ذاكرة الجسد

ذاكرة الجسد - لأحلام مستغنامي - هي قصة حب مع الوطن ، رسام فقد ذراعه في الحرب يقع في حب ابنة شهيد ، و كل ذلك في ظل ثورة الجزائر على الاستعمار الفرنسي . هذه الرواية ليست مجرد قصة حب فارغة ، بل هي تصوير لمعاناة الجزائريين فيما تلا تلك الحقبة ، و ربما للبؤس الذي يلحق بالأمة العربية حتى اليوم . يلتقي ذلك الرسام بالفتاة بعد خمسة و عشرين عاماً من زيارته لها و هي طفلة صغيرة ، و يقع في حبها ، رغم أن الفارق العمري بينهما مهول ، و السر الذي يكمن داخل تلك الفتاة عظيم ، و لست قادرة على سبر أغواره بسهولة ، إنها فقط كما أشعر بها تشبه بذرة الحلم التي تركها والدها الشهيد قبل أن يغادر الحياة ، إنها تمثل الحلم بوطن أجمل و بحياة أخرى. و قد أحبها الرسام فوراً كأنه أحب لوحة مثالية رسمها على الورق و تمنى أن تتحقق بين يديه . و تلك البنت غريبة ، كانت تعرض عنه أحياناً و تقبل في أحيان أخرى ، و لم تصرح له بحبها في البداية ، إنها مثل كل الأحلام و الأمنيات تبالغ في صدها و كبريائها ، و الملفت للنظر أن الرسام لم يكن وحده من عشقها ، بل آخرٌ صديق له ، و هو شاعر ، وقع في حب الفتاة نفسها ، و لكنه لقي حتفه قبل أن تكتمل قصته معها ، و الفتاة مثل الشمس لم تكن تعرض عن أحد ، و لكنها لم تمكن منها أحداً ، إنها تحمل داخلها فضيلة يصعب الإحساس بها من الوهلة الأولى التي تبدو فيها فتاة متحررة ، كأن أحلام تريد أن تقول - من وجهة نظرها -إن الفضيلة ليست بذلك الوضوح الذي يمكنك من أن تجزم بها من المظهر السطحي دون تجربة و امتحان حقيقي للأخلاق، و إن كنت أرى أن مفهوم الفضيلة نفسه لم ترسم له حدود - داخل الرواية أو المجتمع-  تتجاوز مجرد الحفاظ على العذرية.

رغم ذلك ، و لدافع غير مفهوم ، ترضخ تلك البنت لقرار عمها بتزويجها لرجل سيء السمعة من كلاب المناصب الذين يلهثون وراء الماديات ، و لست أدري لما رضخت ، هل هو ضعف منها ؟ استسلام و يأس بعد أن مات الشاعر الذي ربما كانت تكن له المشاعر ؟ أم أنها كما يقول عاشقها الرسام ، سادية تريد تعذيبه بقصة حب لا ذروة لها ؟ لقد طلبت منه أن يشهد حفل زفافها ، و كان آنذاك في حال يرثى لها ، و لن أصور حزنه الذي يستطيع أي إنسان أن يتنبأ به ببساطة ، إنه حزن شخص يرى حبيبته تزف إلى غيره ، و لكنه أيضاً حزن إنسان يرى الابنة الوحيدة لشهيد فقد حياته في سبيل الوطن تزف إلى رجل من ألد أعداء هذا الوطن ، كأن الحلم الذي زرعته الثورة و أفنى فيه الرجال دماءهم و مشاعرهم حكم عليه بأن ينهبه الطغاة الجشعون دون أدنى إحساس أو رحمة. كانت الفتاة تمثل الوطن ، و الرسام و الشاعر و حتى والدها المقاتل الشهيد ، كانوا أولئك الرجال الأنقياء الذين قدموا المشاعر و الدماء لكي ينعم هذا الوطن بالحرية ، كل منهم قام بدوره مثل حكاية كل أمة مناضلة ، لكن هذا الوطن يزف في النهاية إلى أيد جشعة و طماعة لا تستحق ذرة تراب من أرضه . تلك قصة لم تختص بها الجزائر ، نحن أيضاً لدينا أوطان وهبناها الحب ، .و نراها تضيع منا دون أن تكون لنا حيلة لإنقاذها من الغرق