قراءة في المجموعة القصصية - بيت العانس - للكاتبة سحر توفيق




غريب عسقلاني

في قصص “بيت العانس” تقف سحر توفيق عند فاصلة الذهول, أمام صقيع يضرب مكونات الحياة, ويأخذ أقدار البسطاء إلى الفقد والخسران, ويصادر عليهم الأحلام, وصراخ الاحتجاج.. فتلوذ بذاتها تتأمل فعل الزمن وترصد ما هو خلف الظاهر لاستكشاف عوامل الهدم والتدمير, الذي يثبت الأقدار عند سكون الموات, فيما الزمن لا يتوقف عن الاندفاع وتكريس عادات وقيم ومثل مغايرة.. فنراها في النص القصير جدا الزمن يمر “ تنتظر الحافلة, تصعد, تقف أو تجلس, تراقب البيوت والشخوص والإعلانات ولافتات المتاجر.. تسمع الضجيج.. وبعد سنوات تنظر في المرآة فتجد نفسها تغيرت.

هل تغيرت أم اغتربت؟ وهل قدمت النص مفتاحا أو علامةاستدراك مسيقة لما تريد توصيله للقارئ.. من خلال مغامرات نصية هامسة, يتفاعل فيها الذاتي مع الموضوعي, ويعكس الهم الفردي وجع الجماعة, في عالم البسطاء والفقراء الذين تنتمي أو تنحاز إليهم..؟

تداعيات في فيافي الغربة

عندما تسكن الروح حديقة الحلم, تبحث عن فضاء أجمل بعيدا عن ضوضاء الحياة, وتقتات على الحب والبراءة, وتعزف مع الموجودات نغما مشترك يجعل الوقت جميلا, لكن الزمن سرعان ما يفرض قوانينه الجائرة, ويعيث دمارا وفسادا, ويتجرأ حتى على الأحلام, فيهرب الماضي زمنا جميلا يسكن الذاكرة, بعد أن دُمرت الشواهد عليه, ما عدا خسران الإنسان والتداعي نحو الغياب, كما في قصة (شجرتا كافور), فقد هربا بحبهما بعيدا عن ضجيج وزحام المدينة, وأقاما بيتهما في فضاء بعيد, زرعا شجرتي كافور قصيرتين, تطلان على الفضاء المترامي, عاشا متحابين, وكبرت الشجرتان, يغسلهما ماء المطر أو قطرات ندى البكور, ويسكنهما زوج كروان, يغني لهما, ويحفظ أسرارهما..

زحف عمال وموظفون, وارتفعت البنايات, وتزاحمت, وتآكل الفضاء وقطعت الأشجار وزادت الأتربة وقرر الناس أن الشجرتين تحجبان الهواء, ومصدر للنفايات لكثرة ما يتساقط منهما من أوراق جافة, ونزع أولاد الرجل كثير العيال اللحاء عنهما, فذبلتا, وسارتا إلى الجفاف, ونثرتا بذورا جافة لم تتمكن من النمو في بلاط الطريق.. ماتت شجرة منهما ببطء كما مات احدهما" الزوج", وقطعت حطبا للتدفئة, أما الثانية فقد عالجوها بالجاز..

فهل تقف القصة عند كونها, معزوفة رومانسية حزينة عن الزمن الجميل, والحياة مع البراءة بعيدا عن ضوضاء المدينة والزحام الذي يلوث البيئة, ويقتل البكارة في النفوس, ويلوث البياض في السرائر؟ أم هي صرخة إدانة للتمدد العشوائي الذي طال كل مناحي الحياة, وأصبح سمة الحياة في القاهرة والمدن الأخرى؟؟

وفي قصة بيت العانس,تعيش الراوية صقيع الوحدة, تلوذ بالحلم, وتنداح مع الأشواق واختبار العواطف والرغبات.. وتعود إلى محاكمة ذاتية بعد فوات الأوان, لكنه فجأة يطل عليها من نافذة الحلم..

كانا زملاء فصل دراسي واحد وجيران لبيتين متلاصقين, كان هو مندفعا نحو الحياة, يعب كؤوسها ما استطاع إلى ذلك سبيلا, أينما حل, يثير الدهشة والأسئلة أينما حل, وكانت هي تهرب منه إليه, متسترة بكتاب تقرؤه, بينما هي تقرأ كل حركة وهمسة تصدر عنه.. تنتظره في الليل..يعود متأخرا متسللا, يقفز عن سور الحديقة إلى حجرته, ويطلب منها أن لا تخبر أهله عن تأخره, وتسأله دائما:

-ماذا كنت تفعل في بيت العانس؟

-كنت أتفرج على ألبوم صورها..

