سعيد سالم يسترسل فى تقاسيم روائية

د. صلاح فضل(جريدة المصرى اليوم 5 مارس2017)

****

يبتكر الروائى السكندرى المخضرم سعيد سالم نمطا مهجنا ومتحررا يطلق عليه "تقاسيم روائية" فى سرديته الشائقة"استرسال"التى نشرتها فى ملحقها الابداعى مجلة الرافد الاماراتية الرصينة. يتوسط بين السيرة الذاتية فى استرجاع مامضى من تجارب فى حياته، دون كشف كل الأسرار فهذا فى تقديره أمر مستحيل فى مجتمعنا العربى ، ومن ثم فهو يستخدم نصف اسمه فقط"سعيد صادق" كى يتسنى له قليل من الكذب بالإضمار، لكنه يصرح بوقائع وأسماء حقيقية أخرى ويحرر من الشروط الفنية فى ضرورة الاحكام التقنى والايقاع الزمنى المنضبط، فيمضى فى استعراض تجاربه وشخوصه وخواطره دون رابط سوى ضمير المتكلم، الذى يجمع الأشتات ويطرح الأسئلة والاستطرادات.

  وربما لم يبتكر خياله من شخوص هذه الرواية سوى أخيه المزعوم"نديم" الذى هاجر الى امريكا وبعث له وصية ملغزة بثروته الطائلة ، ومعها صفحات عجيبة غير متسقة من خواطر وذكريات تمثل الوجه المعكوس لما يحرص الراوى/ الكاتب على إبرازه فى صورته الشخصية...وكأن نديم هذا أصبح العقل الباطن أو"النيجاتيف" الأسود للمؤلف. ينغص عليه حياته ويتداخل بشكل مريب ومربك فى حكايته، ليضفى عليها مسحة تجريبة تنقذها من براثن" الحدوتة"، ويلطف من حدة الاعترافات الشخصية. ابتداء من المطلع حيث يقول:"غير أن قريحتى قد بدات تجف فيما يبدو أ إذ توقفت عن الابداع منذ سنوات لاقتناعى بعدم وجود فكرة جديدة تستحق الكتابة، فتسربت الى الكآبة. نصحنى نديم قبل سفره بأن أتسلى بالاسترسال فى كتابة ذكرياتى عن حكايات الصبا والشباب". فإذا تذكرنا أن نديم قد هجره وأنكره منذ مطلع عمره أدركنا التأليف الواضح فى هذه الشخصية. لكن فكرة الاسترسال على مافيها من هروب مزدوج من السيرة الكاملة الأمينة والشكل الروائى المتقن فى بنيته وتقنياته، سمحت للكاتب بتسجيل تجاربه الحميمة وكشف خلفية أعماله الابداعية التى كان بعضها يشف عن رغبة حارقة فى تعرية مناطق الفساد فى مجتمع القطاع العام الذى كان يعمل به الكاتب. فالعرق السياسى بالمفهوم العميق له كان فيما يبدو شريان هذا الولع الاصلاحى لدى الكاتب، والذى لم يكشف القناع عنه سوى فى خريف عمره، بعد أن فجرت ثورة يناير فى أعماقه الطاقة المكبوتة فى صراع الظلم والقهر والانتصار لقيم الحرية والعدل. وسواء اقتنعنا اليوم بهذه الرواية بأثر رجعى يسقطه على أعماله أم لا ، فإن المرارة التى يستشعرها من حسد رفاقه وتلوث البيئة المحيطة به، تضفى طابعا شجيا على هذا المنظور المثالى الرهيف .

  وأحسب أن الصفحات التى يبوح فيها الراوى ببعض أسرار طفولته السكندرية الشقية من أجمل وأعذب ما كتب، فهو يحكى مثلا عن مغامراته كصياد صغير:"كنت أجمع ما أصطاده فى غلق صغير أضع فيه المرمار والبطاطة والشراغيش والعروس( أنواع لا يعرفها سوى أبناء الثغر الكادحين). أفكر فى خال أمى - حنفى – الذى يترك أى طعام تصنعه أمى ولا يأكل الا السمك الذى أصطاده بعد أن تقليه أمى فى زيت التموين الغامق. أما عشقه الأكبر فهو أصداف الجندوفلى التى أصطادها له خصيصا من أعماق الميناء الشرقى. اكتم نفسى وأعوم حتى القاع فأغرس يدى فى القرار تحت رمل المناطق المعشبة حيث تكثر الريتسة وأصداف الجندوفلى وأم الخلول". أما موهبة هذا الخال الموسيقية التى تربى عليها الطفل المبدع فتبدو حين يتسلطن بعد أكلة السمك"الحرشة" ويصدح بالعزف والغناء:

"صحت وجدا ياندامى/ واصلونى أو دعونى/ فأنا صب هواكم/ سال دمعى من عيونى/ ذبت من شوقى تماما/فانصفونى وارحمونى/ ان جننت اليوم فيكم / فاعذرونى فى جنونى".

  تهتز أمى وتتمايل طربا مع ألحانه. يقول لى هاتفى الذى أسمعه دون أن أراه وأنا أطير من الفرحة والسعادة، ان خلايا الانسان الحقيقى ما هى الا أنغام وموسيقا ومشاعر حب"..هذا التكوين الذى أسس وجدان الصبى على عشق الفن والتحليق فى سماء الابداع ليسمو فوق ضرورات العيش الشظف ، هو الذى بذر فى أعماقه حب الفن والحرية والجمال.

