ليلة الفلفل في لوغانو - رواية

"لا تصدق حبيب، كم كنت محظوظاً بهذه الساعة التي ملكتني السماء وحدي، شعرت بهذه الفكرة تغزل رأسي وأنا أتأمل السماء بالخارج وأشعر أني مفقود في الكون"

قهقه وأشار بيده لاقترب منه، نزع للحظة سدادة الأوكسجين وسط ذعري لكنه أعادها بسرعة وقال بنبرة لم أتبين مغزى حركته تلك.

"الحياة برمتها في زفرة واحدة فاحرص عليها"

"لا تفعل ذلك مرة أخرى لقد أرعبتني"

ابتسم وقال.

"هل ترى المطر من السماء الآن؟"

"لا"

"ما رأيك أن السماء تمطر الآن والدليل خارطة غوغول إرث، الكون سره كلّما تصعد مسافة للسماء وفيما تتأمله من علوٍ، فكلّما صعدت للأعلى كلّما تراءى جزء من الحقيقة حتى إذا بلغت الثقب الأسود بالكون أدركت لغزه الذي لا يفهمه أولئك الذين يقبعون بالكهوف"

توقفت عند فكرته تلك وسرحت فيها، إذا كان المطر يعزف الآن وجه الأرض أسفلنا فأن سماء صافية تحضننا فأين المفارقة بوجود المطر وعدم وجوده فالحقيقة موجود وغير موجود، هذا ما يريد أن يقوله حبيب.

"لا تتخيل سعادتي بوجودي هنا فوق السماء بل واحتسائي الويسكي في حانة أشبه ما تكون بحانة في فندق خمس نجوم"

"أنت بحانة السماء وهي تتسع لكلّ النجوم"

قضينا ساعة بالحديث حتى حان موعد تقديم وجبة طبية خفيفة، استأذنت منه فيما احتد بجدلٍ مع المضيف المسئول عن مراقبته فقد أصرّ على انتزاع نفسه من الفراش والتوجه للجلوس بمقعد قرب النافذة ورؤية الخارج، كان مصراً على رؤية السماء من النافذة وبعد جدلٍ وإصرار منه مع مساعد الطيار، أقنعه بأنه طبيعي وكان قبل أن يأتي المطار يتحرك بكرسي وبدون أجهزة وغادر الفندق وركب الطائرة فما المانع من دقائق قرب النافذة؟ أبلغه مساعد الطيار أنه بالطائرة تحت عهدتهم وهم مسئولين عن سلامته وبعد رجاء وإصرار رضخ مساعد الطيار لرغبته لدقائق عدة ولكن إحدى المضيفات وهي فيما يبدو إيطالية وعدت بتجهيز مقعد قرب النافذة بالكامل ليقضي وقته المتبقي بالرحلة شرط تناول وجبته ودوائه وهنا انتهت مسرحيته بأن الكلّ بدا سعيداً فيما قهقه منتصراً وقال مخاطباً المضيفة التي ظلّت ابتسامتها تملأ فضاء الطائرة وسط سعادة بقية الركاب.

"أَنْتِ ملاكي الطائر"

أصر على تقبيلها بخدها فانحنت له واحتضنها وقبّلها وقال بنبرةٍ بدت كما لو فاز بجائزة عالمية.

"أنتِ بطلتي"

استلقى بسعادة جنب النافذة ورفع رأسه للأعلى يتنفس ويطلق التنهيدة تلو الأخرى أشبه بمن كسب حرباً عالمية، جَلَسْت على بعدٍ منه أتأمله إلى أن قطعت عَليّ راكبة أجنبية أخذت تخطو بالممر وتحرك ساقيها، اقتربت مني وتأملته مبتسمة ثم التفتت نحوي وهمست وقد تراءى ليّ فضولها يخترق جدار صمت الجميع وانغماسهم بشئونهم. أدركت أن النساء أينما كن وُجِد معهن الفضول، سألتني عن ما يعاني فلم أبح لها واكتفيت بهز رأسي وابتعدت خطوتين، انكفأت تسير وعدت أحدق فيه وقد سرح ببصره كما يبدو لأبعد فضاء، أشار بيده أن أقترب منه، ثم أوعز ليّ الجلوس بالمقعد الذي يجاوره بالممر وقال متحسراً.

