هبات الجسد ام هبات الوطن؟

قراءة فى رواية هبات ساخنة للكاتبة سعاد سليمان

حين انتهيتُ من قراءة رواية ( هبات ساخنة) للكاتبة المبدعة سعاد سليمان ، عن دار نشر روافد تجسدت امامى علامة استفهام كبيرة ؛ وتساؤل هل تلك الهبات التى تعانى منها البطلة/ الراوية بعدما بلغت سن اليأس ، تخص جسدها ، وتلك التغيرات الفسيولوجية ، والسيكولوجية  القاسية التى تصل لحد دفعها لمحاولة الانتحار ، هل هذا ما كانت تقصده سعاد سليمان ام انه اسقاط على الحالة  التى آلت اليها الحياة بعد  ثورة يناير ؟ ان انتهاء الطمث لدى المرأة وما يسمى بسن اليأس  أراه المعادل لما حدث بعد اجهاض ثورة يناير ، تلك الومضة والاشراقة التى مرت كأن لم تحدث ؛ فلم تتحقق اهدافها ، فخلفت معاناة وفقد ومرارة ، تماما كما يحدث للبطلة بعد مغادرة سن الخصوبة والشباب ، فكانت الثورة فتية عفية فتكالبت عليها قوى الرجعية والاستبداد ، لتجهضها ، فالثورة هى الشباب والحيوية ، وما بعدها اليأس والحسرة .

 "سيناء : ايام الثورة دى مش ح تتكرر فى حياة مصر ، واحنا اول مرة نكون صناع حدث بالروعة دى "

قدمت سليمان روايتها بلغة سلسة ، وتقنية السارد/ الراوى العالم ببواطن الامور ، ويعرف عن شخوصه كل ما يمررن به من فقد وازمات ، ولكن دون تعسف او تدخل فى مصائرهن ، فتناولت عالم الانثى ، اللاتى بلغن سن اليأس ، او على وشك ، فقدمت من خلالهن عدة شرائح من المجتمع ،  برعت فى رسم شخصية كل منهن .
(فتنة) التى تنحدر من اسرة فقيرة تكافح للمساهمة فى تربية شقيقاتها فتعمل وهى فى سن مبكرة (15) عام ، ولا يرحمها القدر فتقع فريسة للتعذيب والتنكيل من قبل الشرطة ، وتخرج من هذه التجربة شخصية جديدة ، تتعلم لغات ، ومهن ، وتمتهن عدة مهن فنية ، وفى نفس الوقت نجدها صارت شرسة تفعل كل الموبقات ، من سرقة للأثار والانخراط فى عالم المهربين ، وتصبح  شرهة لجمع المال ، تواجه من يهينها بكل قوة ، وتقرر مصيرها ومصير شقيقاتها ، والرجل الذى احبته/ ادهم الصغير ، تصنع منه ادهم الكبير  ، وتختار العيش معه بعيدا .. ارى ان الكاتبة استطاعت ان تخلق منها شخصية درامية تحمل بداخلها كل المتناقضات ، فقد ابدعت سليمان فى رسم شخصية بهذا الثراء ، سماهر الفنانة التشكيلية والاكاديمية  التى تنحدر من اسرة ارستقراطية ، والدها سفير فى انجلترا  ، تتمرد عليه وعلى بيئتها ، فتختار  العيش بمفردها ، فارة من العيش فى تلك الاسرة ،  بعدما تتزوج تكتشف انحطاط زوجها الذى يبيع جسده لمن يرغبن فى المتعة ،  لوليتا الفتاة التى تنحدر من طبقة متوسطة ويمتهن جسدها اخوها ، وتتمزق نفسيا ، واخلاقيا فيكون مصيرها ان تنتقم بشكل اساء اليها ، فتضاجع طوب الارض ،  لتصبح عاقرا ، امل المنحدرة من بيئة معدمة ، تستغلها جدتها القوادة ، تدفعها للبغاء ..
 
ارادت سعاد سليمان ان تتناول فى روايتها عدد من القضايا والاشكالات التى تمثل ازمات فى حياة الانثى فى مجتمعنا ، فقدمتها من خلال انثاها ، فهى لم تغص فى اغوارهن وحسب ولكنها غاصت فى اغوار المجتمع الذى يعمى او يتعامى - على الاصح -  عن هذه القضايا الكبرى ، بافتعال قضايا تافهة تلهى الناس .. من هذه القضايا المسكوت عنها زنى المحارم ، فكان شقيق لوليتا الذى قضى على شقيقته بفعله ، فصارت شبقة ، تقول لوليتا " نمت مع طوب الارض ، وعملت 15 عملية اجهاض " ولم تغفل سليمان عن قضية العنوسة ، فذكرتها بشكل عابر . ولم تغفل قضية الطلاق فى المسيحية وفخ التى تُصر على الطلاق بحكم المحكمة / مريم التى يرفضها المسلمون لانها مسيحية ويرفضها المسيحيون لانها اسلمت  -كما يعتقدوا -

تناولت الكاتبة تلك القضايا بالاشارة اليها دون تفنيدها ، وكأنها تلهث ، فهذه سمة من سماتها ، وكأنها ترسم لوحة تجريدية تستخدم فيها كل الالوان والخطوط ، بلمسات خفيفة .. او كأنها جراح راح يفقأ اخرجة  اصيب بها المجتمع  .

