قراءة فى رواية ليلة صنع الله للكاتب فؤاد مرسى
بمطالعة عنوان الرواية أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ هو الكاتب صنع الله إبراهيم*، وبالمضى قُدمًا فى القراءة يتبين له بصفحة 117 بالثلث الأخيرمن الرواية أن صنع الله هى شخصية نسائية واسمها صنع الله رضا الهادى وتربطها علاقة حب قديمة بوجيه صديق السارد ، والرواية قصيرة من نوع النوفيلا .
تتصدر الرواية عبارة لإدريس شاه أحد المتصوفة"إذا كان للسفن أو للسباحة أى جدوى. فلتتفضلوا ىبتمكيننا من رؤية السفن التى قامت بالرحلة، أو السباحين الذين رجعوا إلى بلادهم!". وهى عبارة كافكاوية يائسة وقد تشير إلى فشل ثورة 25 يناير 2011 .
قام البناء الروائى على على ثلاثة خطوط سردية متداخلة : الخط الأول ويشغل أكثر من ثلثى الرواية ويتناول رحلة السارد إلى (هناك) ويقصد بها ميدان التحرير منذ خروجه من بيته ومارافقها من أحداث والتى لم يصل إليه تارة بسبب نفاد وقود سيارة الأجرة الجماعية وتعطلها عشرة أيام أمام قرية كأنها خارج البلاد، وتارة أخرى بسبب انقلابها بالطريق الصحراوى ونقله إلى المستشفى ودخوله غرفة العناية المركزة حيث أصيب بجلطة بالشريان التاجى، وبها يسترجع تفاصيل حياته السابقة من خلال رسالة إلى صديقه طلبة ص72 تستغرق عدة صفحات يسترجع حياته مع أبيه وأمه، كما يسترجع صوت ابنة صاحب البيت "وهى تقول بلهفة مالك يا أستاذ عبد المجيد..فينك من ساعة ما الحاجة والحاج ماتوا وسبتوا الشقة..دانتوا وحشتونا قوى"81، ولأول مرة نعرف أن اسمه عبد المجيد، الخط الثانى قصة الشاب الذى جلس بجواره بالسيارة الأجرة المتوجهة إلى ميدان التحرير، ولمح أنه يحمل مخطط رواية بعنوان ليلة صنع الله وهونفس عنوان الرواية الأساس وتتداخل الروايتين وتكمل بعضها بعضًا وتفسر ملخص رواية الشاب بنهاية الرواية ما جاء فى الرواية الأساس لتحكى قصة واحدة عن عبد المجيد رسلان وهو ذات الاسم الذى نادته به ابنة صاحب البيت ، (وهى من المناطق الغامضة والملغزة فى الرواية )، وتنتهى الرواية بانتحارالشاب بإلقاء نفسه تحت عجلات قطار، وقد يرمز انتحارالشاب والذى يتماهى مع السارد ويكون الوجه الآخر له إلى فشل الثورة وتتلاقى النهاية دائريا مع التصدير فى بداية الرواية، أما الخط الثالث فهو استعادة علاقة السارد بصديقه وجيه بعد انتهاء مدة عقده بالخارج وعودته إلى عمله بمصرويتخللها قصة حب صديقه بالفتاة صنع الله رضا الهادى ورسائلها الستة إليه والتى لم تكلل بالنجاح وشغل هذا الخط أقل من ثلث الرواية.
اللغة والحوار:
كانت اللغة بالرواية بالعربية الفصحى البسيطة وتميل إلى اللغة الإخبارية ، أما الرسائل فقد اتسمت بلغة أدبية ففى رسالة السارد إلى صديقه طلبة "روحى الآن تشبه طائرة ورقية محلقة فى فضاء صيفى..تسكن حينًا، فتتجلى ألوانها وهندسة تكوينها التى صنعتها على عينى، وحين تنشط الرياح فتكنس كل ماحولى، وأبقى مترنحًا مثل مخمور"ص72، كذلك رسائل الفتاة صنع الله إلى وجيه صديق السارد تحمل عبق الرومانتيكية وبلغة أدبية أقرب إلى اللغة الشعرية مثل ما جاء بالرسالة الخامسة "فرسائلى للشمس تُرد دون أن تُمس، كما قال شاعرك أمل دنقل" وفى الرسالة السادسة "هل تذكر تلك الفتاة فى تاييرها المشجرن الفتاة التى كانت ترتجف من شدة البرد وتحتمى بمظلة دكان سكندرى من الامطار التى تهطل بغزارة وبللت ملابسها وأنت تمد يدك فى الفضاء لتلتقط حبات المطر وتلعقها بنشوة، الفتاة التى حين فعلت مثلك داهمها الدفء"ص105.