"تعرف بودي الجلوس بحانة الطائرة وعند النافذة وتأمل جناحها الهائل وهو يرفرف"

قهقهت وأنا أردد كلّمة يرفرف، رمقني مستنكراً وأردف بثقة المتأكد.

"نعم يرفرف لا تضحك، أذهب وتأمله بدقة فسترى تحركه الطفيف، يبدو ليّ أنك لم تحدّق بجناح طائرة من قبل وإلا رأيته يهتز"

"بلى حبيب رأيته يهتز لا يرفرف، أرجوك لا تذكر ذلك لغيري من الناس فسوف يشككون بكتابتك"

هجر النافذة والتفت نحوي وتفرغ ليَ، رأيت وجهه يشع حيوية وتبدد منه الهزال وبدا متورداً أشبه بمن استعاد صحته الطبيعية، كان مبتهجاً بغريزة وبرزت عيناه متأججتين بوهجٍ أزاح عن صوته الوهن.

"لا يمكن أن يرى كلّ منا ما يراه الآخر وإلا أضحينا قوالب مصبوبة، حتى التماثيل لا تتشابه، حين أرى جناح طائرة يرفرف أنت بدورك تراه يهتز وغيرك يراه يتحرك وفي الأصل هي مرادفات لغوية"

صمت برهة واستطرد

"لغتنا مختلفة عن لغات العالم"

عاد يحدق بالطائرة واستمر بالحديث عن المطر الذي ينهمر الآن ولا نراه وعن الوقت المختلف بديار عن ديار ولكن الزمن هو ذاته وحده الجامع بين الأمكنة، لم أعد أفهم اللغة التي راح يتفوه بها، كانت شبكة معقدة من الأفكار والعبارات والكلّمات المتشابكة الغامضة حتى أدركت أنه يتحدث عن عالم آخر غير الذي نحن فيه إلى أن انتبه لوجودي قربه حينها أشار ليّ بالاقتراب منهُ وجهاً لوجه وكاد يلصق فمه بأذني اليمنى وهمس بصوتٍ غاية بالسرية.

"إذ كانت تشفع ليّ السماء عتيق ولدي منزلة خاصة عندك أستغيث بك بل أتوسل بالذي بيننا تحقق أمنية واحدة لا غير"

أدركت بنظرته وهمسه واستغاثته ما الذي يتوسل؟ نبيذ أو ويسكي أُهرِبهُ له، وهذه جريمة لن تغتفر لو استجبت له، جلست على السطح عند قدميه وما كدت أنطق باسمه حتى بادرني بحنق.

"لا تسمعني محاضرة بالإلتزام وأنا أقضى ساعتي الأخيرة أرجوك جرعة ويسكي بل أكثر من جرعة فهذه رحلتي الأخيرة بالسماء وقطرتي الأخيرة مع تذكرتي الأخيرة التي قطعتها، لذا لا ترشدني فأنا لست طفل ولا مريض ولا مصلي، لن تقتلني هذه الجرعة أرجوك عتيق أكاد أفقد رشدي وأنا أحدق للغيوم تحتي ولا أتذوق كأسي الأخيرة"

"لو كنت مكاني حبيب هل ترتكب هذه الفعلة؟"

"بلى، أحقق أمنية أخيرة لصاحبي وهي أنبل هبة بالكون"

خيم بيننا صمت مطبق دفعني أشك بنظرات المضيفين والركاب حتى قبل أن أرتكب الجريمة كما لو كشفتني نظراتي وسماتي التي لوّنت وجهي كما تخيلت وفضحت ما يدور بيننا، أوشكت على الانسحاب فأمسك بيدي وقال بنبرةٍ استرحام.

