في أول مقابلة لي مع الأستاذ صلاح عيسى، بمكتبه في الزمالك، بدأتُ باعتذار عن أنني جئتُ بدون موعد مُسبق، فردَّ بكلمات قليلة، مرحباً بزيارتي، في أي وقت. وكنت أرتب سفري للقاهرة في يوم الأحد، لأنه أول أيام الأسبوع، لأضمن تواجد من أسعى لمقابلتهم في الإدارات التي أتعامل معها، ولم أكن أعلم أن يوم الأحد هو يوم الإعداد النهائي للصحيفة، ولم يُشر هو إلى ذلك، بل إنه كان حريصاً دائماً على أن يبدو مقبلاً على الحديث معي.
وكنت أنشر من حين لآخر صوراً قلمية لشخصيات عرفتها أو عايشتها، في باب رائع من أبواب الصحيفة، عنوانه (وجوه وملامح)، فتراكم لديَّ عدد كبير من هذه الصور، فكرتُ في إعدادها في كتاب أقدمه لسلسلة (إقرأ) – دار المعارف؛ فحملتُ مخطوط الكتاب وذهبتُ إليه أستأذنه في ذلك، خاصةً وأن الكتاب كان له نفس عنوان الباب الذي كان يظهر في (القاهرة) كل أسبوع تقريباً؛ وكنت قد أشرت إلى ذلك في مقدمة الكتاب. ومددتُ له يدي بالمخطوط، فاكتفى بإلقاء نظرة سريعة، وأعاده إليَّ وهو يحيي فكرة الكتاب، الذي سيؤكد قيمة زاوية (وجوه وملامح) ونجاحها. والحقيقة هي أنني مدين للأستاذ صلاح عيسى بفضل تقديمي للحياة الثقافية من خلال صفحات (القاهرة)، فقد ظللتُ لسنوات طويلة أنشر خارج مصر، بغير أثر ملموس، في حين أتاحت لي (القاهرة) دائرة تفاعلية أوسع.
وكنت من ناحيتي أسعد بلقاء الأستاذ صلاح عيسى، فهو أول رئيس تحرير أتفاعل معه وجهاً لوجه، إذ كانت علاقتي بالدوريات التي نشرتُ فيها مقالاتي وقصصي (بريدية) – سواء بريد ورقي أو إليكتروني – ولم يتيسر لي، ولم أسع إلى، أن أقابل أياً من المسئولين عن النشر في الصحف والمجلات. ولم أحاول أن أثقل عليه بحوارات تستهلك وقتاً طويلاً، في زيارات الأحد الصباحية، بالرغم من أنني كنت أريد أن أسأله، مثلاً، عن تجربته في كتابة القصة القصيرة، وقد قرأت له عدداً قليلاً منها، وأعتقد أنه كان يمارس كتابتها خلال (أزمنة الاعتقال) التي عاشها في أواسط عمره، إبَّان سنوات اضطراب وتشوش علاقة الحكم الناصري بالماركسيين المصريين. وكنت سعيداً بأنه – مثلي – بدأ كاتباً للقصة القصيرة. وربما أكون قد أبديت أمامه إشارة بسيطة إلى اعتقادي بأن (مشروعه) لكتابة تاريخ مصر الحديث لم يكتمل، ومن المهم أن يكتمل، فله مذاقه الخاص، وكان رده بكلمات تعني أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
لقد كان يمكن لصلاح عيسى، على نحو ما يدعي بعض من يتاجرون بمقولات الإخلاص لأفكار (تقدمية)، أن يتباعد عن الساحة، تاركاً المجال لنباتات برية طفيلية إنتشرت هنا وهناك، لكنه إختار أن يكون مشاركاً إيجابياً في أحداث زمن مغاير لزمن تشكل فيه عقائدياً، وأحداث وطن يوشك على أن تتقطع أوصاله. ثم إنه لم يتنكر لأفكار كلفته رهقاً شديداً في زمن مضى، وليس أدل على ذلك من تأسيسه لصحيفة ثقافية أسبوعية، تمكن من أن يستقطب للكتابة فيها أقلاماً جادة، وكان لها إسهامها الفعلي في تحريك مياه أسنت وهواء ركد.