أما الحوار فقد كان مزيجا من العامية والفصحى وكان يتناسب مع صوت الشخصية ومع السياق ومن التعبير بالعامية من أحد المجموعات المنتشرة فى الشوارع والتى كانت تحمل عصيا وسيوفا بعد انسحاب الشرطة إبان الثورة وتشيرلغتهم وهيأتهم إلى التدنى الثقافى
-"أحمدوا ربنا إننا ماخدناش السواق وسبناكم مرميين فى قلب الصحراء"ص23 كذلك كان الحواربالعامية مع رجل كان يحمل طفلته الصغيرة بميدان التحرير فيقول "أعمل إيه مصرة تيجى معايا تشوف النور"، وكان بالفصحى مع وجيه والموظفين:- حضرتك ناوى تنزل معاهم.
- بعد مواعيد العمل إن شاء الله.
السرد : اتسم السرد بالمشهدية والإيجاز والتكثيف، وتنقل السرد بين عدة ضمائر أكثرها ضميرالغائب العليم ثم يأتى بعدها ضمير المتكلم المفرد ثم الجمع مانحًا بعض الشخصيات مساحات لتعبر عن نفسها بأصواتها مثل ماجاء فى الحوار السابق، بدأت الرواية بضميرالغائب العليم "ملهوفا، خرج إلى الشارع يبحث عن علبة سجائر بلومنت..." ثم بضمير المتكلم المفرد والجمع"دخلتُ القرية فاكتشفتُ أننى فى زمن آخر..."ص29 ، كما احتوى السرد على بنية الرسائل بين السارد وصديقه وجيه،ثم رسائل الفتاة صنع الله إلى وجيه صديق الراوى وهى ست رسائل مرقمة من 1 إلى 6 من ص99 إلى ص105.
الوصف :
أجاد الكاتب الوصف فى كثير من مواضع الرواية ومن أوصافه البديعة لتجمعات الناس بميدان التحرير"نقلوا له إحساسًا بأن الناس جعلوا من المكان كعبة لهم "ص39 ، وتكرر نفس التشبيه بصفحة 71 "تكدس المكان وصار أشبه بالكعبة صبيحة العاشر من ذى الحجة" ويحمل التشبيه معنى القداسة ، كذلك تشبيه تجمع الناس بحلقات الذكر"الدوائر تشبه حلقات ذكر تنادى المتعبين"ص70 كذلك الألحاح على صفة النور للثورة مثل حضور والد طفلة وهو يحملها فوق كتفه قائلا "أعمل إيه مصرة تيجى معايا تشوف النور" ومثل "انظرى إلى الساحة وأنت تتأكدين أن النور سيصيب الجميع"ص71 ، دخلت المكان فرأيت النور"ص95 ، كذلك وصف جمال ابنة كوستا جارته اليونانية"التى لم ينجُ من حبها واحد من شباب المدينة فى سبعينيات القرن الفائت ولم يفز بها أحد أيضا، تزوجت فى اليونان وأنجبت بنتا جميلة تشبهها"ص87 وهو وصف لافت على قصره .
النزعة الروحية بالرواية :
كان بالرواية نزعة روحية لافتة مثل طلب السائق قراءة الفاتحة وهو يدير محرك السيارة ، وضع السائق شريط قرآن فى المسجل (رغم أنه سلوك أقرب إلى العادة)، ومثل اكتشاف الأهالى جمال صوت السارد " فنصبونى مؤذنًا لزاوية صلاتهم"ص23، بالإضافة إلى التشبيهات السابق ذكرها الكعبة والنور والدراويش بحلقات الذكر، كذلك وصف صوت الشيخ محمد رفعت فى عبارة من أعذب وارق العبارات الروحية"صوت الشيخ رفعت المنساب من إذاعة القرآن الكريم يحلق فى سموات شفيفة إلى مناطق أبعد من الإدراك"ص71 ، وكذلك التناص فى عبارة "اختلط أوراقه بدرجة يصعب معها استبيان الخيط الأبيض من الخيط الاسود من الفجر"ص73 وهو تناص مع الآية القرآنية"وكلو وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" 187 سورة البقرة.
