من كتاب " استلاب الحرية باسم الدين والأخلاق " 2009

شهادة ميلاد يكتبها الأموات

قبل عدة سنوات ، أثير الكثير من الجدل ، حول قضية نقل الأعضاء من الموتى ، وزراعتها للمرضى الذين هم في حاجة الى هذه الأعضاء ، كي يتماثلوا للشفاء من أمراضهم المزمنة.
ودار النقاش والجدل بين مؤيد ومعارض، وكل من الطرفين كان يسوق حججه. فالمؤيد يرى أن هذه هي الوسيلة الطبية الوحيدة –المتاحة حالياً – التي يمكن أن تنقذ إنساناً من الموت المحقق ، وأن هذه اللأعضاء لن تؤخذ إلا إذا تحقق الأطباء ، أن المريض الذي سيتبرع بهذه الأعضاء قد فارق الحياة ومات موتاً محققاً ، وذلك يتم عن طريق التأكيد من موت جذع المخ.
أما المعارض ، فهو من أنصار أن للأموات حرمة ، ويجب عدم العبث والمساس بجسد الميت ، لأي سبب من الأسباب، بالإضافة إلى التشكك في مفهوم الموت.
دار هذا الجدل منذ عدة سنوات ، وكأننا في مصر نعيش في جزيرة منعزلة عن كثير من دول العالم المتقدم، الذي حسم النقاش منذ عدة عقود. وكعادتنا نبدأ في إثار القضايا متأخراً ، ويطول النقاش . وبعد أن ينهكنا الجدل العقيم ، نستسلم للأمر الواقع، ونهدأ. ثم نرتدي أقنعة النسيان، بعد أن يكون كل خصم قد أنهك الآخر. فيصاب حزب الحياة باليأس والإحباط، ويركن حزب الموت إلى عبادة الواقع ، كما هو دون تغيير.
ومع زيادة أعداد المرضى بالفشل الكلوي ، وإنتشار فيروسات الكبد، التي تفترس أكباد المصريين والمصريات، وأمراض فتاكة أخرى ، قامت الأصوات من رقادها لإثارة القضية من جديد.
ففي الأيام القليلة الماضية، قد لاحظت أن هناك طرقاً ملحة على قضية زراعة الأعضاء.
لقد أصبح المرضى الذين هم بحاجة الى هذه العملية ، مادة وسلعة للإتجار في الداخل والخارج .  فمنذ عدة أيام فقد كل من أب مريض وابنه الذي تبرع له بجزء من كبده حياتهما، على يد طبيب أوعز لأهل المريض ، أن من سيقوم بهذه العملية فريق من الأطباء وعلى رأسهم أحد الأطباء من اليابان. وفوجئ الأهل أن الطبيب الياباني لم يحضر. وقام الطبيب المصري بهذه العملية. مات كل من الأب وابنه بعد ان تكلف أهل المريض 150ألف جنيه، بالإضافة الى 50 ألفا أخرى قيمة التحاليل اللازمة لإجراء هذه العملية. هذه حالة من بين حالات كثيرة متشابهة ، قد يعلن عنها ، وقد تخفى .
ومن أجل الفرار من الموت المحقق، وصعوبة الحصول على كلية أو جزء من الكبد أو كبد كامل ، ممن فارقوا الحياة لأسباب عدة، يسافر الكثير من المرضى المصريين إلى الصين ، ويتكلفون مبالغ طائلة، قد تصل إلى الملايين من الجنيهات. والبعض منهم قد يعود من هذه الرحلة في تابوت خشبي ، نتيجة العشوائية والخطوات التي تؤدي حتماً إلى هذا المصير. يحدث هذا ، على الرغم من أن هذه العملية تجرى في مصر ، على أيدي فريق متمرس من الأطباء ، وبدرجة عالية من النجاح وبتكلفة أقل.
ماذا ننتظر من أجل استصدار قانون بنقل الأعضاء من الموتى؟ . إن عدم صدور هذا القانون ، قد أدى إلى كثير من السلبيات. فهناك الإتجار بالأعضاء إذا لم يجد المريض متبرعاً من الأقارب. ونتيجة الفقر المدقع الذي يعيشه الكثير من المصريين، يلجأ البعض منهم إلى بيع إحدى كليتيه، أو جزء من كبده ، لكي يحصل على مبلغ من المال يتعيش منه وينفق منه على أولاده لفترة من الوقت.
