مقدمة
يعد قسطا بن لوقا من أبرز فلاسفة ومترجمي العصر العباسي، وقد أسهم بدور مهم في نقل التراث الفلسفي اليوناني إلى العربية، كما ترك عددًا من الآراء الفلسفية التي تعكس شخصيته الفكرية وتميزه عن غيره من فلاسفة عصره.
حياة قسطا بن لوقا
قسطا بن لوقا فيلسوف ولد في بعلبك عام 820م. قضى مرحلة الطفولة فيها، ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد، ودرس فيها علومًا مختلفة حتى أصبح ماهرًا في علم العدد والهندسة والفلك والمنطق والعلوم الطبيعية. وكان معاصرًا لفيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكندي وثابت بن قرة، ويُرجح أنه خلال إقامته ببغداد التقى بهما، وشجعاه على ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية.
وكان يسافر إلى مختلف البلدان، مثل أنطاكية والقسطنطينية، للحصول على الكتب اليونانية وترجمتها إلى العربية، كما كان يجيد اللغتين اليونانية والسريانية. وخلال إقامته ببغداد طلب منه ملك أرمينية الإقامة معه، فذهب إلى أرمينية وأقام بها حتى توفي سنة 912م، وقيل سنة 922م. ووفقًا لما أوردته دراسة عباس فضل حسين المسعودي، بُني على قبره قبة شبيهة بقبور الملوك ورؤساء الكنيسة
ماذا قال علماء التراجم عن قسطا بن لوقا؟
قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»:
««وكان حسن العبارة، جيد القريحة.»»
وقال عنه ابن النديم في كتاب «الفهرست»:
««أن قسطا كان بارعًا في علوم كثيرة، منها الطب والفلسفة والهندسة والأعداد والموسيقى، لا مطعن عليه، فصيحًا في اللغة اليونانية، جيد العبارة بالعربية، وتوفي بأرمينية عند بعض ملوكها.»»
وقال عنه جمال الدين القفطي في كتاب «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»:
««قسطا بن لوقا البعلبكي، فيلسوف شامي نصراني في الملة الإسلامية.»»
إسهامات وآراء قسطا بن لوقا الفلسفية
مما يدل على المكانة الفلسفية لقسطا بن لوقا أن صاعد الأندلسي عده أحد الأعلام الثلاثة في الفلسفة، إلى جانب حنين بن إسحاق ويعقوب بن إسحاق الكندي.
وقام قسطا بن لوقا بترجمة النصف الأول من كتاب «الطبيعة» لأرسطو طاليس، وتضمنت ترجمته تعاليم فلسفية، ثم أكمل النصف الثاني لاحقًا ابن ناعمة الحمصي. كما ترجم كتاب «الآراء في الطبيعة»، وهو عبارة عن خمس مقالات للفيلسوف اليوناني فلوطرخس. وله أيضًا رسائل في الميتافيزيقا، ورسالة مهمة في علم الأخلاق، إلا أن معظم مؤلفاته لم تصل إلينا، ومن أشهر ما بقي منها كتاب «التفرقة بين النفس والروح».
وتعد التفرقة بين النفس والروح محورًا أساسيًا في فلسفته؛ إذ يرى أن النفس هي مبدأ أو علة لكل ما يتعلق بالجسد، وكأنها المدبر لشؤونه، أما الروح فهي أرقى من النفس، إذ تتعلق بالأمور العقلية والعقل، وهي مبدأ الاتصال بالعالم المفارق أو عالم المثل. كما يرى أن الروح باقية، بينما تفنى النفس بزوال الجسد.
ويبدو – في تقديري – أن قسطا بن لوقا قد تأثر بعدة عوامل في بناء هذه النظرية، وفي مقدمتها الفلسفتان الأفلاطونية والأرسطية. فهو يتفق مع أفلاطون في القول ببقاء الروح، كما يتفق معه – إلى حد ما – في علاقة الروح بالعالم المفارق أو عالم المثل. أما في تعريفه للنفس، فيبدو متأثرًا بصورة غير مباشرة بأرسطو طاليس، لكنه يخالفه في مسألة النفس العاقلة؛ فأرسطو يجعل الإدراك العقلي من وظائف النفس العاقلة، وهي قسم من أقسام النفس، وليست كيانًا مستقلًا، بينما يميز قسطا بن لوقا بين النفس والروح، ويجعل الروح كيانًا مستقلًا مسؤولًا عن الأمور العقلية، وهو ما يمثل أحد أبرز جوانب التميز في فلسفته.
خاتمة
يمثل قسطا بن لوقا أحد أعلام الفلسفة والترجمة في الحضارة الإسلامية، وقد أسهم في نقل التراث اليوناني وتطوير بعض قضاياه الفلسفية، ولا سيما في تناوله لمسألة النفس والروح، مما جعله يحتل مكانة بارزة في تاريخ الفكر الإسلامي.
المصادر
1. ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء.
2. ابن النديم، الفهرست.
3. جمال الدين القفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء.
4. عباس فضل حسين المسعودي، قسطا بن لوقا ودوره في الحضارة العربية الإسلامية، مجلة العلوم الإنسانية والحضارة.
5. يوسف حسين، قسطا بن لوقا: الفرق بين النفس والروح، قناة يوسف حسين على يوتيوب.
6. قسطا بن لوقا، الحواس والطبائع، منشور على منصة Academia.edu.
7. د. يوسف كرم، قصة الفلسفة