كذلك حفلت الرواية بالتراث الشعبى مثل ما جاء فى البحث عن كنز مدفون :زئبق احمر أو قطع اثرية أسفل القرية التى توقف عندها السارد والاستعانة بساحر فى الكشف عنه، واسترضاء واستئذان الجان الذى يحرسه قبل البحث عن طريق وضع طبق عسل أسود مملوء حتى آخره فإن نقص يعنى المكان مكنوز وأن حراس المكان قبلوا قربانهم .
التعبير بالدلالات الرمزية :
كان التعبير بالدلالات الرمزية هى السمة الأبرز فى الرواية فلم يصرح الكاتب بمسميات الأشياء بل عبر عنها بدلالات رامزة مثل اختفاء علبة السجائر البلمونت ووجود السجائر الأجبنبية دلالة رامزة على مرحلة الانفتاح الاقتصادى والتى تشير إلى فترة زمنية عقب حرب 1973 فى عصر السادات وعلبة البلمونت دلالة رامزة أيضا على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ومثل التعبير بكلمة (هناك) يشير بها إلى ميدان التحرير، ولم يذكر كلمة ثورة على طول الرواية بل من خلال الدلالات الرامزة مثل الحشود وغيرها، كذلك عبر عن لحظة تخلى الرئيس حسنى مبارك عن الحكم بالبيان المهم بالإذاعة ثم فرحة الناس وصراخهم وعناقهم وسجود السائق على الارض وهو يبكى بهستيرية وهو يردد الحمد لله، كما كانت الشخصيات اليونانية وهجرتها إلى اليونان من الدلالات الرامزة إلى الفترة الناصرية فى مصر.
جاءت عبارة عن الوعى بصفحة 75 وهى من الرسائل المضمرة للكاتب "إنه الوعى ..لم يفارقنى لحظة من عمرى، هو الشئ الوحيد الذى أراهن وأدلل به على وجودى وأختبره، لا شك كنت أفاخر به وأتباهى، لكنه الآن يبدو عبئا ثقيلا وأسعى للتخلص منه"ص75 .
بداية الرواية ونهايتها :
اتسمت بداية الرواية بالدخول فى الحدث مباشرة دون مقدمات وبإيقاع سريع"ملهوفا، خرج إلى الشوارع يبحث عن علبة سجائر بلمونت ..."ص7 وانتهت الرواية بنهاية دراماتيكية حزينة وهى انتحار الشاب "صحف الغد المرصوصة على الرصيف تحمل خبر انتحار شاب ..ألقى بنفسه تحت عجلات قطار، وكان بحوزته حافظة بلاستيكية فارغة مكتوب علي غلافها"مخطوط رواية ليلة صنع الله"ص117 وهى نهاية رمزية واضحة إلى فشل ثورة 25 يناير فى تحقيق أمال الشعب واكتمال دائرة التصدير الذى جاء بمقدمة الرواية على لسان إدريس شاه .
هوامش : * قررالكاتب الأستاذ فؤاد مرسى بندوة مناقشة الرواية بملتقى المستقبل للفكر والإبداع أن رواية ليلة صنع الله هى فى البداية كانت عن الكاتب الروائى صنع الله إبراهيم ومستوحاة من ليلة رفضه تسلم جائزة الرواية العربية عام 2003 احتجاجا على سياسة الحكومة المصرية، ولكن الرواية لم تطاوعه فى هذا المنحى فقرر تغييرشخصية صنع الله إبراهيم الكاتب إلى شخصية فتاة اسمها صنع الله رضا الهادى والتى ذكرت فى ص98 من الفقرة "تمددت على بابا الخيمة...فوجدتها "صنع الله رضا الهادى" وهى أول مرة يذكر اسمها فى الرواية، وربما هذا يفسرالشخصية الشبحية لهذه الفتاة وأنها جاءت فى الثلث الأخير من الرواية ودون تأثير كبير فى أحداثها رغم أن الرواية تحمل اسمها.