صارت قصيدة النثر واقعًا لا بدّ منه، ولم تعد ذلك الأدب المستحدث الذي يستقبله الوسط النقدي بشيء من التحفّظ، حتى لدى من تناولوه بالدراسة من كبار النقاد، أو من تعرضوا له بالتنظير وإثبات الوجود من بعض الشعراء، في إعلان عن صورة أدبية تشكّلت ملامحها وتبلورت سماتها بين الصور الأدبية.
ولأن شعرية النص هي أهم ركيزة في صناعة النص الشعري، فإن قصيدة النثر، في تجاوزها لعنصري الوزن والقافية في إطارهما التقليدي وأوزانهما الخليلية، سواء في الشعر العمودي أو شعر التفعيلة، قد قابل هذا التجاوزَ تفوّقٌ وتميّز في شعرية النص؛ من صور بلاغية، وجناس، وإعادة تشكيل الكلمة، وتوظيف المشهدية، واستعاضة أنماط سردية من القصة والرواية، والتناص مع التراث بجميع روافده، وتتبع القلق الإنساني الوجودي، وبثّ هوامش الرفض والت…والتمرّد، فضلًا عن الإيقاع المبتكر المتولد بين أسطر القصيدة. أو كما وصفها د. صلاح فضل: «قصيدة النثر تتماهى مع ما يبقى في النص من شعر بعد انكسار الوعاء الإيقاعي».
إذن، فإننا أمام قصيدة النثر نقف طويلًا أمام فن أدبي حقق منهجية أدبية لها معاييرها وحدودها، لمن أراد أن يخوض هذا البحر الهائج بالأمواج والرياح العاتية من الشعور والتجديد والابتكار.
وكأي فن تحكمه قواعد وحدود، فإنه – حسب ما أشارت إليه سوزان برنار في كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلى العصر الراهن» – يقوم على المبادئ الأساسية لقصيدة النثر: (الاختصار، الإيجاز، كثافة التأثير، والوحدة العضوية).
ومع التسليم بما أطرته الناقدة، ليس بوسعنا إغفال النقد العربي، وما مدّه من أصول وترسيم لحدود النثر، وما قولبه في أنساق ومعايير تحكم هذا الفن، كما يلي:
إيقاع قصيدة النثر زئبقي لا يخضع لمقاييس معينة تضبطه.
المزج مع الفنون والآداب الأخرى؛ من السرد في الرواية، والحوار في المسرح، والمشهد التمثيلي.
توظيف الإيجاز البلاغي، والبعد عن الإسراف في البلاغة والجلبة اللغوية.
تجنب الغموض، والالتجاء إلى الوضوح والبساطة.
وقصيدة النثر لها جذور في تراث الأدب العربي، وليست فنًا مستوردًا من مدارس الشعر الأوروبية، وبالأخص الرومانسية الفرنسية؛ حتى وإن كان تصنيف النص في تراثنا العربي لم يُدرج في إطار الشعر. وقد بلغت ذروة إبداع تلك النصوص فيما كتبه الصوفي المعروف النفّري في نفحاته الصوفية في «المواقف والمخاطبات»، كما يلي:
«أوقفني وقال لي: كل شيء لا يواصلك صلة لي، فإنما يواصلك ويختدعك.
وقال لي: انظر بعين قلبك إلى قلبك، وانظر بقلبك كله إليّ.
وقال لي: إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب.
وقال لي: إذا لم ترني فاعتضد بالثمرة، ولا تعتضدك، ولكنها محل فقرك.
وقال لي: سل كل شيء عني، ولا تسألني عني.
وقال لي: إذا رأيتني فكأنما لم تخرج عن العلم.»
إن متابعة النسق الصوتي في السطور السابقة تحيلها إلى منطقة الشعرية النثرية.
إن إعادة تشكيل الإيقاع في قصيدة النثر لا نعدّه هدمًا للنسق التقليدي للتفعيلة، بل نراه إبداعًا يمتزج بروح التمرّد والثورة. إن التداعيات السياسية والاقتصادية، وما تبعها من تشكيل جديد للعقد الاجتماعي، سواء بين دول العالم وكياناته، أو بين الشعوب وحكوماتها، أو بين الأفراد بعضهم بعضًا، على مدار عقود عديدة مضت، وصولًا إلى ما آلت إليه منطقتنا العربية بواقعها المأزوم قبل وبعد ثورات الربيع، بمرارتها وصدمتها؛ كان لزامًا أن تجد صداها في النص الأدبي.
حيث تسرب صخب العالم إلى رتابة القصيدة، وتبعثرت أنات الإنسان وقلقه وحيرته، دون انتظام، بين أسطرها.
