحيد في الرواية، جعلت كل هذه الذكورات تمارس بعيدا، على الهامش، على صفحات رواية يكتبها إله في كوكب آخر.

مجلة الحداثة اللبنانية - 2013