عنونت سليمان فصول الرواية بصفات للهبات ، فهناك هبة ساخرة ، هبة ساحرة ، هبات متتالية ، هبة مجنونة ، وهبة حنونة ، وغالبا يندرج تحت تلك الفصول حدث يتناسب  مع العنوان ، على سبيل المثال فصل هبة حنونة ، اعادت اليها حبيبها المفتقد وتزوجا خمس سنوات ، فى هبة خارجية تتلقى اتصالا من ديفيد اسحاق زوج سلطانة ..وهكذا .

شخوص الرواية كلهن مأزومات ، يعانين الفقد ، والحرمان ، وضحيات للرجل ، على رأسهن سلمى/ الراوية ، التى تفقد حبها الوحيد بفعل السلطة الابوية المستبدة ، تماما كما يعانى شبابنا الثورى من استبداد السلطة ، التى تزج بهم فى السجون ، والرجال فى الرواية كلهم منحرفون ، منهم الشاذ /ديفيد، والخائن الذى يخون مهنته / الدكتور امير الذى تسبب فى العقم الذى اصاب البطلة وحرمها نعمة الانجاب ، والذى يبيع جسده لمن يرغبن المتعة ، والعاجز ، والذى يمارس زنى المحارم ، حتى الشيوخ لم يسلمن من العطب ؛ ابو فتنة فاسد تخشى الام على بناتها من اعتدائه عليهن ، والد سيناء الذى يُفترض انه مناضل كما تصفه ابنته خائن وعينه زايغة ، وادم حبيب سلمى البطلة ضعيف وجبان ، ووالده مستبد ، ولم يسلم من الراوية من الرجال الا ادهم الذى تزوج سميحة ، ثم فتنة ، ولكنه ليس سويا بالكامل ، فنراه يهرب تاركا ابنته الوحيدة  لأم مصابة بالهوس ، والرجل الوحيد الذى جاء سويّا هو الشخصية الحقيقية الكاتب الراحل مكاوى  سعيد ، والذى يحاول تناول حياة سلمى/الراوية وصديقاتها فى رواية اطلق عليها عنوان (نساء ثانى اكسيد الكربون) ولكن لايمهله القدر فيتوفى قبل انجازها ، فتلتقط الراوية الكراسة التى دونت بعض الصديقات/ البطلات الافتراضيات للرواية التى لم ينجزها ميكى كما كانوا يطلقون عليه اصدقاؤه ، وقد تكون المادة الخام للرواية التى نحن بصدد قراءتها . 

السرد جاء بلغة رصينة سلسة ، بينما الحوار  جاء باللهجة المصرية العامية ، واحيانا السوقية ، وهذا يحسب للكاتبة ، فكان منطقيا ومناسب للشخصيات والاحداث .. تجولت الكاتبة فى عدة امكنة ، وان كان المكان الرئيسى وسط البلد الذى ظهر جليا فى متن الرواية ، وسافرت بنا الى الخارج على هامش متنها ، اذ   وثقًتُ سليمان  وسط البلد ، وكأنها ارادت ان تستحضر الزمن الجميل، ومن عاش فيه  ؛ فى حنينٍ جسدته الام / بزادة هانم ، حين كانت تسرد تاريخ الشوارع والعمارة والمقاهى ، فأشارت الى مقهى الحرية الذى ارتاده الفنانين والرؤساء منهم فريد الاطرش الذى مثل فيه فيلم( تعالى سلم ) ، تحية كاريوكا ، محمد عبد المطلب ، زكريا احمد وبيرم التونسى ، ومن الزعماء جمال عبد الناصر ، وغيرهم ، ومقهى ريش ، وسوق باب اللوق ، وشارع مظلوم ، مشيرة الى القاهرة الخديوية .. ولم تقع الكاتبة فى فخ الوهم الذى يعيشه البعض بطمس الحقائق ، فذكرت ان هذه الاماكن كانت محرمة على الشعب من العامة ، .تستدرك الام وهى تسرد قصص تلك الاماكن "صحيح الانجليز ولاد كلب وكان ممنوع الخدم المصريين يدخلوا الاماكن دى ولا يمشوا فى وسط البلد "

كما وثقت لميدان التحرير الذى احتضن ثوار  يناير ، ووصفته بقدس الاقداس .

