محمود درويش يخترق حالة الحصار بـ “حالة حصار”


كم يود أن يهجو فلسطين!
محمود درويش يخترق حالة الحصار بـ “حالة حصار”



الطليعة 10 مايو 2002

بين حصار بيروت في العام 1982 وحصار الفلسطينيين الآن على أراضيهم عشرون عاما، مرت من عمر الشاعر محمود درويش، ومر بمراراتها، والسؤال: لا·· ماذا ترك “الحصاران” من أثر في شخص درويش، لكن كيف أثّرا في قصائده؟
عاش الحصارين عن قرب، في الأول أطلق قصائده نداءات، وصرخات استغاثة، وغضب في وجه الدبابات الإسرائيلية، وبين التمرد والتحدي وبين انكساراته في أثناء صعوده سفينة “اليأس” التي نقلته ورجال “منظمة التحرير الفلسطينية” (قبل أن يسموا برجال سلطة) الى شواطئ تونس ·· كان واضحا بـ :
“حاصر حصارك لا مفر
اضرب عدوك لا مفر
فأنت الآن حر وحر وحر”
يرد الآن، ليقول قبل أمسيته الأخيرة المقامة على مدرجات المدينة الرياضية في بيروت متأملا في “الحصارين” “بطل الحصار واحد هو شارون، لكن هناك فرق بين أن نكون محاصرين في المنفى، وأن نكون محاصرين في الوطن·· الحصار الأول أوصلنا إلى بقعة من الوطن والحصار في الوطن لن يوصلنا إلا الى الاستقلال” ويضيف “لأن لا منفى للفلسطينيين بعد الآن·· لا رحلة أخرى”· كان أيام الحصار الأول واضحا، وكان يأمر مستجوبيه “سجل أنا عربي”، ومرت العشرون عاما·· لم تخفت نار تحديه، لكنه خفف من وهجها على أوراق قصائده، وتركها - كما هي - داخلية·
لم تكن هذه القافية
ضرورية، لا لضبط النغم
ولا لاقتصاد الألم
إنها زائدة
كذباب على المائدة
وقد صرح مرارا في مقابلاته الصحافية أنه يكره حرائق تلك القصائد الغاضبة، لأنها تنتهي بمجرد نزوله من منصة الأمسية الجماهيرية، فوضوحها يقتلها، بل إنه يكره حتى موسيقاها الصاخبة، لذا هو اشتغل على مشروعه الشعري الخاص بجذب “تفعيلاته” إلى مناطق النثر دون أن يقع في هوة الكلام العادي·· هذا ما تركته “العشرون” عاما في شعره··!
وفي “حالة الحصار” الأخيرة يفاجئنا درويش بحرفنة الفكرة، والمشروع الذي أراده، حيث يقترب القارئ كثيرا من أجواء “قصيدة النثر” بتفاصيلها ولقطاتها الصغيرة، والمفصلية المعبرة:
هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب وفوهة الوقت، قرب بساتين مقطوعة الظل، نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل:
نربي الأمل
كم كان يود درويش أن يهجو فلسطين!
هكذا يصرح، فمن يجرؤ على كلمات عتب لأمه وهي في مجالس العزاء؟ سوى الابن الودود، الذي يريد أن يكون “عاديا”، أن يعيش حياته كما الآخرين، ليست أكثر من “عادية”، أن يتنقل بين بيته وعمله، يمارس حرياته، ويوزع ساعاته كما يشتهي بين أطفاله وأصدقائه وحبيباته، أن يتفرغ لمناقشة شؤون أخرى، أن يعارض سلطاته الحاكمة، أن يغضب من أوضاعه المعيشية ويطمح لتغييرها، يريد أن يحب وطنه وأن يختلف معه مثل كل الشعوب، يريد أن يتمكن من نثر قصائده في زوايا وطرق أخرى·· دون أن تقف له “الأرض المستلبة” على ناصية كل طريق:
واقفون هنا· قاعدون هنا· دائمون هنا· خالدون هنا·
ولنا هدف واحد واحد واحد: أن نكون·
ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء:
على صورة العلم الوطني (ستحسن صنعا لو اخترت يا شعبي الحي رمز الحمار البسيط)·
ومختلفون على كلمات النشيد الجديد
(ستحسن صنعا لو اخترت أغنية عن زواج الحمام)·
ومختلفون على واجبات النساء
(ستحسن صنعا لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن)·
مختلفون على النسبة المئوية، والعام والخاص،
مختلفون على كل شيء· لنا هدف واحد: أن نكون··
ومن بعده يجدُ الفرْدُ متسعاً لاختيار الهدفْ·
في أحد مقاطع (حالة الحصار) يعبر درويش عن رأيه في “اليهودي” كإنسان بعد أن يقشر عن فكره قلنسوة “الصهيونية”، فيجرد عدوه من كل رداءات التميز الديني والعرقي، ليدير حوارا شفافا بين “إنسانين”·· فقط:
قاتل آخر: لو تركت الجنين ثلاثين يوما
إذا لتغيرت الاحتمالات:
قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك الرضيع زمان الحصار، فيكبر طفلا معافى،
ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك
تاريخ آسيا القديم·
وقد يقعان معا في شباك الغرام·
وقد ينجبان ابنة (وتكون يهودية بالولادة)·
ماذا فعلت إذاً؟
صارت ابنتك الآن أرملة،
والحفيدة صارت يتيمة؟
فماذا فعلت بأسرتك الشاردة
وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة؟
ويعود درويش إلى المزاوجة بين معنى الخسارة في أرواح الشهداء المتساقطين، وأغصان الزيتون (كإشارة الى الخير المتجذر في أرض فلسطين)،·· وما يصيب القصيدة التي تريد أن تعلي من صوتها لتكشف فداحة الخسارة·· فيعاجلها السقوط أيضا:
خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية كل يوم·
وعشرة جرحى·
وعشرون بيتا·
وخمسون زيتونة···
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصه
وقريبا من نَفَس قصائد النثر:
يجد الوقت للسخرية:
هاتفي لا يرن
ولا جرس الباب أيضا يرن
فكيف تيقنت من أنني لم أكن ههنا!
وبين معاناة ألم الحصار، ومحاورة المحاصرين، ينوع درويش مقاطعه، ويطعمها بإشكاليات الشعر و”حصاره” التعبيري، وردوده الحائرة على أسئلة الشهداء إنما بصراحة أكثر:
الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن·
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا:
كيف بدلت أدوارنا يا بني، وسرت أمامي·
أنا أولا، وأنا أولا!
فمكابرة الأم على فقيدها الشهيد، تكشفها دموع الأب، وبريق حرقاته، واعتراضه على “من يغادر أولا”!
مقاطع طويلة لـ “حالة الحصار” تربط معانيها بعضها ببعض بمخيلة القارئ حالما يصل إلى سطرها الأخير·· ويوقن كم كانت مكثفة بالشعر·· الذي يهدم بشفافيته أسوار الحصار “الثاني”·