مجدي الجابري

مصر

شاعر حداثي صاحب لغة مميزة من الرواد المجددين فى قصيدة العامية المصرية و أول من بدأ مغامرة جيله الإبداعيه بكتابة قصيدة النثر، كان من الباحثين بنهم فى الفولكلور والأدب الشعبي وله دوره فى الكشف عن مأثوراتنا الشعبية لإحيائها وإثارة الجدل حولها من جديد.
ولد مجدي عبد الهادي الجابري في حي أم المصريين بالجيزة، مصر في عام 1961.. حصل على الإعدادية من مدرسة الأهرام عام 1976، وعلى الثانوية العامة من مدرسة السعيدية العسكرية عام 1979، وتابع تحصيله حتى حصل على شهادة المعهد العالي للتعاون الزراعي عام 1983، ودبلوم الدراسات العليا في الفنون الشعبية من المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون عام 1992بتقدير جيد جدًا.
عمل مصححًا ومراجعًا في مجلة الإذاعة والتلفزيون عام 1989، وعمل أخصائيًا ثقافيًا بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وذلك في قصر ثقافة النادي الأهلي بالجيزة عام 1989، وباحثًا في الثقافة الشعبية بأطلس الفولكلور المصري بعد تخرجه في المعهد العالي للفنون الشعبية عام 1992، ومدير تحرير سلسلة مكتبة الشباب في مارس عام 1997، وسكرتيرًا لتحرير مجلة «آفاق المسرح» عام 1998 وكلاهما في هيئة قصور الثقافة. تزوج الجابري بالكاتبة صفاء عبد المنعم في عام 1988 وأنجبا طفلين.بدأت مسيرته في الكتابة عندما كان لا يزال يدرس في كلية الزراعة في جامعة عين شمس حيث كتب مسرحية بعنوان "جواز على ورق لحمة". وأصدر ديوانه الشعري الأول باللهجة العامية المصرية بعنوان "أغسطس" قبل حرب الخليج بشهور قليلة في عام 1990،
أصيب الجابري بمرض سرطان الرئة في عام 1998 وتُوفي في عام 1999.

أعماله (المصدر – دراسة نقدية لحاتم مرعي)
1-    طرطشات موجة حلم
تنتمي نصوص الديوان – مؤقتا – الي ميراثها الإبداعي الشفاهي والمدون منذ ابن عروس وحتى جيل السبعينيات ، هذا الجيل الذي لجأ إلي استخدام اللغة الشعرية الرصينة والغير دارجة التى تقارب الفصحي وتعتمد التشفير والترميز وتري فى غموض النص سر الجمال والبقاء ، لغة تشتبك مع الكوني والمجرد والمحسوس ، ازدهرت التجربة السبعينية فترة الانفتاح التى كان يلزمها مواجهة من الشاعر المثقف الواعي بالوظيفة الاجتماعية للشعر لمقابلة الهبوط الإبداعي والأخلاقي وربما تكون هذه الفترة هي النقطة الزمنية التى كان من الممكن أن يتقابل عندها الإبداع بالنقد للقيام بدورهما ، لكن التجربة انتهت مثل بقعة ضوء تخرج من عامود كهرباء فى عز الظهيرة كما خرجت اللغة الإبداعية بعد هزيمة يونيو كإعلان عن هزيمة المبدع والمتلقي والناقد وانهيار المشروع فكانت القطيعة بين الشعر وجمهوره .
أذكر هذا لكي نضع نصوص مجدي الجابري ضمن إطارها الزمني وجوها التاريخي ، كان هناك حالة من الثبات الإبداعي فى الشعر بداية التسعينيات ، هناك تجارب مستقرة ومتحققة من جيلي الستينيات والسبعينيات وهناك جيل ثمانيني مازال يبحث عن مشروعه كان ضمن هذا الجيل مجدي الجابري وصديقه الشاعر الراحل ( خالد عبد المنعم ) اصدر خالد عبد المنعم ( موسيقي التكوين ) واصدر مجدي الجابري ( أغسطس ) ليكونا الاثنين معا خلاصة التجربة الثمانينية فيرحل خالد عبد المنعم مبكراً جداً ويظل مجدي الجابري ليفكك لنا الحياة والموت .
