فلسطين في المخيال العربي الحديث: سرديات الهوية والذاكرة

(0)
التصنيف: كتابات اخرى
الناشر: AAUG Press
عام: 2025

تمهيد: فلسطين كنبض وجداني

قبل أن تُصبح فلسطين بندًا في بيانات القمم، كانت تُغنّى في الأعراس، وتُروى في الحكايات، وتُكتب في دفاتر التلاميذ، وتُرسم على جدران المدارس. قبل أن تُصبح فلسطين ملفًا دبلوماسيًا، كانت صورة معلّقة في غرفة الجدة، وكانت اسمًا يُطلق على المولود الجديد، وكانت دعاءً يُردّد في صلاة الفجر.

في العالم العربي، لم تكن فلسطين مجرد قضية سياسية، بل كانت قضية وجدانية، تسكن تفاصيل الحياة اليومية، وتُعبّر عن نفسها في الأغنية، في الحكاية، في الأمثال، في الأسماء، وفي الرموز البصرية التي تُزيّن الجدران والدفاتر والقلوب.

الثقافة الشعبية، التي يُنظر إليها أحيانًا بوصفها هامشًا أو ترفيهًا، كانت في الحقيقة مرآة الوجدان الجمعي، ونافذة على ما يسكن الناس من مشاعر، وما يؤمنون به من قيم، وما يحلمون به من مستقبل. وفي السياق العربي، كانت فلسطين حاضرة في هذا النسيج منذ بدايات القرن العشرين، لا بوصفها "ملفًا سياسيًا"، بل بوصفها رمزًا أخلاقيًا، دينيًا، وجدانيًا، يُعبّر عن الحق، والبطولة، والكرامة، ويُجسّد الحلم الجمعي في التحرر والانتماء.

في المغرب، كما يشير الباحث عبد الله ساعف، لم يكن التضامن مع فلسطين مرتبطًا فقط بالمواقف السياسية، بل كان متجذرًا في الثقافة اليومية: في الأغنية، في الدعاء، في الجداريات، وفي الذاكرة الجماعية التي ترى في فلسطين امتدادًا للكرامة العربية. وفي سوريا، كما يوضح محمد جمال باروت، كانت فلسطين هي الرمز الذي يُوحد العرب حين غابت الدولة الوطنية الجامعة، فصارت الحلم المشترك، والبطولة التي لا تموت، والوجدان الذي لا يُقهر.

فلسطين، في الثقافة الشعبية، لم تكن "قضية الآخرين"، بل كانت "قضيتنا"، تُعبّر عن نفسها في كل ما هو يومي، بسيط، وعميق. من الأغاني التي تُردّدها الأمهات، إلى الحكايات التي تُروى قبل النوم، إلى أسماء الأطفال التي تُحمل كأمانة، كانت فلسطين حاضرة، لا بوصفها جغرافيا، بل بوصفها ضميرًا حيًا، لا يغيب، حتى حين تُغيّبه السياسة.

قبل أن تُصبح فلسطين ملفًا سياسيًا تتداوله الحكومات وتتنازع حوله المؤتمرات، كانت فلسطين في قلب العربي البسيط، رمزًا للحق، والكرامة، والقداسة. لم تكن القضية الفلسطينية في بداياتها مجرد صراع حدود أو نزاع دولي.

في هذا الكتاب نُحاول أن نُعيد رسم صورة فلسطين كما تجلّت في الوجدان العربي، قبل أن تُشوّهها الحسابات السياسية، وقبل أن تُثقلها التحالفات، وقبل أن تُختزل في بيانات رسمية. نبحث عن فلسطين التي كانت تسكن القلوب، لا تلك التي تُناقش في القمم.