ليليث وهايل

(0)
بقلم: حميد عقبي
التصنيف: روايات
عام: 2025

رواية «ليليث وهايل» للمخرج السينمائي اليمني حميد عقبي
في رواية «ليليث وهايل» يقودنا حميد عقبي إلى تجربة سردية مكثفة ومقلقة، أقرب ما تكون إلى فيلم رعب وجودي تتداخل فيه طبقات الواقع والميتافيزيقيا، ويتحوّل فيها الجسد إلى ساحة صراع بين الحياة والموت، وبين الذاكرة والمحو. النص ينتمي إلى مشروعه التجريبي المكتوب بتقنية 50 فصلًا × 100 كلمة، وهي تقنية نادرة في السرد العربي، تقوم على التكثيف الشديد، واللقطات السردية الخاطفة، والإيقاع القريب من المونتاج السينمائي. هذه الرواية هي واحدة من سبع روايات أنجزها الكاتب بهذه الصيغة، ما يؤكد أن الأمر ليس تمرينًا شكليًا، لكنه اختيارًا جماليًا وفلسفيًا ليس سهلاً.

تبدأ الرواية من لحظة صادمة: البطل “هايل” يجد نفسه ميتًا أو عالقًا في منطقة وسطى بين الموت والحياة، داخل فضاء غامض يشبه البرزخ. منذ الصفحات الأولى، ندخل عالمًا مظلمًا تحكمه قوانين غير مفهومة، حيث تشريح الجسد، مراقبة المستشفى، سطوة البروتوكولات الطبية، وأصوات الأجهزة، تتحوّل إلى عناصر رعب نفسي لا يقل قسوة عن رعب الوحوش. هنا لا يعتمد عقبي على الرعب التقليدي، بل على رعب الوجود نفسه: أن تكون حيًا دون أن تعرف إن كنت حيًا حقًا.

مع دخول شخصية ليليث، يتحوّل المسار إلى مغامرة كابوسية مفتوحة على الأسطورة والتهويمات. ليليث هي كيان ملتبس، يحمل ملامح الإغراء، الحماية، والغموض معًا. ترافق هايل في رحلة هروب من سلطة الموت ومن أجهزة المراقبة، نحو عوالم تتداخل فيها الصحارى، الغابات المتاهية، الكلاب الحارسة، الأشجار العمياء، والكائنات المتوحشة، في مشاهد أقرب إلى ألعاب الفيديو المظلمة أو أفلام الفانتازيا السوداء.

تتصاعد الرواية بوصفها رحلة عبور: عبور من الجسد المعطوب إلى جسد جديد، يتغلب هايل على بعض عجزه وينتقل من الخضوع التام لليلث إلى محاولة الفهم والفعل المستقل. الكلب “تيودور” يتحول إلى رمز للوفاء والحراسة والغرائز الأولى، بينما يصبح الطفل حليق الرأس شبحًا دالًا على الذاكرة المفقودة والهوية الغائبة واليمن البلد البعيد المثخن بالحروب والألم. أما “لوسيفر” وأعوانه، فيمثلون الوجه القمعي للعالم، حيث السلطة لا تموت بل تغيّر أقنعتها.

فنيًا، تقوم هذه الرواية على جُمل قصيرة، مشاهد سريعة، قفزات حادة بين الأمكنة والحالات النفسية، بما يجعل القارئ يعيش توترًا دائمًا، شبيهًا بإيقاع أفلام الرعب والبقاء. لا توجد استراحة سردية حقيقية؛ كل فصل يبدو كضربة ضوء خاطفة في نفق مظلم. ومع ذلك، لا تخلو الرواية من لحظات شاعرية شفيفة، خاصة في مشاهد الواحة، والماء، والشفاء المحتمل.

في العمق، يمكن قراءة «ليليث وهايل» بوصفها رواية عن الخروج من الجحيم الشخصي والجمعي معًا، عن الإنسان الذي يصبح فأر تجارب بين الطب والسلطة والخوف، وعن الحلم بالخلاص حتى لو كان خلاصًا هشًا أو مؤقتًا. إنها رواية رعب، نعم، لكنها أيضًا رواية نجاة، وسؤال مفتوح عن معنى أن نعود إلى الحياة بعد أن نراها من الجهة الأخرى.

دار أطياف للنشر والترجمة ـ المغرب العربي ـ السويد

مزيد من القراءة