يكتب فى تصديره للديوان ( أكتب لتظل طاقتي الروحية الشريرة تغذي وعياً بضرورة تفكيك الموت بمهارة ، تفكيك كل ما هو مصنوع فى مصنع الآخر ) ويقول فى النص الأول ( الله عليك يا مبتدي بالموت / نفسك بيسمح للفرس يرتاح / وبيرمي فى صدر البنات / مرجيحة الحنه ) ويقول فى قصيدة النبي ( فريت وشوش الموت واحد ورا التاني / ل صفر غزال مضروب / شعاع للنور / ل حمر عمود نار مغروز فى حشا القاتل / ل خضر وتر مطفي فى ربابة صيف / الحنة دي حنتك يا قبر يا كداب ) تلجأ نصوص مجدي الجابري الأولي الي الرمزية والانطواء على عالمها الداخلي ويدخل الحلم كمحرك للشاعرية .
يقول فى موضع أخر ( سبع بحور من شوك / سبع جبال من دم / وحبيبتي مرصودة على ) ويقول في قصيدة الأرض ( ازرق خفيف / ولا جبين الموجه ده المرمي على كتفي ؟؟ / يا تحت باطي اليمين / طبعت صوابع خضر فوقك / قلبين بالأحمر الداكن ) تبدو اللغة فى النصوص كتقسيمات هندسية
ولأن مجدي الجابري كان من الباحثين بنهم فى الفولكلور والأدب الشعبي وله دوره فى الكشف عن مأثوراتنا الشعبية لإحيائها وإثارة الجدل حولها من جديد وظف وعيه هذا فى إنتاج النص بذائقة نمت على مألوف عادات الناس اليومية وآلامهم ، على أصوات المنشدين فى حلقات الذكر ، وقصص البطولات الشعبية ، إتخذ الموسيقي كركيزة فى نصوصه الأولي مع محاولة مخلصة للخروج من الشكل ، يستخدم أكثر من ضمير داخل النص ويعتمد على الحوار الذاتي أو مع الأخر مع عدم الالتزام بالسطر الشعري .
يقول فى قصيدة نقش بارز جدا ( بتدحدر …. من الجنة …..ل (رأس المال ) … لشرعية خلافه / أبويا واخوالي علي غزلان بتعشقني / خضار دامي ، وكف اصفر / بينقش صوت أذان المغرب … على معبد أتون / الواحد المفروط : شجر رمان ، وخيل فضه ، وخيش محشور ف صوت أمي ) النصوص تطرح لنا رؤية للوجود الإنساني ، تعيد قراءة الموروث فى ضوء اللحظة تتشكك فى الثوابت الجامدة وشبه المطلقة من خلال طرح ميتا فيزيقي يغوص فى أعماق وجوده ووجودنا يقول فى قصيدة أغسطس ( البنت بتخرج حبلي من الشق / والصخرة / وشى المحفور / أطرافي النور المطفي / يمام بيكن ما بين الشطين / ويموت ) نصوص تنتمي الي مصرية خالصة بأصولها الفرعونية وأساطيرها الخالدة منذ عبادة ايزيس وحتى لحظة كتابتها ، تشتبك مع التاريخ والجغرافيا فى بلد تطل على بحرين ويجري بها النيل مجري الدم فى العروق يقول فى قصيدة ( أوراق ) والتى يهديها الي مجدي الجابري ( وافرض ان الوتر البايش .. حب يشارك جسمي … رقصه نار الخلق المرة … وفرك قلبه / سمسم او براغيت .. وافرض ان إيزيس اكتشفت سري ورفضت … / تكشف عنها البرقع .. رفضت تقرا كتاب النيل / المتجعد ضله فى عين الودعة خليفة البحر) .
وما بين الأسئلة الكبري والتفاصيل الصغيرة تكمن شاعرية النصوص يقول فى قصيدة صلاة الغايب ( ماهيش عصارة زهرتين م الفل / يمكن تكون أرواح بتتسرسب / من بين صوابع ضل / او / طفل ماشي فى سلوك الكهرباء / والدنيا ليل ) استخدم شاعرنا التفعيلة بكل طاقتها الجمالية لكنه لم يقدسها كان الهدف هو الخروج من الشكل واللجوء الي معني إنساني أعمق كما استخدم القوالب التاريخية مثل المربع يقول فى القصيدة الأولي .