لقد وقع المواطن المصري الفقير ، فريسة لسماسرة الإتجار بالأعضاء. ونتيجة ذلك ، قد يفقد حياته بسبب هذه المجازفة ، وخاصة أن هذه العمليات تجري بسرية تامة. ثم ينقل المريض والمتبرع إلى شقة غير مكتملة الإعداد من الناحية الطبية، فيكون الموت لأحدهما أو كليهما.
مازلت أذكر ما قرأته عن أحد المصريين ، الذين هزمتهم معركة الحصول على لقمة العيش ، ولجأ إلى إحدى الصحف ليعرض أعضاؤه للبيع لمنْ يدفع الثمن. حتى لو كان هذا الثمن متواضعاً وبخساً.
ماذا ننتظر حتى يصدر هذا القانون؟ . هل ننتظر حتى يهلك الكثير من المرضى، فيموتون ويفقدون حياتهم بسبب التباطؤ والجدل العقيم في استصدار هذا القانون؟ . وخاصة  فى حالة المرضى الفقراء الذي لا يملكون الا قوت يومهم ، ويستحيل عليهم تحمل مصروفات الدواء والتحاليل المستمرة ، والغسيل الكلوي، والتي قد تضطرهم في نهاية الأمر إلى بيع ما يملكون ، إن كان لديهم ما يبيعونه أصلاً!.
ماذا يمنع صدور هذا القانون؟ . هل هو الخوف من استخدام الناس وخاصة الفقراء منهم، كقطع غيار بشرية ليستفيد من أعضائهم منْ يمتلكون المال؟ . هل الخوف يرجع إلى التجاوزات الطبية وسرقة عضو من أعضاء مريض ن أثناء خضوعه لعملية جراحية بسيطة. هل المانع ديني؟ .
لقد سبقتنا دول كثير في مجال زراعة الأعضاء ، ولا توجد لديها هذه المخاوف. وذلك بسبب الآلية شديدة الدقة والضوابط المحكمة من التنظيم والتخطيط لكل صغيرة وكبيرة، وسن العقوبات الرادعة إذا حدثت بعض التجاوزات. هل سنعجز في مصر عن أن نحذو حذو هذه الدول؟.
أما المانع الديني، فقد صدرت فتوى مؤخراً بجوار نقل الأعضاء من الموتى . لكن القانون لم يصدر بعد .
وبالرغم مما يردده كثير من المتخصصين في مجال علم النفس، والإجتماع ، عن ضرورة تهيئة الناس لتقبل عملية نقل الأعضاء من الموتى، وبالرغم من أن الدين له مكانة خاصة عند المصريين، ومن ثم التعويل على أهمية المدخل الديني لقبول بعض الأفكار والممارسات المعاصرة، إلا أنني لا أفضل اللجوء لهذه الطريقة من الإقناع. بل أفضل عليها مخاطبة العقول بمنطق المنفعة بدلا منها، والتي ستؤدي نفس الغرض "منطق المصلحة"، إذا كانت كلمة المنفعة تثير عند البعض إيحاءات سلبية. ودليلي على ذلك أن قضية تنظيم النسل في مصر، لم يؤثر المدخل الديني في إقناع الناس. بل منطق المصلحة هو الذي كان مؤثراً عن الكثيرين. فالضائقة الإقتصادية وصعوبة الإنفاق على أسرة كبيرة العدد، جعل الكثير من الناس، يفضلون الأسرة قليلة العدد، التي تضم اثنين من الأبناء أو ثلاثة على الأكثر ، وهذا أيضا قد يشكل عبثاً كبيرا عليهم . وأيضا فإن منْ يقلع عن التدخين ، ليس لأن هناك بعض من رجال الدين يصنفونه في دائرة الحرام، بل إن المصلحة الإقتصادية، أو الصحية هي الدافع الأقوى، للإقلاع عن هذه العادة السيئة. ومن هذا يكون أيضا المنطلق في قضية نقل الأعضاء من الموتى.
