مقبرة فيينا… متحف مفتوح على التاريخ ومثوى أبدي لرموز النمسا
لم تكن الرحلة إلى المقبرة الرئيسة في فيينا مجرّد نزهة عابرة، ولا كانت زيارة سياحية على أطراف المدينة، كانت أشبه بفتح بابٍ سرّي يقود إلى مدينة أخرى، مدينة لا تقطنها الأصوات بل ترعاها الظلال، ولا تتوهج فيها الأضواء بل تتلألأ فيها الذاكرة.
كنتُ قد رأيت مقابر الشرق التي اتخذت للرهبة صمتاً وللموت عزلة، لكن الغرب يصنع من الدفن احتفالاً آخراً، احتفالاً بالحياة التي مضت، والحياة التي تتواصل عبر الفن والذكرى.
في الطريق إلى المقبرة، لم يكن الصباح نمساوياً بما يكفي، بل كان يحمل مسحة خريفية رغم أنّ الفصول قد أعلنت عن انتظامها. الهواء كان بارداً بما يكفي ليوقظ الحواس، ودافئاً بما يكفي ليمنحك جرأة الدخول إلى مكان يختلط فيه الرخام بالأسطورة.
على عتبة التاريخ
تستقبلك البوابة العملاقة بأحجارها التي تفيض بشيء من العتق، كأنّ الزمن نسي هنا بعض تفاصيله، وعاد ليلتقطها من جديد، هذه المقبرة التي افتُتحت رسميّاً عام 1874 قامت في الأصل خارج حدود المدينة القديمة، لكن التمدّن الأوروبي الذي يلتهم الفراغ بنهمٍ حضاري، ابتلعها شيئاً فشيئاً حتى صارت اليوم جزءاً من النسيج العمراني لفيينا.
وعلى جانبي الطريق المؤدي إلى البوابة تنتشر ورشات صغيرة لنحّاتين يصوغون شواهد القبور. إنها ورش تشبه متاحف مصغّرة للرخام، بعض الشواهد مائلة كأنها تستعد للنهوض، وبعضها واقف كتمثال ينتظر أن يوقّع اسمه الأخير على صفحة الحياة.
مرافقة نسوية عبر الزمن
رافقتني في هذه الزيارة روزفيتا زايس، إعلامية نمساوية سابقة، قضت سنواتها بين الصحافة والفلسفة، حتى باتت تقرأ المقبرة كما يقرأ القارئ كتبه المفضّلة
قالت لي وهي تشير إلى فضاء المقبرة الشاسع
هنا التقى الفن والتاريخ والسياسة… بعدما فشلوا أن يلتقوا في الحياة
وكنتُ أرى ما تقوله
المكان يملك قوة غريبة، فهو لا يطلق أحكاماً، ولا يطرح الأسئلة، لكنه يجعل كل سؤال في داخلك ينهض من جديد.
شوارع المقبرة… مثل مدن صغيرة
ما إن تخطو في العمق حتى تدرك أن هذه المقبرة ليست مجرد بضع فدادين من الأرض، بل مدينة صامتة تمتد على مساحة تناهز كيلومترين ونصف.
هنا شوارع، ولوحات إرشادية، وأحياء تحمل أسماء العائلات، وقسم للفنانين، وآخر للموسيقيين، وثالث للسياسيين
العمارة في هذا المكان ليست زخرفة بل فلسفة، فالشاهد ليس حجراً فوق قبر، بل علامة حياة صاغها الفنّانون كأنهم يكتبون السطر الأخير لمن أحبّوا.
والجمال الحقيقي أنّ المقبرة مفتوحة للهواء والضوء، كأنها متحف لا يحتاج إلى سقف، متحف يترك للسماء وحدها أن تكون القاعة الكبرى.
كنيسة المقبرة… قبّة على شكل حكاية
في منتصف المكان تنتصب كنيسة المقبرة التي تبدو كأنها تسبح فوق محيط من الخضرة
القبة ذات اللون الأزرق المائل إلى الأخضر تذكّر بعمارة الحقبة الانفصالية (الاسلوب الشبابي ) والمعابد التي كانت تبنى لتكون بيتاً لروح المدينة.
السير نحو الكنيسة يشبه السير داخل فيلمٍ صامت، فالأشجار تصطفّ مثل جمهور محترم، والطرق الواسعة تمتدّ أمامك بكرم غير مألوف في مقبرة.
لقاء الموسيقى التي لا تموت
أكبر رهبة شعرت بها كانت عند وقوفي أمام قبور شتراوس بعائلته الموسيقية الكاملة، وبيتهوفن الذي غادر الصمت نحو الخلود، وبرامس وشوبرت.