فاتح ….. بالون المجهدين … فاتح
وأول اللي بينجرح … جارح
شبك الموظف ضحكتة فى دوسيه
وحملني فوق حملي بدن طارح
فى ظني ان نصوص مجدي الجابري وخالد عبد المنعم التفعيلية لخصت شاعرية التجربة الثمانينية وجمالياتها فى شعر العامية المصرية ليفاجئنا مجدي الجابري فى بداية التسعينيات بنصوص نثرية مثيرة للجدل والدهشة وهي الفترة التى ظهرت فيها قصيدة النثر المصرية المكتوبة بالفصحي ومن الصعب فصل الظهور الطاغي لقصيدة النثر فى مصر عن واقعها السياسي والإجتماعي العام من انهيار للكتلة الشرقية وظهور النظام العالمي الجديد وسيطرة القوة الواحدة الي الصراع العربي العربي باحتلال العراق للكويت والذي انتهي بالاحتلال الأميركي للعراق ومن ثم انهيار المشروع العربي الذي أدي الي ظهور أنماط أدبية وثقافية أخري فرضها عصر الاتصالات والعولمة بصعود فنون قولية أخري ( رواية – سينما – أغنية).
ظهرت قصيدة النثر لتعبر عن ضبابية الرؤية والانعزالية ومراجعة النظر الي العالم والأشياء ، الفارق فى وجهة نظري أن قصيدة النثر العامية ظهرت بشكل جزئي فى أعمال الشاعر الكبير فؤاد حداد ( ديوان كليم الشيخة أم الآه علي سبيل المثال ) إلا أن حداد لم يتخل كلية عن جماليات الشعر العربي القديم لأن تجربته تتسع لإستخدام جميع القوالب والأشكال الشعرية والنثرية وابتكار أشكال تخالف السائد.

٢- عيل بيصطاد الحواديت
صدر عام 1995 وتاريخ كتابة نصوصه من أغسطس 1992 وحتى أغسطس 1994 وضم الديوان الثاني لشاعرنا ( بالظبط وكأنه حصل ) الذي أصدره في طبعة خاصة ومحدودة عام 1994 . وصدر عيل بيصطاد الحواديت عن سلسلة إبداعات بهيئة قصور الثقافة في الوقت الذي صدرت فيه دواوين نثر مكتوبة بالفصحي ( مثل ذئب أعمي ) لأسامة الديناصورى و(بيانات هامشية ) لعبد الوهاب داود و ( ناس وأحجار ) لياسر عبد اللطيف كما يتوالي نشر دواوين العامية النثرية فيصدر صادق شرشر ( رسوم متحركة ) ويصدر محمود الحلواني ( خيمة في الليل ) ويصدر صالح الغازى ( طالع نازل زي عصاية كمنجة ) وهذا بالطبع علي سبيل المثال لا الحصر .
– نلاحظ أن أسباب ظهور قصيدة النثر العامية والفصحي واحدة كما أن الاستخدامات الجمالية واحدة الفارق فقط في الوسيط اللغوى فقصيدة النثر العامية هي التطور التاريخي لشعر العامية المصرية من ظهوره الشفاهي وحتى مرحلة التدوين في نهاية القرن 19 في أعمال عبد الله النديم ومروراً ببيرم التونسي وبديع خيري وفؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ومجدي نجيب وفؤاد قاعود وسيد حجاب وغيرهم ، أظن أن مجدي الجابري كان يعي في نصوصه الأولي أنه ينتج ما تم انتاجه علي أيدي هؤلاء الشوامخ لذلك قرر البدء بتحطيم القيم الشكلية وإعادة تقييمه للوظيفة الميتافيزيقية للشعر يعي بحتمية تحول اللغة الشعرية بالبعد عن المجاز والتشفير والترميز والغموض دون الوقوع في فخ المباشرة والفجاجة
*عيل بيصطاد الحواديت *
بداية التمرد الخلاق والثورة علي كل ما يحمله من موروث ليعيد صياغة اسئلته الوجودية ويقدم لنا عالمه الشخصي ( لنأخذ ما يخصنا ضمن قناعاتنا ومعرفتنا والتجارب التي عشناها ) يقول في قصيدة ( علي كرسي بيلف حوالين محور ثابت) .
