العاصفة شوشت ذهنى..انتظرت ورحت أفكر مليا فى أن أقدم رؤية واقعية ومتوازنة
بعد مرور قرابة الشهر على عرض فيلم ( الست) عن سيرة كوكب الشرق دعونى أعترف أولا أن هذا الهجوم الذى بدأ حتى قبل عرض الفيلم كان أكبر دعاية للعمل السينمائى الذى كانت تنتظره الجماهير..عمل تناوله الناس ــ بادىء ذى بدء ــ بالسخرية من لقطات لمنى زكى متقمصة أم كلثوم..تارة هى جولدا مائير وتارة هى ملك الجمل أو جمالات كفتة.. والقائمة الساخرة تطول...
أعترف أننى كدت أتاثر بما كتب..أستجبت لبعض الروابط على ( الفيس بوك) و(ثردس) بردود غير متسقة خاصة التى تشير إلى أن منى زكى لا تصلح لتقمص الشخصية الجدلية وأن العمل يتهم أم كلثوم بالبخل والعصبية والمادية وأنه يسىء لسيرة واحدة من رموز الفن العربى والمصرى وأنه مؤامرة على التراث المصرى..كل هذا ويزيد جعلنى أبادر بمشاهدة الفيلم حتى يصبح حكمى عليه عن إقتناع..
لكن هناك ما يفوق رغبتى فى الإقتناع، فأنا بوجه شخصى أعشق كل شىء يتعلق بأم كلثوم وقد تابعت مسيرتها الفنية منذ كنت فى الرابعة عشر من عمرى متأثرا بأهلى الذين كانوا يحركون مؤشر الراديو على محطتها فى تمام الخامسة..قرأت عنها الكثير ورحت أسجل أغانيها القديمة من برنامج ( ألحان زمان) الذى كان يذاع كل اثنين على البرنامج العام..ثم رحت أجمع العديد مما نشر عنها من المجلات القديمة وأستحوذ على إسطواناتها الأولى المركونة فى بيت جدى وأعمام أبى ولازلت أحتفظ بها..ثم بعد ظهور الإنترنت رحت أرفع تسجيلات حفلاتها القديمة التى كان يلتقطها أهل زمان من الراديو، والتى لا تتواجد فى الإذاعة..منجم لا ينضب...
ثم إن أسرتى تربطها صلة نسب بأسرتها..ما جعلنى أعرف الكثير عن حياتها الشخصية بحكم ما كان يرويه أفراد أسرتى عنها وربما هذا شىء لا أصرح به إلا للقليلين وعند الضرورة..وأرى أن الضرورة واجبة فى مقال كهذا عن عمل سينمائى يركز بوجه أساسى على جوانب من حياتها الشخصية...
فى أول الأمر سعدت بالفيلم وطبعا بحكم معرفتى بسيرة أم كلثوم ومن قراءاتى وأفراد أسرتى كانت الأخطاء فيه واضحة جلية، ولكننى لم أهتم بها فى بادىء الأمر بعد أن سرقنى الإبهار البصرى والصوتى للفيلم، فكُتاب السيناريو دائما يغيرون فى الأحداث الحقيقية بغرض الإثارة والإبهار، ولكن بعد أن خرجت وسمعت تلك الأراء المهاجمة وجدت أن الجمهور الذى لا يتوانى عن أن يرى كوكب الشرق فى ثوبها المثالى له الحق فى أن يحتج على تلك المخالفات التى ارتكبها كاتب السيناريو...