تناولت الكاتبة جوانب من التاريخ ، واستدعت شخوصا تاريخية على هامش توثيقها للامكنة واحتلت ثورة يناير جانبا كبيرا من الاحداث ،

وكيف كانت الثورة تملأ الوجدان ، وفيما عداها من مشاعر انحسر ، بل تلاشى ، تقول سلمى مشيرة الى روعة وعظمة الاحساس بالثورة ، التى سكنت كل من عاشها فى التحرير تحديدا فى ايامها ال18 قبل تنحى مبارك :

"لم اصدق ان مشاعرى التى تموء بمجرد ذكر اسمه ، قد اصبحت فاترة ، لا مبالية ، فى الميدان ؛ طوال ال18 يوما ، لم افكر فى الاقتراب ، كنت مكتفية بحالة الزخم التى تملأ الميدان ، وبجمال مصر وهى تتغير ، هكذا تخيلت. "

الان وقد بلغت الثورة وتلك الحالة الرائعة ، اسوء حالة ممكن ان يعيشها من قام بها تمام كما تعيش المرأة التى تفقد هرمون الخصوبة ( الاستروجين ) فتعيش حالة من الهبات الساخنة واحيانا الملهبة ..فهل من امل فى اعادة الخصوبة للثورة ، ارى انه سيحدث ولو بعد حين .. تجولت الكاتبة فى الزمان ، فكانت تستخدم الاسترجاع ( الفلاش باك) ، تبدأ من الان وتعود لعام 2005 ولقاء القسم مع معظم نسائها

وتستدع زمنا ماضيا ؛ اربعينيات القرن الماضى مع استدعائها لشخصية ايزاك ديكسون الذى ساهم فى تدريب بعض الفنانات ، كتحية كاريوكا وسامية جمال ، والطفلة المعجزة فيروز ، وعام 2011 مع استدعاء انصع فترات ؛ ثورة يناير ، وعام 2017 الذى توفى فيه مكاوى سعيد .

الصراع جاء على عدة مستويات ، صراع مع الجسد وفورة الهرمونات التى تصيب البطلة ومن تبعتها فى نادى الهبات ، وصراعها مع الحياة وما ابتلاها من احباط ، واذى نفسى وفَقدْ لحبها الوحيد ، واذى جسدى جراء جريمة زوجها الاول الذى حرمها من نعمة الامومة  ، وهناك صراع انثاها الذى يعشنه مع مصائرهن وحياتهن الملبدة بالسحب الكثيفة ، فلم تنج اى منهن من حدث جسيم ، واول انثاها سلطانة الشبقة والتى تصفها الكاتبة بأنها شهوة تمشى على الارض ، تمرض بالايدز وتموت تاركة طفلتيها ، لوليتا التى ينتهكها شقيقها ، راجية التى تصاب بلوثة وهوس ، امل الفتاة الصغيرة التى تستغلها جدتها القوادة فى ممارسة البغاء ، وغيرهن ..كل هذا بالرغم من تحقق كل نساء الرواية مهنيا ، فمنهن المخرجة ، والفنانة التشكيلة ، والتى تعمل بمركز الدراسات الاستراتيجية بالاهرام ..الخ

ارادت الكاتبة ان تخفف من هذه الحياة التى تعيشها انثاها و المثيرة للتشاؤم ، فنرى ان عدد منهن فزن بحياة افضل ؛؛ امل الفتاة الصغيرة المنتهكة من جدتها ، تستطيع ان تفر  من تلك الجدة القوادة وتتزوج وتعيش فى رضا فنراها تبيع  الشاى والسندوتشات  فى ميدان التحرير اثناء الثورة ، وسماهر تقيم معارض و تتزوج من انس الذى التقته فى الميدان ، ومريم تتزوج رجلا مسلما يحترم دينها وتعيش فى سلام ، وكأن الكاتبة اكدت ملاحظة مكاوى سعيد ، حول نجاح الشابات .

وجاء الحل فى نهاية الرواية ليريح المتلقى من اللهث وراء الشخوص ، وهذا الوجع والالم الذى يصاب به تفاعلا وتعاطفا مع هبات البطلة المؤلمة فنرى انها حولت تلك الهبات الموجعة الى لعبة يشترك فيها  طفلتى سلطانة والام بزادة هانم مع سلمى ،، لنستشرف املا جديدا ربما يسطع ، ويغير الله حالا بحال ، ومن هنا جاء اسماء الطفلتين الدالين شمس وقمر .

 

تعبيرات جميلة اعجبتى

* لملمت  كبريائى ، ادعيت اننى تأخرت على امى فى وحدتها

* كل ما فيك يا آدم موجع ، حبك ، غضبك ، حنانك المفتقد ، غطرستك، افكارك حول النبل والتضحية .

* ان اللحظة التى نعيشها اكبر من الاهتمام بمشاكلنا الجنسية والعاطفية .

* سيناء : ايام الثورة دى مش ح تتكرر فى حياة مصر ، واحنا اول مرة نكون صناع حدث بالروعة دى .

* اهمس لنفسى لمحت آدم مرارا ، كأنه لا يعنينى ، كيف لم يدق قلبى ، كيف لم احاول حتى السلام عليه ، اشعر بالامتلاء ، حينما نطوف بالكعكة الحجرية ، كأنى اطوف بأقدس مكان  .