( ما عرفش حاجه عن بداية الصيف / ولا عن الشفايف الحمرا السخنة ورا الإزاز المنغبش بالدخان / بس أعرف إن العجوز ده لما هينزوي بكرسيه في ركن القهوه هيفرد علي الترابيزه كل الجرانين والمجلات القديمه / اللي شايلهم تحت باطه / وهيشغل جهازه الخاص / فتخرج شاديه وفاتن حمامه وناديه لطفي وسعاد حسني وساميه جمال وكاريوكا يرقصوا وياه في ملهي ليلي ) يكتب مجدي الجابري مشاهده الشعرية ببراعة شاعر حكاء ينتج شاعريته من سرده ابتعد عن الصورة الجزئية واقترب من المشهدية لنتابع لقطاته السريعة التي تستخدم آلية التقطيع السينمائي للمشاهد وتعتمد الرؤية البصرية للمشهد من البداية وحتى ذروته الدرامية يقول في نفس النص ( ومش قبل وش الفجر هيبتدي السرير في التزييق وتترشق الحيطان والسقف بعيون المعجبين من جمهور الترسو وأصحابه في القهوه وفي الشغل / ومش قبل الضهر هيقوم وعلي جسمه علامه جديده ) القصيدة هنا ليست نقلاً للواقع أو مجرد وصفاً سردياً فهي تقرأ اليومي بتفاصيله المزدحمة وأحداثه الصغيرة خارج محيطه التقليدي لتزيل الفجوة بين ما هو شعر وما هو نثر .
يقول في قصيدة ( هروب )( قاعد علي شط جزيره / وفاضل ساعة علي المغرب والمعديه عماله بتبعد ، والصنانير بتغوص أكثر والمواعين بتتلم وتلمع والنسوان بتدملك وتعدي الأسمر المحمر وتخش في البرونزي ) هنا كل شيء ممكن الاستخدام كعنصر شعري من أجواء واقعية ولأن مجدي الجابري لم تفارقه أسئلته الخاصة عن الموت والحياة والوجود والعدم فقد اتخذت هذه الأسئلة منعطفا مغايراً يقول في نفس القصيدة ( وما عرفش ليه حسيت فجأه بأني مستني واحدة – ماعرفهاش قبل كده – تيجي تتمدد جنبي ، ولما يبتدي جسمها يسخن وتبتدي تبرد جوايا المواعيد المتأجله لمرواح الشغل وزيارة الأهل والرجوع للبيت ، أحس أننا ابتدينا نعرف بعض فادلك لها صدرها بشويش تحضني وتمد إيديها تخربشني في ضهري وتضحك أعلي أضغط أكتر لحد ما أكتم نفسها ولما تموت أكتشف أننا لسه ما عرفناش بعض وعشان كده مش هيبقي سهل علىَّ أدفنها ، فاشيلها علي دراعي وفي أقرب مركب راسي علي الشط هامددها بعد ما أكون عريتها تماما واتعريت تماما وأرجع أقعد علي الشط وأتابع بعنيا أول عشبه زرعت تحت بطاطها وأول حيوان بحري ابتدا يقرقض ضوافرها ولما تتحلل وتدوب ويختلط عضمها بخشب المركب ، ألبس هدومي وأقعد أفكر ف حيله جديده أهرب بيها من مواعيد بكره ) ،من الجو الواقعي إلي جو الحلم ومن النهايات غير المتوقعة وتصادم الصور واللقطات تتكون مشهدية النص وشاعريته من لحظته الوجودية الحرجة ورغبته في التمرد علي قوانين الطبيعة واللغة والمجتمع والناس يقول في قصيدة ( عيل بيصطاد الحواديت ) (وقاعد تحت العلم ، والمدرسة فاضيه ، وقالع الجزمه ، راكنها جنب الشنطه وسارح بعينيا مع سرب حمام أبيض وفي بقي لقمه من سندويتش طعميه بانضغها علي مهلي وفجأه نزلت الحمامه اللي في أول السرب ووقفت قدامي وقالت لي قوم أبوك مات )، هنا الموت الذي يرد الشعر إلي وظيفته العظيمة كخالق للأساطير وسعي إلي حرية شاملة للنص يقول في نفس القصيدة ( ولما الصبح ما رحتش المدرسه / والبيت اتملا بالناس / رجاله وستات / وصوات وعياط وشق هدوم وكلونيا خمس خمسات / وقماش أبيض وصابون ولحاف أخضر وبخور / ما بقتش أنام بعد صلاة العشا وعمايل الواجب / بقيت أسهر أذاكر أذاكر لحد ما سمع أدان الفجر أقوم أصلي في الجامع وأدعي في سري إني ما شوفش سرب الحمام الأبيض تاني وأنا نايم وحدي)
