Home
ركن الأدب

خسر 300 عمل ويفكر بمعرض لما أنقذه وعليه بصمات الدمار
يوسف غزاوي: كيف يدعم بولتون الحرب أمام الغيرنيكا
 


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

احمد بزون

يمكن أن نعيد بناء منزل أو متجر، لكن من يستطيع أن يعيد بناء لوحة أو عملاً تشكيلياً حمل تأريخاً ومزاجاً وصوّر لحظة تعبيرية مكثفة لن تعود للفنان من جديد؟
تلك هي الحرب التي لا تهدم البيوت وتخرب المزارع وحسب، إنما تقضي على مظاهر الإبداع، وعلى منجزات ثقافية وفنية. فقد أطاحت الحرب الأهلية اللبنانية ذات يوم بإنتاج الفنان الشهير سعيد أ. عقل، فحمل هذه الكارثة في داخله وعبئاً على أعصابه وحياته اليومية وسلوكه الذي مال إلى العزلة والإقلال من الإنتاج، حتى انعكست على صحته فكان المرض سبباً في رحيله منذ سنوات قليلة.
اليوم لم يحيّد العنف الإسرائيلي المحترفات الفنية أو بيوت الفنانين، فكانت الخسارة أشد إيلاماً على الفنان الذي وضع نتاجه في مهب عواصف الأمطار الصيفية الحامية.

بين من تضرروا من قصف الضاحية الجنوبية الفنان يوسف غزاوي، الذي كان يسكن في المربع الأمني بحارة حريك، وقد أطبقت سطوح وجدران المبنى الذي يقطنه فوق أعماله وأعمال زوجته الفنانة سوزان شكرون.

التقينا غزاوي وسألناه عن حجم الأضرار التي لحقت بأعماله التي كانت موجودة في منزله/محترفه، أجاب:
خسرت أكثر من 300 عمل فني، كما خسرتْ زوجتي سوزان عشرات اللوحات التي كانت تحضرها لإقامة معرض لها في كانون الأول المقبل. بين أعمالي عدد من التجهيزات الفنية وأعمال التزجيج.
ما خسرته هو نتاج العمر، من أيام الدراسة في بيروت، ثم في باريس، إلى يومنا هذا، أعمال كبيرة وصغيرة وتخطيطات ورقية منوعة.

هل فكّرت في أن تحمل قبل نزوحك عن المنزل بعض الأعمال؟
- استطعت أن أحمل بعض الأعمال القليلة وبعض الكتب والأوراق الخاصة. كنت أتوقع أن يكون الحدث كبيراً، لكنه داهمنا. حاولت أكثر من مرة الوصول إلى المنزل أثناء المعارك لأنقذ ما أمكن، إلا أني لم أفلح.
تأسفت كثيراً على أشياء أخرى غير اللوحات، مثل المذكرات، والمعلومات المخزنة في الكومبيوتر، والكتابات الخاصة، وأرشيفي الخاص.
قرف وألم

علمنا أنك تابعت أعمال رفع أنقاض المبنى الذي تدمر بالكامل لتنتشل ما أمكن إنقاذه. كيف كنت تعيش تلك اللحظات؟
- بالفعل استطعت إنقاذ عشرات الأعمال من خلف <البوكلين> التي كانت ترفع السطوح ومداميك الباطون. لكن بعض تلك الأعمال خرجت مهشمة والبعض الآخر سليماً أو بين بين.

كنت أثناء هذه المهمة أتخبط بين فرح وحزن وتعب وقرف. كنت أعيش مزيجاً غريباً من المشاعر. أحياناً أشعر كأنني أرفع جثثاً.
كنت أشرف على أربع رسائل لطلاب الديبلوم في معهد الفنون، وأجريت المناقشات بعد وقف إطلاق النار، لكن الملاحظات التي وضعتها حول الرسائل بقيت تحت الأنقاض، ومع ذلك شاركت في المناقشة، وها أنا أفكر في إقامة معرض للأعمال التي أنقذتها، على أن أعلقها كما هي، بكل بصمات الدمار والخراب عليها.
حزنت لأن كل أعمال معرضي الأخير الذي أقمته العام الماضي أتلفت، فهي نتاجي الجديد الذي أفتخر به، كذلك كنت أنوي إقامة أول معرض لي في بلدتي الخيام لأحقق حلماً كثيراً ما راودني. بدل هذا المعرض أقامت إسرائيل في الخيام معرضاً كبيراً لأساليب القتل والدمار.
 