حياة أم كلثوم موثقة توثيقا دقيقا، وُثقت على مدى ستة عقود كما لم توثق حياة فنانة أخرى سواء بالكلمة أو بالصوت أو بالصورة، وهو ما لم يأخذه أحمد مراد فى الإعتبار وأعطى لنفسه الحرية فى أن يغير ما يحلو له، متناسيا أن أم كلثوم شخصية معاصرة لم تعش من خمسمائة سنة، وأن الناس حتما سيغضبون من تحوير الأحداث بهذا الشكل الفج..ولو تناول حياتها الخاصة بشكل هامشى لم توقفنا عندها ولكن فيلم ( الست) يركز على الجانب الشخصى والمأساوى فى حياة كوكب الشرق، وهذا ما يجعلنا نسأله: من أين أتيت بهذا؟
لم يتعرض لفنها من قريب أوبعيد ولذلك أنفى عنه تهمة الإساءة لفنها..لم يخض فى علاقاتها بالموسيقيين وكتاب الأغانى إلا فى مشاهد قليلة جدا.. والسؤال الآن لكاتب السيناريو:
كيف عرفت كل تلك التفاصيل عن حياتها الخاصة؟ ما هى مصادرك؟ السمع؟ كلام الناس؟ مؤرخون ظهروا بعد رحيلها بعشرات السنين؟ كل منا له متناقضات فى حياته الخاصة تتنوع بين الكرم والبخل والعصبية والهدوء والسعادة واليأس..الخ، فكيف تتهم الست مثلا بالبخل وتوصمه بها من موقف واحد أو اثنين! ولم تضع ما يوازيهما!
الأخطاء كثيرة:
1-حينما سقطت أم كلثوم على المسرح كان فى الحفلة الثانية وليس فى حفل الإفتتاح..ثم إنها سقطت سقطة عنيفة على جانبها الأيمن ما كان يمكن أن يودى بحياة سيدة فى عمرها.. ( ما علينا).. لكن الجمهور حسب ما ورد فى الصحف حينئذ لم ينتبه إلى ما حدث بتلك السرعة ولم ينتفض من فوق المقاعد..الرواية الصحفية والمصورة تلفزيونيا تشير بكل صراحة إلى أن أحدا من الفرقة الموسيقية ولا الجمهور لم يتحرك من مكانه.. الكل كان فى حالة ذهول.
2-عندما رأت رامى لأول مرة لم يكن ذلك فى قصر أحد الوجهاء كما رأينا..كان فى كازينو البسفور..ثم إن حادثة تغيير زيها بمساعدة ابنه هذا الوجية ضرب من ضروب خيال الكاتب..لم نسمع بها أبدا!
3- تفاوض أم كلثوم على نسبة بيع الإسطوانات هو أمر عادى للغاية..كل منا يتفاوض فى أمور عمله المالية..ليس ذلك ضربا من ضروب المادية..كل منا يصبح ماديا فيما يختص برزقه..
أم كلثوم كانت تتفاوض مع الملحنين بالأخص فى الأمور المالية لأنهم يشاركونها فى حقوق الأداء العلنى وطبعا كانوا يكسبون الكثير من وراء ذلك وتتضارب الحسابات خاصة بعد الخلافات الجسيمة التى حدثت بينها وبين الشيخ زكريا والتى ذهبت إلى المحاكم ، لذلك كانت تجزل العطاء للملحن مقابل التنازل عن تلك الحقوق..ثم جاء القانون الذى يمنح الملحن نسبة 2% والمؤلف 1% من بيع الإسطوانة فحُسم الأمر مع الجميع.
أما فيما يخص حياتها الخاصة فكانت تجزل العطاء للفقراء والمحتاجين من أهل قريتها وتهب لمساعدة زملائها من الفنانين وطبعا أهل أسرتها وكان من المستحيل أن تبوح بهذه الأشياء علنا فهى لا تخص الناس و ليس أجدى بالذكر غير المعلن عن تبرعها بالملايين من أجل مصر خلال جولاتها قبل وبعد67..أهذا من صفات البخلاء! لماذا لم تشير إلى هذا الكرم رغم أنه معروفة به!!
4- هل كانت أم كلثوم تدخن؟ نعم.. ولكن تدخين (كاجوال) وفى مناسبات قليلة كأى من غير المدخنين منا..ولها صور منشورة وهى تدخن وليس هذا بسر دفين..لكن ليس كما أظهرها الفيلم كمدمنة تدخين وحشاشة..فكيف ذلك وهى أحرص المطربين على سلامة صوتها!