كتب مجدي الجابري نصوصه وفق ما تمليه عليه تجربته بالإيقاع الذي يريده والطريقة التي يريدها لينتقل بنا من السؤال الكوني إلي الفعل اليومي حيث العالم أكثر رحابة وحميمية وإنسانية رغم محدوديته المكانية فنجد الغياب المتعمد للموسيقي والإنشغال بالعجيب في اليومي والحياتي بكل تفصيلاته الهامشية والمحورية يقول في قصيدة ( مرجحه ) (زي ما تقول واخد علي خاطري شويه / ومازلت / من البنات اللي مرو قصادي تلات مرات إمبارح / ولا واحده بصت لي / مع إني خصيت كل واحده ببصه شكل / ولاني ما كنتش واقف لما مرو النهارده /باستغرب / منين كل العرق ده اللي إضطرني أستسلم لرغاوي الصابون ) النصوص ليست مغلقة علي ذاتها فهي تجربة ذاتية داخلية تحدث من خلال الآخر ومن هذا الصدام الحاد بين الذات والآخر تتوافر فيها عناصر الشعر كما تتوافر فيها عناصر السرد ، نصوص لا تنظر إلي اللغة بوصفها مقدساً فوقياً يقول في قصيدة ( بلل ) ( ها ضغط علي سناني / وأنتي بتتزحلقي من عينيا / وتنزلي في القلب / بالحلق الكورشيه الفوشيه/ تلمي كل البنات اللي إتزحلقوا قبلك / وتعملوا مظاهرة ألوان ) نصوص تعاني الحنين إلي الطفولة بكل ما تحمله من براءة وقسوة وإندفاع وذات تنظر إلي نفسها في عيني الآخر ، لم تنطلق تجربة مجدي الجابري من عقيدة إبداعية ثابته إنتهكت العروض والعلل والزحافات لتثبت أن الشكل أي شكل قابل للإختراق وأن المغامرة واجبة فاتهموه بالفوضوية والمجانية ولأن في واقعنا يسبق الإبداع النقد بسرعة صاروخ لسلحفاة لم ينظر النقاد إلي التجربة بموضوعية كما لم يلتفتوا إلي تجربة بيرم التونسي في حينها والتي أصبحت حجر زواية في حركة تطور قصيدة العامية المصرية وكان تعليق المحافظين علي تجربته إنفعالي وغير مدروس وأشبه برد فعل ناتج عن صدمة مرعبة مثل مقولة (ياخفي الألطاف نجنا مما نخاف ) التي رددها شعب مصر بعد دك نابليون له بالمدافع والقنابل والأسلحة الحديثة التي لم يألفوها كان الإنتقاد للتجربة أنها خرجت عن الشكل وتخلت عن الموسيقي تارة وتارة آخري علي المصطلح والتسمية ، إعترضوا علي وجود كائن غريب إسمه قصيدة النثر العامية فكان إعتراضهم أشبه باعتراض مدرس إبتدائي علي وجود التنين وأبو رجل مسلوخة والشاطر حسن في خيال التلاميذ ، وحده مجدي الجابري الذي كان يدرك أنه يسير في طريقه للتجديد يقول في قصيدة (صداع) أخر نصوص ديوانه ( عيل بيصطاد الحواديت) ( … النكته ف كإن / مش في المشهد / لإن المشهد بيغوص دلوقتي في حفره رطبه ف مراية الحمام / وأنا لا مستني حد ولا حاجه/ مجرد أني بحلق دقني ومولع سيجاره) نصوص تنتمي للخاص تطرح هواجسها تسعي لتحرير الذات وتبحث لنفسها عن منطق إبداعي ولغة شعرية غير محايدة قد تكون بريئة في ظاهرها لكنها ليست الكتابة البيضاء أو الشعر الملتزم لا تنتمي إلا لتاريخها الخاص ولا تخضع للمعايير التي حددتها الثقافة السائدة.