يدعوها إلى الحديقة, فتحاججه في أحوال الرجال, ويحاججها في أحوال النساء, أيهما يملك لجام الآخر ويقود دفة الحياة.. لكنه رحل وتركها مسمرة عند فاصلة الانتظار تهاجس نفسها بحقيقة مشاعرها " ما رأيتك ترحل, وما أردت أن أراك ترحل, أسألك وأنا أمام الإحساس بالندم.. لماذا رحلت حينئذ.. وما الذي أقحم وجهه في حلمي هذه الليلة..؟

تسقط حالها على شجرة وحيدة امتلأت بأزهار حمراء في طوبة, فهل أزهر حلمها في غير موعده؟ وهل مازالت في البيت الصغير القديم, تطل على شجرة مانجو كبيرة تظلل الحديقة..يحضرها.. تراه يتسلل إلى غرفة نومه, وهي الوحيدة لا يتسلل إلى بيتها أحد ليتفرج على البوم صورها " الماضي الجميل" كما كان هو يفعل في بيت العانس..؟

وفي قصة أطياف الخماسين, تهويم الخوف والشوق, والمرأة مثل شجرة وحيدة تقاوم بأذرع معروقة بالشقوق, تنتظر ضيفا يشرب من ماء الزير ويرحل.. أسفل الزير تتساقط قطرات الماء,وينبت عشب أخضر تتوسطه زهرة صفراء.

هل هو الفقد؟ أم العذاب؟ أم انتظار بعيد ربما يأتي؟

ربما

مكابدات مدار الهامش

تقف الكاتبة شاهدا سرا عند حافة الشلل, أمام التغيرات التي أحدثها الانفتاح, الذي قذف الكثير من الشرائح والطبقات إلى مدارات الهامش, وكرس القيم والعادات والتقاليد الطارئة, التي تعتمد النجاح والطموح الفردي بديلا وخيارا وحيدا, يحيل الهم الجماعي طيفا باهتا, ويضع المستضعفين في مارثون الحفاظ على الذات عند نقطة سكون خاسرة, لا يملكون غير الوعي المريع بفداحة ما آلت إليه أمورهم.

وفي قصة وجه الزمن, يأخذ الروتين الحياة على منوال واحد, هو الوجه الآخر للموت, وراوية القصة معلمة تمارس مشوارها اليومي إلى المدرسة, وتقيم علاقة اضطهاد عجيبة مع مدير شئون العاملين الذي تنفحه ست علب سجائر شهريا, ولكنه لا يتورع عن وضع الخط الأحمر تحت اسمها, إذا تأخرت بضع دقائق, تستمع لشكوى حكيمة المدرسة من كثرة الحوامل بين المعلمات, وتراقب من بعيد والأستاذ يحى المجهد, وهو يعد الجميع بمراعاة ظروفهم عندما يضع الجدول النهائي.. لا تلتفت لتحريض زميلتها زوجة الضابط, التي ترتدي الملابس غالية الثمن, وتفتقد إلى ذوق عند الاختيار.. تقف ذلك الصباح في ذات المكان من طابور الصباح.. وتدخل الفصل كالعادة.. لكن ثمة صرخة ترج المدرسة..

الأستاذ يحى سقط ميتا, بعد أن أعطته الحكيمة حقنة حسب وصفة الطبيب.. يتبارى الجميع لتقديم الواجب, يقرر الكل أن تليق الجنازة بالفقيد العزيز, فيما الراوية تهاجس نفسها " كلنا يعرف ما عنده, ولكن كلنا ساعدناه على الموت.

من قتل الأستاذ يحى؟

هل هو انكسار المجموع أمام التغيرات الطارئة؟ أم هو الحال الذي يقود إلى الموت المبكر قبل أن يمارس الفرد ما يشيه الحياة..؟؟

ذلك اليوم أطل الزمن بوجهه الهازئ يتحدى:الأستاذ يحى لا يحيا قصة عشم ابليس,وسط زحام مدينة القاهرة, وبين السيارات وزحام الأرصفة واكتظاظ الباعة, ثمة رجل قصيرأنيق يغني (يا اللي بتسأل عن الحياة..خدها كده زي ما هيه).

فيها ابتسامة, يقطع الغناء"عشم ابليس", ويواصل (فيها آه.. وفيها أسيه وحنيه)

فهل يستطيع القصير بلوغ ما يتمنى؟ أم أن الأماني تجاوزت قامات البشر, ولم تعد في المتناول إلا في الأحلام؟

وفي قصة ثلاث أوزات وفرخ وحيد, تتأمل الراوية المشهد, والحال هدوء نسبي في ميدان الجيزة, بالمقارنة مع ازدحام ساعات الذروة, وتتابع ثلاث نساء وطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره, يظهر بينهن بسعادة بلهاء, لا يدري ماذا يفعل.. النساء يرتدين عباءات على النمط الخليجي, وغطاء رأس, فتبدو الواحدة منهن من حريم أيام الإمارات الإسلامية الغابرة..

تستبصر الراوية سلوكهن, وتعطي لكل منهن اسما, وتتخيل ماذا يمكن أن يكون وراء التصرفات, وتشرك القارئ في تركيب الحدوتة على منطق ما هو حادث في الحياة..