هل من الأجدى ، للإنسان بعد موته، أن تتحلل أعضاؤه، التي يمكن الإنتفاع بها، فتصبح وليمة تنهشها الديدان ، ثم ما تلبث بعد وقت قصير أن تتحول هذه الديدان إلى تراب؟ .  أم أنه بأعضائه السليمة بعد موته، يكون سبباً في أن يهب الحياة إلى إنسان آخر، فينتشله من عذاباته ومعاناته، ليكتب له الحياة بعد أن كان على شفا الموت؟ .
إن منطق العقل وفضيلة الخير في أرحب صورة ، يتجلى في التبرع بالأعضاء بعد الموت.
إنني لست مع إقحام رجال الدين في شئون حياتنا، وخاصة المسيس منهم. فهم لا يتركون شاردة أو واردة، إلا ويدلون بدلوهم فيها.
مازلت أذكر تدخل الأزهر فى فترة التعديلات الدستورية التي أفضل أن أطلق عليها مسمى "التعذيبات الدستورية"، لم يتركها رجال الدين كي يعظوا الناس بالرأي السديد الذي يتوافق مع الإسلام. فهب شيخ الأزهر نيابة عنهم، وخرج عن صمته وأفتى بأن مقاطعة الإستفتاء، بمثابة كتمان للشهادة ، وأن على كل مواطن الإدلاء بشهادته. ومن يمتنع فقد ارتكب إثماً.
يجب أن نتحرر من هذه الطريقة في التفكير ، فالأمر يخص المستنيرين في مجال الطب ، وليس رجال الدين. إن تدخل رجال الدين في القضايا العلمية والطبية على الأخص، قد يكون سبباً معوقاً، يحول دون التقدم والتطور  وإنقاذ الإنسان من معاناته وعذاباته.
   فأنا أتذكر أن الشيخ الشعراوي، كان ضد نقل الأعضاء، ليس فقط من الموتى بل وبين الأحياء. وعندما احتاج إلى نقل دم لم يعترض. ألا يمكن إعتبار أن ما ينطبق على نقل الدم ، ينطبق أيضاً على انتقال الأعضاء؟ . وكان يقول أيضا أن محاولة العلاج بالخارج والشفاء بأى ثمن ، هو تأخير للقاء الانسان مع ربه ، ولذلك هو أمر مرفوض . وعند مرض الشعراوى ، لم يلتزم بفتواه وسارع بالسفر الى الخارج من أجل العلاج والشفاء ، ورضى أن يؤخر لقائه مع ربه .  
لقد سبقتنا في استصدار هذا القانون ، دول عديدة إسلامية وغير إسلامية. وإذا كنا نتذرع دائما بالإسلام، فإن هناك أكثر من عشرين دولة إسلامية، تبيح نقل الأعضاء من الموتى ومنهم إيران والسعودية.
لماذا يستغرقنا الجدل العقيم في أمور ستكون في صالح الناس؟ . لماذا نفكر ببطء ونتحرك بآلية السلحفاة؟ .
إن هذا المنهج من التفكير، يضر الناس ويشيع الظلم ويورثهم الشقاء والبؤس. إن من يتباطأون في استصدار، مثل هذه القوانين، هم من يتسببون في قتل الناس معنوياً ، وجسدياً. ويستحقون المحاكمة والإزالة من مناصبهم.
في كثير من الدول المتحضرة ، إذا حدث وتوفى أحد الأشخاص لأي سبب من الأسباب، ففي أغلب الأحيان يحمل ورقة تلازمه أينما ذهب ، تفيد موافقته على التبرع ببعض أعضائه ، فلماذا لا نفعل ذلك في مصر؟ .
لقد شاهدت قبل كتابة هذا المقال، فيلما مصوراً لأكثر من حالة، كانت في أمس الحاجة إلى زراعة عضو جديد ، يهبها الأمل والحياة.
شاهدت حالة لزراعة الكبد، وأخرى لزراعة كلية، وثالثة لزراعة الجلد، لامرأة التهم حريق معظم جلدها فشوه وجهها وجسدها، وأصبحت معرضة للموت في أي لحظة. هذه الحالات الثلاث، هي نموذج لثلاثة من المعذبين المقبلين والمسرعين نحو الموت. ولكن بسبب نقل هذه الأعضاء ، من بعض المتوفين كتبت لهم الحياة. حياة ساهم فيها موتى، فقدوا حياتهم، في حوادث عجلت بكتابة شهادة ميلاد جديدة، لأشخاص آخرين سيظلون يحملون جزءاً منهم حياً دون موت.