من كتاب " الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الدينى "

امامة المرأة للصلاة .. نساء يستعذبن الصفوف الخلفية

         برغم معرفتى بالطريقة التى يفكر بها النساء والرجال فى مجتمعنا ، حينما يناقشون أو يتناولون أمراً يتعلق بالمرأة ، إلا أننى قد شعرت بالاستفزاز عندما قرأت فى احدى المجلات المصرية ، استجابات عدد من الداعيات المصريات ، لامامة المرأة  للرجال والنساء ، فى الصلاة .
أبدت الداعيات رفضهن لإمامة المرأة للرجال والنساء فى الصلاة ، حيث يشترط فى الإمامة الذكورة . كما أن بدن المرأة " عورة " أمام الرجال ، وخاصة فى وضع السجود والركوع ، مما يؤدى إلى عدم خشوع الرجال وانشغالهم بالنظر إليها ، كما أن المرأة لم تقف بجوار الرجل فى الصلاة فى الكعبة ، وإنما كانت تقف فى الصفوف الأخيرة بعد صفوف الرجال والأولاد . وإذا رأت المرأة شيئاً أثناء صلاتها فعليها أن تصفق ، ولا تصيح مثل الرجل . وهذا يدل على أن صوت المرأة " عورة " .
تذكر داعية منهن تدعيماً لهذا الرأى ، أن الرسول قد ذَم الرجال ، الذين يقفون فى آخر الصفوف . والحكمة فى ذلك أن الصفوف المتأخرة قريبة من النساء ، لأن جسد المرأة " عورة " ، بالإضافة إلى أن القوامة للرجال فى الإسلام ، فى كل الأمور ، بما فيها قيادة الصلاة .
     إن هذه الطرح له خطورته ، لأنه مبنى على التفسير الحرفى للدين ، والانحياز إلى بعض التفسيرات التى يصفونها بأنها من " الثوابت " ، وهى ليست كذلك ، بدليل أن هناك منْ يفسرها تفسيراً أخر مغايراً لصالح المرأة وليس ضدها ، ولصالح بديهيات العقل الذى يؤمن بالعدالة وليس مهووساً بالجنس .
    مصدر الخطورة يرجع أيضاً إلى أن هؤلاء الداعيات يتقلدن مناصب قيادية ، تؤثر فى عقول الشباب ، بحكم عمل ثلاثة منهن بالتدريس فى الجامعة . ناهيك عن ظهورهن الدائم فى وسائل الإعلام ، والقنوات الفضائية والأرضية.
     دعونا نناقش قناعات الداعيات على أرضية عقلانية ، دون تشنج أو تعصب . ففيما يخص أن الإمامة تشترط الذكورة فهذا يعنى بادئ ذى بدء ، أن فى الإسلام أمور تخص الرجال ، ولا يقوم بها النساء ، وهذا ضد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ، فى الإسلام ، والذين يصدعون به أدمغتنا طوال الوقت ، وأن الاسلام لم يفرق بين الجنسين ، وأن الاسلام يكرم المرأة . كيف يكرمها ، وهو يمنعها من القيام بأمور معينة ؟؟. وكيف يكرمها وهو يعتبرها كلها " عورة " ؟؟.
هذا بالإضافة إلى أنه ليس هناك علاقة بين الذكورة من ناحية ، والإمامة والقيادة من ناحية أخرى . فهل من المنطق أن يؤم ذكر من الرجال ، جاهل بأمور الدين ، نساءً وصلن إلى مستوى متقدم من التعليم كأستاذات فى الجامعة وباحثات وطبيبات ، ويعلمن من أمور دينهم ودنياهم الكثير ، ومع ذلك ، يفضل أن يؤمهن مثل هذا الرجل لمجرد أنه " ذكر " ؟؟. ما هذا السفه ؟؟؟ . وما هذا التفكير الذى يحرم ممارسات بعينها ، على النساء ، لمجرد أنهن لا يمتلكن الأعضاء الجنسية الذكورية ، وليس لهن شوارب ، ومختلفات بيولوجيا عن الرجال ؟؟.