٣- الحياة مش بروفة
صدر ديوان ( الحياه مش بروفه ) عن سلسلة أصوات أدبية قبيل رحيل شاعرنا في مايو من عام 2002 وهذا الديوان هو خلاصة تجربته الحياتية والشعرية يستكمل فيه تمرده علي المثل الأعلى الثابت في الشعر وطموحه في تفكيك الحقيقة واللغة الذي لم يتوقف إلا برحيله المبكر عن عالمنا يقول في قصيدة ( الهدوم ) ( أبويا في الشغل / كالعاده/ وأمي وأختي لموا الغسيل من ع الحبل / وطبقوه / وصنفوه/ وسابولي تطبيق المناديل والشرابات / فانتهزت فرصة إنشغالهم ف المطبخ وطاوعت رغبتي ) يستكمل تعرية الذات ومكاشفتها وقطيعته مع شكل نصوصه القديم يقول في نفس النص ( هدوم أمي وأختي ناعمة بتزحلق إيدي من عليها ،وكمان ملونة وعليها رسومات هدوم أبويا خشنه وساده أو مقلمه بالطول . هدومي زي هدوم أمي وأختي . رغم إني بأعمل حمام وأنا واقف وأبويا جاب لي العيد اللي فات بدلة ظابط ، يمكن عشان لسه صغير ! / إذا كان كده يبقي مش عايز أكبر ) يترك شاعرنا المجهول واللامرئي ليكون رائياً لعالمه الخاص ويترك لنا السحر الإيحائى لهذا العالم المكشوف أمامنا يقول في نفس النص ( وأتجوز وخلفت بنت ورا بنت / وطبعاً لبست زى أبويا / لكني بظبط نفسي ساعات قاعد في وسط الغسيل الملموم / وبانتهز فرصة إنفرادي بنفسي / وادس حاجه من هدومهم في هدومي / شويه / وبعدين أرجعها مكانها) هنا يتلاشي الديكور ويظهر كل ما هو متحرك وخيالي من خلال الشعور الذاتي الحاد لهرب الزمان والطفولة المفقودة والخوف والارتباك والارهاق والفلس والبكاء والعري والبلل والفتور والمشاعر المضطربة مما يضطره إعادة بناء الأشياء كما يراها هو ليهيئ نفسه ( لقيادة الأوركسترا )
بيقول في قصيدة ( الواحد ) ( الواحد ../ خايف ومرتبك / الواحد / تعبان وهمدان وما عندوش روح للمناقره / الواحد / ما معاهوش فلوس كفايه يروح إسكندرية .. يشرب شاي ع الكريستال ويقعد شويتين ع البحر .. / ويرجع بتجربه جنسيه مجهضه / الواحد واقف قدام حالة بكا .. بالملابس الداخليه .. وجسمه مبلول وفاتر .. ومشاعره منعكشه ) لا يوجد مكان في النص للمطلق والثابت فالأزمنة متداخلة والتشكك في القدرة علي التحديد وارد دائماً يقول في قصيدة(إبتدا يغير إيقاعه )(ف أول الشارع /مش بالظبط / تقريباً أو يمكن / أو جايز أو أي حاجة / تخليني أصدق إنه كان فيه فعلاً شارع / ورجلين أتقل من دبابه داخله في حالة عطل / كنت با حسبني خفيف لإني مبسوط شوية / يبدو إني كنت باتحرك / لأن قلبي ابتدا يغير إيقاعه ) ننتقل من الماضي إلي الحاضر ونندهش من( السرعة المخيفة ) للحدث و من الواقع إلي الخيال يقول في قصيدة ( بيهيأ نفسه لقيادة الأوركسترا ) ( أصحابي / بدأو يقفزوا .. واحد ورا التاني ../ ف بركة روحي .. ويتحولوا لضفادع / وكل ضفدع ماسك آلة من آلات الإيقاع / اللي طبله .. واللي بونجز / واللي نقرزان ../واللي دهله / وأدي آخر واحد / لسه مازالت رجليه ع القهوه ) قوافي الشعر وأوزانه وموسيقاه التاريخية تحولت هنا إلي سرد شعري له إيقاعه الداخلي لكنه السرد الذي يعتمد علي الإيجاز والتكثيف الخيالي من خلال تفكيك الأشياء وبناءها من جديد وفقاً لرؤية الشاعر لذاته والعالم قد نري التفاصيل الصغيرة لكننا لا نراها كما هي نراها بعينه البعيدة ونحسها بقلبه النابض داخل جسده