"لو هربت الآن فلن يغفر لك موتي وأنا أستجدي آخر أمنية بحياتي"

"لن تموت حبيب سنعود للديار وسترى عائلتك وسوف تعيش، فالكثير ممن أصيبوا بالمرض في السنوات الأخيرة عادوا للحياة"

"أَنْتَ لا تفهم، أنا وحدي من يقرر"

"أَنتَ لست الله"

"عدنا للوراء قرون عتيق لقد كسبت معركتي مع الله منذ عقود ولا جدوى لتذكيري، أما أن تلبي رغبتي أو تغادر عن وجهي الآن"

ابتعدت لأدعه يستريح إذ بدا مثقلاً بغضبٍ أخشى أن يقوده ليكفر بيّ وينقض ما بيننا لمجرّد جرعة خمر، أشعر بصدقٍ حاجته لها، لكني أقف خائفاً لأول مرة يكتنفني شعور بذنب من يرتكب جريمة ويخشى العقاب، قلبت الفكرة برأسي، من أي جهة العقاب؟ هو الآن بمفترق طريق مستلقٍ أمام نافذة السماء يتلو على نفسه آيات غريبة كتبها لذاته وآمن فيها واستقر بعينيه نحو فضاء شاسع يتأمل العالم وكأنه يودعه من نافذة طائرة محلقة بسماء وتهفو روحه لجرعة خمرٍ كأنها القطرة الأخيرة فيما أبخل بها عليه، من منا الآن يستحق العقاب؟ ليس بالحياة عدالة إذا لم تُقْلب الموازين، هكذا بدأت أفكر منذ اللحظة التي فتحت قلبي وعقلي للرجل الذي وهبني معاني الإنسانية فيما أبخل عليه برشوة جميلة تستحق هذا العناء. بدأت أفكر فيه بهذه الدقيقة وكيف يشعر وروحه تهفو لقطرة خمر بينما جسده يكتظ بسوائل وأقراص عدة تبقيه يتنفس، ماذا لو أمسك بيّ أحدهم وأنا أسرب له جرعات الخمر؟ أي عارٍ سيلحق بيّ وأحمله معي وأي وجه أنزل به من الطائرة؟ أفرغت الأفكار المشوشة من رأسي وأنا بطرف المقاعد الفارغة أتأمل، توجهت للحمام بعدها وغسلت وجهي الناعس، تبولت وتذكرت معضلة حبيب مع البول وإصراره على الحمام كلّ ساعة بالوقت الذي ُرتب له مبولة خاصة لا تكلّفه حرج ولكنه بكرامته وكبريائه مع عناده ألح على حمام الطائرة، خرجت من الحمام وتوجهت للحانة بالخلف وهناك وقفت أتأمل قوارير الشراب المختلفة، رحت أحدق بالويسكي بكلّ أنواعه والنبيذ والشمبانيا والفودكا، كلّ الأصناف التي لم أكن أعرفها أو سمعت بها قبل هذه الرحلة لأقارن بين ما متاح ليّ احتساؤه بهذه الدقيقة من كلّ هذه الأطياف والحاجز  الفاصل لرغبة وشغف صاحبي هناك فوق الغيوم، المكان الخيالي للاحتساء وقد حُرِم منه.

لا أعرف لماذا تجرأت فجأة ودون تروي قصدت الحانة وانتصبت بثقة مطلقة أمام مضيفة نحيفة ذات بشرة برونزية وعينين سوداوين لأطلب منها زجاجتي ويسكي من الحجم الصغير، بحثت حولها أسفل الحانة لكنها لم تجد سوى قوارير الفودكا، ترددت بأخذها لعلمي بأن حبيب لا يطيق الفودكا رغم طلبه لها مرة أو مرتين، طلبت كأس ويسكي ثقيل وانزويت عند الكنبة المحاذية للنافذة واحتسيت جرعة قوية كاد يتفتق منها صدري، شعرت بلهيب سري بالمريء وحرقة بالمعدة، دار رأسي وهدأ توتري ولفّني إحساس بالاسترخاء، حينها أدركت مفعول الخمر وحاجة حبيب لسعيره ولعله بحاجة له أكثر من أي راكب آخر بهذه الطائرة العملاقة في هذه اللحظة بالذات، رحت أحدق بالخارج، كانت الغيوم أسلفنا والليل بدأ بعد ساعاتٍ من الطيران، وبقلبي وعقلي صراعٌ تجاه المريض الذي تهفو روحه للتحليق ككلّ الركاب الذين اختزلوا استرخائهم بكؤوس الخمر. كان أغلب الركاب رجالاً ونساء بدرجة رجال الأعمال قد غطوا بسباتٍ وسط ضوء المكان الذي اكتسى بالهدوء والعتمة، قلة منهم تسمروا أمام شاشات التلفاز لمحتهم لدى عبوري الممر من الدرجة الأولى باتجاه الحانة وقد تملكني شعور بالاسترخاء والنعاس مبعثه هؤلاء المستلقين المسترخين بسكينة في طقسٍ هادئ مع ضوء شحيح.