      لقد تبنت هؤلاء الداعيات نظرة الفقهاء من الرجال ، ، فيما يخص المرأة . فالمرأة تم اختزالها فى كونها جسداً يثير الغرائز والشهوات . والرجال ضعفاء أمام هذا الجسد ، وينتابهم الهوس الجنسي حينما تقع أعينهم على المرأة فى كل الأوقات ، حتى لو كان هذا الوقت أثناء العبادة والصلاة . كيف لم يمنعهم ايمانهم ، وصلاتهم ، وعبادتهم ، من تسلط الشهوات فى المساجد والجوامع ؟؟. أهؤلاء رجال يصلحون للقوامة والقيادة ؟؟.
    إن الرغبة الجنسية تنشأ فى المخ ، والإنسان الطبيعى يستطيع أن يتحكم فى رغباته وغرائزه . أما الرجال المهوسون جنسياً ، فهم لا ينتظرون أن تكون المرأة ساجدة أو راكعة ، بل سيلاحقونها فى الشارع والعمل والمواصلات العامة ، فهل معنى ذلك أن نحجب النساء ونمنعهن من ممارسة حياتهن العامة ؟ . منطق مريض .
لقد التحقت المرأة ( فى مجتمعات أخرى غير مجتمعاتنا ) بالجيوش ، وارتادت الفضاء  وقادت الطائرات ، ولم نسمع أنها قد أثارت شهوة زملائها من الرجال .
أيضاً فإن هناك الكثير من الرياضات القوية ، والتى تقوم فيها المرأة بحركات جسمانية تتطلبها هذه الرياضات كالجمباز والسباحة والقفز بأنواعه المختلفة ، وهى تلقى قبولاً من غالبية الناس ، ولم نسمع أنها تثير غرائز الرجال وتلهب شهواتهم . وحتى إذا حدث هذا ، فهو عيب الرجال لا عيب النساء .
     إن هؤلاء الداعيات يكرسن للتفرقة بين المرأة والرجل ، أستناداً على أن كل منهما له طبيعته الخاصة . ثم نراهن يتناقضن بقولهن إن الإسلام قد ساوى بين المرأة والرجل فى كل الأمور .
إن المساواة كما أراها ، وكما تقرها مواثيق حقوق الإنسان ، تعنى أن ما هو للرجل ، هو أيضاً للمرأة دون تفرقة أو تمييز فى كل جوانب الحياة . وهذا بالتحديد ما جعل إمامة المرأة للصلاة تمتد فى ولايات أخرى بأمريكا غير ولاية فرجينيا ، بمبادرات من نساء مسلمات .
   إن التفرقة تحت أى مبررات ، والتى يكرسها هؤلاء الداعيات ، من شأنها أن تحول النساء وهن نصف المجتمع ، إلى عورات وناقصات ، ومشروع اغتصاب .
   إن صورة الإنسان أمام نفسه ، تلعب دوراً هاماً فى حياته . فالمرأة التى تنظر إلى صورتها نظرة الفريسة ، يخلق ذلك منها شخصية مهزوزة ، مهترئة ، خائفة ، خاضعة ، خاملة ، وغير فاعلة .
أما إذا كانت نظرة المرأة لنفسها نظرة إنسانية ، فإن ذلك يمنحها الثقة بالنفس ، والجرأة ، والقدرة على الاقتحام والفعل والابتكار . فهل لنا أن نتصور مجتمعاً تنظر نساؤه إلى أنفسهن هذه النظرة الدونية ، التى تدور فى فلك الغريزة الجنسية ، ونأمل من هذا المجتمع خيراً ؟ . وكيف تقف المرأة ضد نفسها ، وتستعذب دائماً أن يدفع بها الرجال إلى الصفوف الخلفية ، حتى فى الصلاة ، وفى دار عبادة ، وبيت من بيوت الله ، المقدسة الطاهرة ، والمفروض أن الله يحميها ، ويحفظها ، من رجس الشياطين ؟؟.

من كتاب " الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الدينى " 2002