المنهك يقول في قصيدة ( اللي لحقته من جسمي ) ( تكتكة الآلة الكاتبه/ وملي وتفريغ رئتي بدخان الكليوباترا / وحركة رجلين أمي علي دواسة مكنة الخياطه / ده اللي لحقته من جسمي النهارده/ بعدما أتبعتر ع السلم / وأنا مزوغ م الشغل / ها حاول ألمه علي مهلي / وأعمل منه حكايه / أحكيها لنفسي وأنا نايم ) إنه جسده الذي كان يستشعر الموت في غير موعده يتبعثر منه علي السلم فيجمعه ويصنع منه نصوصه الصادمة والمدهشة يقول في قصيدة ( في قبضه إيدي كره حقيقي ) ( لسه بنخدع بعضنا بالحب / مع إننا المفروض نكره بعض وقت اللزوم / علشان تفضل ما بينا حاجه تستاهل /تعالى ببقعة دم واحده علي سرتك / ده أنا مخبيلك في قبضة إيدي / كره حقيقي / وف الحفره لغم موقوت / من غير ما تكسر نظرتك في الأرض / بص في عينيا / وأتكلم / من غير لعثمه .. وعروق نافره في الرقبه / خليك قد صداقتنا ) نصوص تطرح حالة من المواجهة والمكاشفة مع الذات من خلال قوتها الفوضوية الرافضة للأشكال الموجودة وقوتها المنظمة للوحدة الشعورية ، يطرح لنا مجدي الجابري رؤيته لوجوده الإنساني ولا يقف فقط عند الشكل يقول في ( نص الميلاد ) ( كان فيه إيد بتزقني ف ضهري صرخت ، نزل علي وشه وراسه اتخبطت ف بلاط الحمام فمديت إيدي تحتي وشيلته من ع الأرض بخلاصه اللي كان ملفوف علي رقبته وإيديه ورجليه ) يحكي لنا عن ميلاده كما روت أمه لأحد أقاربه وسمع ذلك صدفه ويحلل لنا رواية أمه كما يراها ويربطها بإحساسه الخاص بوجوده منذ لحظة ميلاده وحتى اللحظة التي يعيشها يقول في نفس النص ( ويمكن تكون حكاية ميلادي دي حكايه من تأليف أمي لإن أمي حكاءة شعبية من النوع النادر / وبالتالي تبقي كل كتاباتي وحياتي ومعارفي محاولات للتخلص من سطوة ” نص لحظة الميلاد ” / بعد تفكيكه والتحرر من مجازاته ) لم يفكك مجدي الجابري حياته وموته ونصوصه إلا لأنه كان يسعي إلي البقاء بداخلنا عندما أعطانا عالمه الحلمي الذي يسعي إليه مشروعه منذ بدايته يقول في نفس النص ( إكتشفت الصوفي المناضل السياسي المصلح الاجتماعي ، العالم الفيلسوف ، الشاعر ، الكاتب ، الرسام أصحاب الرغبة في تغيير العالم ده ودفعه ناحية عالم أفضل كل واحد حسب تصوره عن المشروع وطرق تحقيقه . بس الغريب في الموضوع إن كل المشاريع دي ما بتلاقيش مكان فيها غير دور التابع / المريد / الصبي / كاهن مازال تحت التدريب ده طبعاً إذا كنت من صناعه وكان لازم ألقي مشروع أكون فيه كاهن وواحد من صناعه وكان الشعر هو مشروعي ، الشعر كعالم رمزي موازي لعالم الواقع ) يترك لنا مجدي الجابري في نص الميلاد شهادته الإبداعية عن حياته القصيرة وتجربته الحية ومواجهته لوجوده الإنساني واختياره للشعر( بما لديه من قدرة عاليه مبنية على معرفة متخصصة وعميقة تساعده فى فك شفرات العالم ده وتأويله لان العالم الشعري عالم غامض متعدد التأويلات ) هكذا يفسر لنا مجدي الجابري انحيازه لشخصية الشاعر دون سائر الشخصيات بداخله ، عندما وجد مشروعه وعكف عليه يقول فى نفس النص ( أخش البلاكونه وأقفل علي الباب وأفكر فى كتابة قصيده جديده تتحول فيها أمي رمز لطاقات بشريه مبعتره ومهدره مسيرها فى يوم تتجمع وتغير وجه العالم وتحل محله عالم كل اللي فيه بيتكلم وقت ما هو عايز ويسكت وقت مايبقاش عنده حاجة يقولها ) .