وبعيدًا عن الأطر الأسلوبية والفكرية ومعايير قصيدة النثر، التي لم تتفق عليها الحاضنة النقدية بعد، فإن قراءتنا ستكون انطلاقًا من مخزون الشاعر الشعري؛ بحيث نوقن أننا سنجد أدبًا يؤصّل لهذا الفن، بل وسنجد صورًا وسمات أسلوبية تضيف إليه، وإلى من أسسوا وأضافوا له من قبل، أمثال محمد الماغوط، وأنسي الحاج، الذي تعد مقدمته لديوانه «لن» تنظيرًا تأسيسيًا ومرجعيًا لقصيدة النثر، وكذلك الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس)، الذي أفرد لقصيدة النثر الكثير من مقالاته ونقده، فضلًا عن تجربته في كتابتها.
إذن، عندما يكتب الشاعر حسني الإتلاتي، صاحب الباع الطويل، المحكم، في قصائد الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ويمتد إبداعه إلى صور أخرى من الفنون القولية المحلية في صعيدنا المبدع؛ تكون قصيدة النثر بين يديه معزوفة أدبية رصينة، تبث أشجانًا ولحونًا تنصت للوجع الإنساني، وتخبط المسار والقرار، واحتساء حتمية الوجود. وليس أبلغ ما يلخص به كل تلك الرؤى عنوان الديوان: «قطار بضائع محدود الحركة».
القطار الذي تحكمه حتمية المسير فوق قضيبين، في صيرورة لا مفر منها، لا تحيد عن طريق مرسوم، يحمل فوقه شتى البضائع باختلاف أنواعها وأنماطها؛ كأن الإنسان، في عصر من المادية المطبقة، صار سلعة، تمّ تسليعها وتقييمها بمقابل، وأحيانًا بلا مقابل، في تضمين فلسفي تجاوز حدود البلاغة التقليدية.
وفي مرور على بعض قصائد الديوان:
قصيدة "أمي هي الأرض":
القصيدة نفثة وجودية نثرت شعورًا حيًّا يمتزج بجميع مفردات الوجود، حيث الأرض بمعناها الدلالي في الموروث الديني، من منظور أمومة الأرض ومصدريتها للولادة والعطاء. كما في قوله تعالى:
﴿الذي جعل لكم الأرض مهدًا وسلك لكم فيها سبلًا وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى﴾.
ليمتد بوح الشاعر، فتكتمل الصورة الوجودية بإدراج النيل بوصفه أبًا شامخًا بالنبل والصبر والكبرياء.
فيرى الشاعر الأرض الأم تتجلى في صور يومية جميلة: الزوجة، الطفلة الجميلة، رقيقة العينين، التلميذات الخجلاوات.
أما النيل، فمعادل للعرق ومشقة الحياة، والرضوخ للانحناء أحيانًا في ظل عواصفها.
تصريح الشاعر: «الأرض لا تموت – النيل لا يجف» ترسيخ لقيم مثلى من الجمال والعطاء والكبرياء، مع مهارة في أنسنة هذه القيم.
قصيدة "صديقي العزيز فيروس سي":
تنطوي على سخرية مريرة، حيث يتحول "فيروس سي" إلى قناع يصب الشاعر من خلاله غضبه على صور القمع والقهر:
«فنحن منذ سبعة آلاف سُخرةٍ
ومليون صبر…».
قصيدة "كان أبي يحب عبد الناصر":
اجتمعت فيها أدوات قصيدة النثر في صورتها المثلى، باستدعاء رمز وطني ذي حضور عميق في الوعي الجمعي:
«نحن أبناء الفقراء
كانت لنا عشرون قيراطًا من الكرامة».
قصيدة "لم أكن جميلًا":
قصيدة حميمية تستدعي نوستالجيا الطفولة، وتنطلق من الخاص إلى الجمعي:
«وكأي طفل لا أم له…».
قصيدة "لست قديسًا":
تزخر بصور تراثية وتناصات، مع حضور لافت لفكرة الإقصاء:
«أنا الجرة التي ركنوها على السطح…».
قصيدة "لوحات":
تعالج شخصية الرسام الفقير، حيث يمتزج الفن بالحياة:
«كلما مسها النهر ابتسمت… رغم حزنها الأبدي».
قصيدة "خيل الحكومة":
قصيدة الأمل المؤجل، والتطلع إلى التغيير:
«حتى تجيء خيول جديدة…».
قصيدة "عظام طرية":
تغوص في واقعية تميل إلى السوداوية، وتنتهي بصورة تضحية وجودية موجعة.
قصيدة "قطار بضائع محدود الحركة":
القصيدة المركزية في الديوان، مفعمة بنظرة فلسفية تستدعي أسطورة سيزيف، وتجسد عبثية الوجود الإنساني، في تقاطع مع فلسفة كيركجارد وأدب ألبير كامو.
تتجلى فكرة التدوير بوصفها معادلًا موضوعيًا لهذه الصيرورة العبثية:
«… ليعيدوا تدويرنا».
ورغم قسوة الرؤية، وعبثية المصير التي قد تخلو من بصيص أمل، فإن بعض السياقات الاجتماعية والطبقية تجعل من هذه الحتمية قدرًا لا مفر من قبوله.