إذا كان القدر قد رسم شيئاً غامضاً بالأفق فإشارته تلوح من حيث لا تتوقع هكذا باغتتني المضيفة بعد دقائق من اعتذارها عن وجود قوارير ويسكي صغيرة إذ فاجأتني بثلاث قوارير وكأن إرادة السماء بهذه الساعة استجابت لحبيب، كلّ شيء بالكون تراءى ليّ الآن أن وراءهُ سبب، فرغم إصراري بعدم الرضوخ له وقد اكتفيت بطلب القوارير لمجرّد التكهن مع قرار من دون أن يكون حسماً، ومع تعذر الحصول على الطلب بداية الأمر اعتقدت أن هذه إرادة قدرية ألا يحصل عليها، وأخيراً وصلت ثلاث قوارير بين يديّ، أليس بذلك إشارة أن أذعن له؟ خبئت القوارير الثلاث وجلست أفكر بالزمن المتبقي على الرحلة إلى دبي ومنها للبحرين وماذا لو شكّوا بالأمر خلال انتقاله من هذه الطائرة إلى الأخرى المغادرة للديار؟ هل يستحق الأمر المجازفة؟ وبينما كنت منغمساً بالأفكار إذ بأحد الركاب يجلس قربي بطرف الكنبة وبيده كأسه وبيده الأخرى شطيرة راح يقضمها، استفزني بنزقه وقد ترك كلّ المقاعد الفارغة حوله ولصق فيّ سعلت بوجهه عمداً ثم انتصبت وسط دهشته من حركتي، تركته بعد أن خلفت كأسي ورائي وبداخلي صراع بين أن أذعن لصاحبي لأشفي غليله وبين الإمتناع وأكسر بخاطره وهو بهذه الحالة وفي هذا الطقس الذي أعرف مغزاه عنده لشدة ولهه بالسماء والتحليق واحتساء الكحول فوق الغيوم، فالرحلة عادة جوهرها هذا الطقس، وقد صَعَب عَلىّ حسم قراري نحوه بالخضوع أو مقاومة رغبته الشغفة بما يترتب على كلّا الأمرين من تأثير على مشاعره وصحته وحالته بمجملها، كنت بوضعٍ عصيب، متردداً بين مشاعر متطرفة متشنجة تتقاطع فيها الجنة والنار، الشياطين والملائكة، والموت والحياة، مقبرة ومسجد وحانة، صلاة ونبيذ، حديقة من المصائر المتباينة كلّها احتشدت بداخلي فلم أعد أميز بهذه الدقيقة ما بين الصواب والخطأ، تدفقت كلّ حشود الشر والخير بهذه الطائرة التي تحملنا فوق السحاب، تجاهلت أفكار سوداوية طفت برأسي تنذرني بأني في السماء وقريب من الكبير وحذار التظلّيل وأنا بقربه، لذا حزمت أمري لمواجهته وبجيب معطفي ثلاث جرعات قوية سأترك مصيري معها تحدده مشاعري وردود فعله معي، أيهما سيأخذني صوبه حبيب أم الكبير؟ سأترك مصيري معلقاً بين السماء والأرض والمجهول