ولأن مجدي الجابري كان لديه ما يقوله لنا عن ميلاده وحياته وموته ويثبت لنا فى نهاية ديوانه ( الحياة مش بروفة ) أن الشعر يأتي من الغيبي واليومي ومن الوعي واللاوعي يقول فى قصيدة ( مورد جثث ) ( سواء كان اسمك سقر أو عزرائيل أو عبد الرحمن / وسواء كانت هيأتك اللي بتظهر فيها تعلب أو تمساح أو حمامه بيضا / مش هتفرق / طالما اتفقنا وتممنا الصفقة / واديتك أبويا وادتني عشرين سنة / وأهم عدو )
يساوم الموت ويضعنا أمام حقيقة باردة تكاد تصل إلي الحكمة دون قصد من خلال الخيال الذي يحتوي على جهد إبداعي مكثف لا يقف عند المعالجة التأملية يتسم بالسخط وعدم الرضا والمقاومة المستمرة لهذا الموت .
يقول ( طب أعمل لك ايه / تبقي انت الغلطان وأنا اللي أدفع التمن / ما هو شيء مش ممكن أسكِن حد مدينتي ولسه ملامحه / ما اتحددتش / ولسه المكان اللى هيسكن فيه ناقص تجهيز/ يعني أنت تاخذ كل اللي عاوزه ، وأنا أطلع من المولد بأشباح بشر بملامح مهزوزه يهدو لي كل اللي بابنيه طول عمري ) لغة مجدي الجابري الشعرية لغة حية نابضة متطورة تستخدم ما درج الناس على استعماله من ألفاظ ومفردات متكررة تزيل الحاجز بين لغة الكلام ولغة الكتابة لها أصالتها وسلامة نسبها التاريخي لكنها ترفض هذه الأصالة وهذا النسب لتصنع أصالتها الخاصة .
بسطوة الماضي وقوة الحاضر يحول لنا مجدي الجابري المادة إلي روح والموت إلي شبح لا بد من مواجهته والإتفاق معه علي إتمام الصفقة يقول ( بص/ عشان أأكد لك إني مازالت ملامحي مهزوزه عند كل الناس اللي يعرفوني / وعشان كده ما حدش هيرضي يغامر بأني أكون موضوع صفقة يعقدها معاك / أنا هاعلن عن نفسي ونشوف مين هيتقدم ويشيل/ بس لو سمحت ودي وشك الناحية التانيه أو بص في أي حته غير عينيا / عشان ما تلخبطليش سيناريو الإعلان )
تجربة مجدي الجابري كانت سابقة لكل نماذج شعر العامية في حينها رغم قلة إنتاجه يقف بجوار من كان لهم الفضل في حركة تطور قصيدة العامية المصرية بإختياره للطريق الأصعب إختار الصعود لأن ( قلبه كان يدفعه إلي هذا الإتجاه وهو يناديه إلي الأعلى … إلي الأعلى إتبعني بكل ثقة )