والهروب إلى أسئلة الحيرة

في قصة السنترال الآلي, يتأمل عوض سنترال تمثال رمسيس المقطوع القدمين, وينظر إلى عيون نفرتاري التي تشبه بائعة الفجل التي أحبها في شبابه,.. ورمسيس ما زال مطروحا على الأرض, وقد نالت من الرطوبة منذ نقلوا أخاه إلى الميدان البعيد, وسط تشييع نساء القرية تشييعا يليق بعزيز لن يعود.. تلح عليه ذكريات يوم داهم الجنود بيوت قريته التي بنيت من بقايا حجارة المعابد, بحثا عن حجارة قديمة, يومها شحذ سكينه, وأزاح الصندوق عن حجر في الجدار,وأخذ يطمس الرموز المنقوشة عليه, ويختزنها في عقله, وعندما انتهى ربت أبوه على كتفه وقال:

-اليوم أنجبت رجلا..

وها هو يقف اليوم عاجزا, في مواجهة السيول, التي أخذت ثلاثة من رجال القرية, وعطلت بعض التليفونات, منها تليفونه, وقطعت عليه سبل الاتصال بالبدرشين لإصلاحه, وهو من أخذ على عاتقه إصلاح تليفونات القرية منذ عمل في سنترال البدرشين, قبل أن يعمل في المصنع الجديد, وأطلقوا عليه في القرية لقب عوض سنترال, واليوم يعجب احدهم من غدر الأيام, ويطلق المفارقة نكته:

-عوض سنترال يتصل بالسنترال

يغادر المكان عائدا إلى القرية, ويفتح كابينة السنترال, ويقف عاجزا أمام ضفيرة الأسلاك الرفيعة, يعبث فيها, فيدوي انفجار يدمر الكابينة, ويصيبه بحروق في وجهه ويديه.. وتضيء في رأسه الرموز إلتي ادخرها في ذاكرته..

أي رسالة تحمل هذه القصة المغزولة بمهارة,تجاور فيها التاريخ والتراث والفقر والجهل والتدفئة على نار القوالح والسنترال الذي يعمل بفعل طاقة الالكترونات؟؟

قصة مكتظة الإشارات والرموز والشفرات, واستحضار الماضي والحاضر, والعلم والجهل, والتطور والتخلف, ما يدفع القارئ إلى العديد من الأسئلة الملحة والتي في مجموعها لا تدين عوض, ولكنها تنحاز إلى أن ما قام به هو ثورة على واقع شاذ, يأخذ الحياة إلى الخلف رغم مظاهر التحديث المتاحة, وكأني بالكاتبة تتساءل أيضا:

-أين الخلل؟

هنا التساؤل ليس من باب الجهل بالأسباب, ولكنه وخز ذكي نحو البحث عن وسائل الخروج من البلبلة.. ولعل في قصة عودة, ما يجيب على بعض الأسئلة, فهل يموت الإنسان باختيار غيره؟, وهل الموت هو خروج الموت من الجسد, أم هو الذهاب إلى الغياب عند خسران مبررات الحياة..؟

جدلية الموت والحياة يطرحها الراوي العليم, قصة ظاهرها الكوميديا, وباطنها المأساة, فالنساء يجتمعن لأداء طقوس الرحيل, حسب ما تعارف عليه المجتمع المصري في الريف وأطراف المدن, ينحن ويرددن, وتتقصف شفاههن, وتدمع عيونهن, ويغطسن في غيبوبة الفقد, فيما الرجل العجوز مدفون تحت الأغطية, يعد أن عزف عن الطعام والشراب..

قصة خداع البصر, عندما عبر المترو النفق, سألت امرأة تشبه نفرتيتي, وكنهها شاحبة ممصوصة تسأل عن محطة التحرير, رجل أشيب ممصوص يخبرها: أن المحطة القادمة هي محطة سعد باشا زغلول, والتحرير بعدها, ورجل آخر يرد: القادمة محطة سعد زغلول.. والراوي يقرأ في الجريدة" لا مزيد من الأعباء للمستثمرين" عصب العين يرسل إلى الدماغ كلمة مزايدة بدلا من مزيد, ويواصل " أن الإعتمادات للمستثمرين يعني مزيدا من فرص العمل للشباب" لكن عينه ما زالت ترسل مزايدة بدلا من مزيد..تستعد المرأة للمغادرة, قال أحدهم المحطة القادمة سعد زغلول, رد العجوز الأشيب سعد باشا زغلول.

لفته ذكية وهامسة تقارن بين زمن سعد زغلول باشا الزعيم " مصر للمصريين", وزمن الانفتاح, ومترو الأنفاق, ومشاريع الاستثمار, ومصر "نفرت" التائهة المحتارة الكالحة المجهدة اللاهثة وراء الفرص المخادعة..

وفي قصة ربابة.. آبا علي, شجن بمذاق آخر, يلتقي الجميع بعد صلاة العشاء في زاوية الجامع, حول جمرات القوالح, وأنفاس الجوزة المغمسة بالحشيش الذي يتوفر صدفة في كل مرة, وكأنها هبة من السماء..وكان في بعض الحالات ينضم اليهم البستاني وابنه البناء.. يستمعون إلى حكايات عجوزين يتباريان بالكذب "الفشر", يعتمدان على مخزون خبرة المعايشة مع الحياة..