هل تفكر في استعادة بعض أعمالك أو استحضارها من خلال تكرارها؟
- لا أتصور أنني أستطيع ذلك، لأسباب كثيرة، فحالة صناعة اللوحة لا تتكرر، والوضع النفسي الماضي مختلف عنه اليوم، وإذا فعلت ذلك سوف أفشل. قد أستعيدها بتذكرها، وبما تبقى منها من صور فوتوغرافية.

ألا تفكر في استعادة عناوين بعض اللوحات أو مواضيعها؟
- قد أفعل ذلك، فأقدم لوحة جديدة. بعض الأهل عندما يفقدون إبناً فيسمون مولوداً جديداً باسمه.

هل تفكر برسم الحدث، العدوان ككل، والمأساة التي حدثت لك شخصياً؟
- إبان الحدث لا أستطيع إنتاج عمل فني. قدمت بعض التخطيطات والرسوم السريعة كالتي نشرتها في <السفير> أثناء العدوان. أتصور أن المرحلة قاسية وحجم الدمار كبير والأسلحة التي استخدمت لم تكن مسبوقة من قبل. كل ذلك يشكل حافزاً لي لإنتاج أعمال جديدة.
حتى الآن لم يمر بمخيلتي أي موضوع معين، كل ما أشعر به كما قلت هو ذلك القرف والألم الأشد وقعاً وخطورة من آلام الحرب والدمار، القرف والألم الناتجين عما يجري على المستوى السياسي الداخلي في لبنان.

كيف تتطلع إلى ما حدث بعيداً عن خساراتك الخاصة؟
- ما حصل هو فيلم أميركي طويل. نحن ضحية السياسة التي تخطط للمنطقة، ضحية خلافات داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن يكون المثقف أو الفنان أكثر ألماً من سواه، إذ إن مثل هذه المعاناة تلازمه كل حياته.

جريمة حرب
ما الذي يعوض عليك خسارتك؟
- لا شيء غير القلم والريشة والقلب الذي يعاني وينتج. كنت أسمع بفنانين خسروا أعمالهم في الحروب، لكن النار تكوي مكانها بالفعل.
أعلل نفسي أحياناً بأن خسارتي ليست خاصة بي، فما ينتجه الفنان يصبح ملك الجميع. نعرف أن جامع لوحات ياباني أحب لوحة لفان غوغ فأوصى أن تدفن معه عندما يموت، فأجابه سامعوه: إن العمل الفني ملك البشرية. ما آسف له أن أعمالي دفنت ولم يستطع أحد إنقاذها.
أريد أن أعلق على مشهد تكرر كثيراً على الشاشات، هو وقوف السفير الأميركي جون بولتون أمام غيرنيكا بيكاسو ليطلق تصريحاته الحربية ويصب الزيت على نار الحرب، في حين أن بيكاسو وضع لوحته ليصرخ بها ضد الحرب.
مشهد آخر أثارني هو ما تناقلته وسائل الإعلام لصورة مجموعة من الأطفال الإسرائيليين وهم يوقعون على القذائف الصاروخية ويكتبون رسائل الموت هدايا لأطفال لبنان. هذا يذكرني ببيكاسو الذي قال: قضيت خمسين عاماً من عمري لأستطيع أن أرسم مثل الأطفال، لكن إسرائيل تُحوِّل الطفولة إلى أغراض أخرى بعيدة عن البراءة. إنه عمل غير مسبوق في التاريخ، وجريمة حرب مضاعفة يجب أن تُحاسَب عليها إسرائيل.
 


**********************

Back to Top 


 © Arab World Books