5- جحوظ عينيها كان حقيقة بعد تضخم الغدة الدرقية ولكن ليس لك أن تظهرها وهى فى حجرتها بهذا المنظر وكأنك كنت معها..ثم أنها يجب أن تُوصف بالشجاعة لأنها تجاهلت هذا التغير الواضح فى ملامحها وغنت على الملأ وكأن شيئا لم يكن...ثم أن الريس ناصر أرسلها للعلاج بالذرة فى الولايات المتحدة وذهبت للمستشفى البحرى الأمريكى وشفيت..لكننا فى الفيلم نراها ترفض عرض عبد الناصر للعلاج بالخارج بأدب!!
6- ثم من أين أتيت بمشهد اللص الذى أقتحم عليها بيتها وهددها بالصعود إلى الدور الثانى؟ واقعة السرقة حقيقية لكن البيت فى الزمالك كان يعج بأهلها والكثير من الخدم المحيطون بالفيلا..أظهرتها وحيدة معزولة خائفة تسكن بيتا مهجورا..من أين أتيت بكل هذا!! (غير حقيقى).
7- من أين أتيت بحادثة محاولة قتل القصبجى لمحمود الشريف غيرة على أم كلثوم ووصول الحادث إلى النيابة! واقعة ليست موثقة ومشكوك فى أمرها حسب المصادر..ثم لو كان هذا حقيقيا لماذا لم يفعل ذلك مع دكتور حفناوى! الأمر برمته أن القصبجى كان كسائر الناس يخشى أن يمنعها الشريف من الغناء...
تلك بعض الأمثلة من المغالطات التى وردت فى فيلم ( الست)ناهيك عن دورها فى إنشاء مجلة (آخر ساعة) وعلاقتها بالتابعى واستغلال والدها لها.. كلها أمور مليئة بالمغالطات...للأسف..
ما هى المشكلة فى فيلم (الست) إذن؟ للأسف يدعى الكثير من النقاد أنه خطأ مراد ولكنى أختلف.. ليس مراد فقط ولكن جميع (الكاست)..طبعا يتحمل كاتب السيناريو النصيب الأكبر من اللوم، لكن النجوم الذين شاركوا فى الفيلم والمخرج ــ وجميعهم سينمائيون من ذوى الخبرة ــ كان يجب أن يشاركوا السيناريست فى البحث والتمحيص..كان عليهم أن يرجعوا للمصادر الموثقة ويضعوا السيناريو للمراجعة بين أيدى من هم أعلم بالأمر.. لكن يبدو أن ذلك لم يحدث...هل اطلع أى منهم على سيرة أم كلثوم؟
للأسف هذا الجيل من الفنانين مثله كمثل السواد الأعظم من الشباب ـــ لا يقرأون ـــ من جيل يوسف وهبى وحسين رياض إلى جيل فاتن حمامة وشادية والشناوى ومحمود مرسى وبعده إلى جيل نور الشريف ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز وغيرهم ـــ كان الفنان قارىء، واسع الثقافة والإطلاع وكان هذا ما يعينه على الإختيار السليم لأدواره..الأمرلا يتعلق فقط بالحرفية بل بالمحتوى أيضا، الذى أصبح مهمشا فى أغلب الأعمال السينمائية اليوم...
إحقاقا للحق فلقد ذهبت لأشاهد فيلم ( الست) وبداخلى توقعات إيجابية خاصة بعد النجاح المدوى لفيلم (كيرة والجن) الذى كتبه مراد منذ عامين بمهارة رائعة..عمل مكتمل الحرفية والمحتوى..لكن يبدو أن (الست) كان أول تجربة له فى كتابة السيرة الذاتية..كان عليه أن يتوخى الحذر ويبذل جهدا فى أن يدرس التجارب المتاحة وهى كثيرة: (ناصر 56)، (سيد درويش)، (أدولف هتلر)، (أوناسيس) وغيرها..يقرأ البيوجرافيا الحقيقة أولا ويرى كيف عالجها السيناريست..لكننى واثق أنه سيحقق ذلك فى أعماله القادمة...ثم كان عليه أن يبدأ بسيرة أقل أهمية من سيرة كوكب الشرق..فالأمر فعلا معقد لأن السيناريو لم يقم على موضوع صلب بل من وحى من خيال الكاتب عن فنانة بلغت شهرتها الآفاق.