هنا تتلاشى الحدود بين الحياة والموت
تلمس الرخام فتشعر أن الموسيقى ما زالت تتردّد في داخله، كأنّ كل قبر آلة موسيقية صامتة تنتظر من يوقظها بذاكرة القلب.
وقد تتوقف أمام قبر الفنانة التشكيلية ماريا لاسينغ لتجد شاخصة حداثية لا تشبه سواها، شكلٌ هندسيّ مدهش، كأنّ الفن لم يسمح حتى للموت أن يكون تقليدياً.
أما قبر الموسيقار (أودو يورغن) فتتدلّى عليه أوتار آلة موسيقية من الحجر، كأنّ نغمة بقيت عالقة ولم تجد طريقها إلى الهواء بعد.
حيّ السياسيين… الصمت الرسمي
وعلى الجانب المقابل، يمتدّ قسم السياسيين
لا زخارف كثيرة هنا، ولا موسيقى
شواهد مستقيمة، صارمة، وكأن الذين قادوا الدولة في حياتهم أرادوا أن يقودوها في مماتهم أيضاً
في الساحة الدائرية، حيث يُدفن رؤساء النمسا، تشعر أن الزمن يمشي ببطء أكبر.
هنا يرقد كورت فالدهايم و توماس كليستل وغيرهم، وقد نُقشت أسماؤهم على الأرضيات، كما لو أنّ البلاد تضع توقيعها الأخير على أعظم صفحاتها.
مقبرة تجمع أبناء الديانات… سلام من نوع آخر
من أجمل ما يميز هذه المقبرة أنها تجمع أناساً من كل الديانات
الإسلام حاضر هنا منذ عام 1876، ثم جاء قسمٌ خاص بالمسلمين عام 1970، يتسع اليوم لمئات القبور التي دُفن أصحابها وفق الطقوس الإسلامية، وعلى مقربة منه يقف القسم اليهودي، في مفارقة جميلة تؤكد أن الحياة التي اختلفت كثيراً خارج الأسوار تستطيع أن تتصالح تحت الشجر وفي حضرة التراب.
عربات الخيول… ذاكرة تتحرك على مهل
ولأن فيينا لا تنسى تراثها، ما زالت عربات الخيول تجوب بعض طرقات المقبرة.
هي ليست حاجة للنقل، بل طقس جمالي، إحياء لما كان يحدث زمن القياصرة، حين كان الوداع الأخير يتمّ بوقار يليق باللحظة.
العربة تجرّها الخيول ببطء، كأنها تطوف بالزمن نفسه، وتمنحه فرصة ثانية ليتذكّر.
عند الخروج… حين يعود الصمت إلى داخلك
خرجتُ من البوابة، لكنّ أقدامي ظلّت معلّقة داخل المكان، لم تكن زيارة عابرة، كانت رحلة داخل سؤال كبير، كيف يستطيع الإنسان أن يرحل… ويظلّ حاضراً إلى هذا الحد؟
فيينا، عبر مقبرتها، تقول إنّ الموت ليس نهاية، بل طريقة أخرى للوجود!
وأنّ الذاكرة ليست أرشيفاً… بل وطنٌ صغير يحتفظ بكل من مرّ به!
عند خروجي من المقبرة، أحسست أن قلبي بقي داخل أحد تلك الممرات الخضراء..
كان الصمت فيه يشبه موسيقى لا نسمعها بالأذن، بل بالحياة كلها.
لقد غادرتُ المكان، لكن صوت الموسيقى الذي لم يُعزف بعد، والصمت الذي يتقن صناعة الحضور، والقباب التي تشبه القصص غير المكتملة، ظلّت كلّها ترافقني.
كما لو أن المقبرة كانت مدينةً ثانية لفيينا، مدينة تعيش في الخلفية، وتمنح هذه العاصمة الأوروبية قدراً من النبل والرقيّ لا يظهر إلا لمن يمشي في طرقات الموتى.
ولعلّ هذا هو سرّ الرحلات الحقيقية أن تعود محمّلاً بما لا يمكن وصفه، وأن تحمل معك من الأمكنة ما يبقى طويلاً… أطول حتى من السفر نفسه
ولم أفهم حتى تلك اللحظة لماذا يتحدث الفينناويون عن مقبرتهم بحنينٍ يشبه حنين البحّار إلى البحر، ربما لأنّ المقبرة هنا ليست نهاية، بل مرآة كبيرة تعكس وجه فيينا الحقيقي
مدينة تعرف أن تُكرّم الحياة… حتى في آخر فصولها.
الصور بعدسة الكاتب