الكيمياء والرواية:

يكشف الراوى/ المؤلف بعض الطبقات الغائرة فى نفسه نتيجة لخياله النشط الجامح منذ طفولته، فيعترف بمشهد طريف بأنه كان بجوار باب مدرسته الأولية لتحفيظ القرآن بالأنفوشى يقع دكان جزار قديم"يقبع صاحبه على مقعد قريب من باب المدرسة. يرتعد جسدى وتنساب مفاصلى حين أقترب من هذا العملاق ذى الذقن الطويلة المدلاة على صدره وأنا فى طريقى الى باب المدرسة. لا أدرى كيف تبادر الى ذهنى أن العجول والخراف المذبوحة المعلقة أمام الدكان ليست سوى أجسام أطفال مثلى ذبحهم هذا المجرم وسلخهم وعلقهم للبيع. كنت أخشى على نفسى من هذا المصير فأظل واقفا بعيدا عن باب المدرسة حتى يغادر الجزار مقعده لسبب أو لآخر، فأنتهز الفرصة وأجرى مسرعا الى الداخل بأنفاس لاهثة".

  ويحتاج هذا المشهد الى تحليل اجتماعى ونفسى لإبراز دلالته الرمزية المعقدة على الفقر والعنف المرتبطين فى وجدان الصغار بالمظهر الزائف للتدين، والأساطير الشعبية المخيفة عن ذبح الأطفال فى البيئات الفقيرة. لكنه عندما يكبر ويكون من حظه أن يتخرج فى الهندسة الكيمائية يصبح بوسعه أن يتفلسف ويبحث عن العلاقة العضوية بين مهنته العلمية وإنتاجه الأدبى الذى برع فيه وهو السرد فيقول:"من اللافت للنظر أن عشقى لعلم الكيمياء قد اقترن بعشقى لفن الرواية حين لاحظت أن هناك مايشبه التماثل بينهما(يقصد التناظر) فى حالات عديدة كالتحليل والتركيب والتكثيف والتفاعل. كما ينطبق الحال على الفلسفة فى مسألة التفاعل بين الفكرة ونقيضها لتكوين فكرة ثالثة(جدلية)أو مركب كيمائى جديد.. الحياة نفسها كيمياء والحب كيمياء والفن كيمياء، كما أن هناك كيمياء للأرواح والنفوس والأبدان، وسبحان مالك الملك والملكوت".

  ويكمن فى هذا التعليق الأخير سر آخر من التركيبة الثقافية للكاتب، إذ ترقد الطبقة الغيبية الايمانية فى أعماق العالم الفنان لتطفو على السطح فى التحليل الأخير. وهو مادرج المثقفون على اعتباره المكون الباطنى للروح المصرية بتفاعلاتها الحضارية. لكن ما يعطى هذه السردية أهميتها الابداعية فى انتاج الكاتب ، هو ما تكشفه من سياقات أعماله ورموزها وإشاراتها النصية وما تفصح عنه من روابطها بالواقع المحيط به ودلالاته، إذ يقول مثلا وهو يتأمل ظاهرة الحسد التى شقى بها فى حياته ويعجب من كراهية من كان يعتقده من صحابه:"شغلنى أمر الكراهية كثيرا ولم أفرغ من التأمل فيه والتدبر والتفكير الا بعد أن أفرغت كل ما فى جعبتى بشأنه فى رواية(حالة مستعصية) التى صدرت عام2002 عن دار الهلال. كانت حالة من الجدل العنيف بين النفس اللوامة ومهالك الشعور بالإثم حين يظلم الانسان نفسه بأن يحملها أوزارا وهمية تقوم على مفاهيم وأعراف عتيقة بحاجة ماسة الى المراجعة".

  وقد كتب المؤلف فى هذا الاسترسال صفحات مطولة، شارحا ظروف الفساد والرشوة التى تنخر فى عظم الشركة التى كان يعمل بها فى الاسكندرية مثل غيرها من مؤسسات القطاع العام. بينما كان يحلو له أن يحارب هذا الفساد ويلاعبه بتسمية بعض أبطال رواياته بالأسماء الحقيقية للمديرين والموظفين الآثمين، وكيف عرضه ذلك لمآزق ومهالك. ففى رواية العائد مثلا جعل اسم بطلها سعيد الشيمى ليندد بفساد مدير الشركة حينئذ"عباس الشيمى" ، وإمعانا فى التنديد ببقية المديرين الفاسدين يكتب المؤلف مسلسلا دراميا لاذاعة الاسكندرية يجعل اسم بطله توفيق على اسم المدير التالى له والذى كان لايقل فسادا عنه.

  يحتفظ سعيد سالم بكثير من الأوراق والمذكرات والوثائق التى تسعفه بزاد وفير من البيانات عن فترات حياته المختلفة. ويعتب بشدة على بعض رفاقه من أدباء الاسكندرية الذين انقلبوا على صداقته بمجرد حصوله على الجائزة التقديرية ، ويبث فى هذا الاسترسال الشيق كثيرا من خواطره وشجونه وتأملاته فى الحياة والتاريخ، مازجا ببراعة بين القليل النادر من الخيال الابداعى والكثير من الأحداث والتفاصيل الواقعية التى احتفظت بها ذاكرته وأوراقه فى تقاسيم سردية سلسة تحمل فى طياتها أصداء النغمات الحانية لخاله العجوز الذى كان يطربه بألحانه الشجية وحدبه النبيل.