إن أى عمل سينمائى يتناول سيرة أم كلثوم كاملة والتى تعدت الستين عاما محكوم عليه بالفشل..السينما إختيار وتركيز وهذا ما يعلل نجاح المسلسل التلفزيونى من بطولة صابرين وفشل (كوكب الشرق) الذى قدمته فردوس عبد الحميد لأنه حاول أن يقدم سيرة تقليدية لا تتسع إلا لمسلسل تلفزيونى...ثم إن المسلسل التلفزيونى قام على مادة علمية راسخة وهى كتاب ( أم كلثوم وعصر من الفن) للدكتورة نعمات أحمد فؤاد..فلم يكن هناك مجال للتحوير...حتى فيلم ( كوكب الشرق) كان عليه كثير من علامات الاستفهام...
إنصب الهجوم على أن الفيلم يسىء إلى صورة أم كلثوم فى عيون الشباب ولكن هذا من رابع المستحيلات..مهما سمعنا و قرأنا من أقاويل تستهدف تشويه صورتها، فيكفى أن نستمع إلى إحدى أغانيها لننسى ما سمعناه أو قرأناه.. الشباب مازال يستمع إليها وبشغف..لى صديق غاب عن مصر قرابة الثلاثين عاما ثم رجع يتردد على القاهرة ليجتمع بأصدقائه القدامى، جلسنا على مقهى به شاشة تظهر فيها أم كلثوم تغنى (بعيد عنك)..فعلق: "أما زال الشباب يعرفونها! أراهن أنها قد نُسيت.."..صمت ثم ناديت شابا كان يمر من جانبنا وسألته : "من هذه" صرخ ضاحكا:"الست طبعا"..كان عمره عشرين عاما..ناديت غيره من الشباب والفتيات فسخروا من سؤالى...
بقى لى أن أذكر أن التشويه الموجود فى الفيلم قد يتهمش بجانب ما نقرأه عنها فى روابط على شبكات التواصل الاجتماعى والذى لم أسمع أن أى منا أحتج عليه: هى قاتلة أسمهان، تغار من عبد الحليم.. تقوم بوأد المواهب الشابة عند ظهورها.. تدخن الحشيش قبل أن تصعد إلى المسرح..تزوجت 11 مرة.. هى خادمة لكل حاكم..استغلت رامى ولعبت معه لعبة القط والفار وليس هناك أدل من القضية التى رفعت ضد شاعر أساء إليها فى ندوة أقيمت فى إتحاد الكتاب راح ينعتها خلالها بقبح الخلقة وأن علاقتها برامى كانت علاقة الذئب بفريسته..قناة الجزيرة قالت فى فيلم وثائقى إنها صناعة يهودية لأنها تعاملت مع داود حسنى وتوجو مزراحى اليهوديين..هناك أيضا من كتب ووثائقيات عنها تحوى ما يندى له الجبين وأخجل من ذكره هنا أو فى أى موقع أخر..
ربما استوحى فيلم (الست) بعض ما فى تلك الروابط والتى لا يكتب معظمها غير المصريون ..يا جماعة مالكم ومال حياة الناس الشخصية!!! ثم لماذا أم كلثوم بالأخص؟؟؟ كل النجوم والمشاهير بل كل الناس يخفون ما يخفون عن حياتهم الخاصة، فلماذا ننبش فى خصوصيات الأحياء والأموات منهم.. لا ننبش فقط، بل نزورها بغرض السخرية والضحك..وشر البلية ما يضحك!!