الحرية أسرع وأضمن قطار الى المناعة الأخلاقية

 تموت فينا كل الأشياء ، ربما . لكن اشتياقنا الى الحرية ، لا يموت . نحن نستحق

الحياة ، قدر تشبثنا بالحرية . نستحق الكرامة ، قدر ما نُكرم الحرية .

      أؤمن بـ«الحرية»، إيمانًا مطلقًا، راسخًا، لا يشوبه شك، أو تردد، كما أؤمن بنفسى. بل إن إيمانى بالحرية، ربما يكون الإيمان الوحيد، الذى يزداد يقينًا، وزهوًا، مع مرور الزمن. ويصبح مع ذبول كل الأشياء، وردة فيحاء العبير، أعلقها على صدرى، وعلى خصلات شعرى.

     أؤمن بـ«الحرية»، إيمانى بأن «الإنسان»، أهم من الفلوس، وأن «العدل»، هو الذى يجعل النظام السياسى، «جميلًا»، وأن «الثورة»، هى التى تجعل الشعوب، «نبيلة»، وأن «شجاعة» القول، والسلوك، هى ما تجعل المرأة «شريفة»، وما تجعل الرجل «شريفًا».

    أؤمن بـ«الحرية»، مثلما أؤمن، بأن الموسيقى، سر من أسرار الكون. ومثلما أؤمن بأن «الألم»، هو أصل الحياة. وكما أؤمن بأن «الفقر»، موجود، لأننا نأخذ أكثر من احتياجنا.

    أؤمن بـ«الحرية»، مثل إيمانى بأن «رق الحبيب» من تأليف محمد القصبجى ،  «طفرة» جينية، فى تاريخ الألحان.. وأن الحضارة التى تقطع من أجساد وعقول النساء، تحمل داخلها بذور الفناء.. ومثل إيمانى، بأن «العمر» الحقيقى الذى نعيشه، لا يرتبط بالرقم القومى، وزحف التجاعيد.

     أؤمن بـ«الحرية»، كما أؤمن، بأننا لا نستمتع بالحياة، إلا إذا تصالحنا مع «الموت».. وأنه من العار، أن نصل إلى سنة ٢٠26، دون أن يصل الماء النقى، إلى أناس، يقتسمون  معنا، الجنسية المصرية.

    أؤمن بالحرية، مثلما أؤمن باستحالة انتمائى لهذا العالم، بكل أفكاره، وأهدافه، ومخاوفه، وعقائده، ودمويته، وعنصريته، وذكوريته، وغروره، وغطرسته، وعنجهيته، وحماقاته، وآلامه، وعذاباته، وعبثيته.

      أرى «الحرية»، مصيرًا محتمًا، على البشرية كلها الوصول إليه. وهى لنا بـ«المرصاد»، تراقب، وتسجل، وتقرر، وتخطط. قد نتأخر.. قد نتعثر.. قد نتوه. لكن المسيرة محسومة مسبقًا، لصالح «الحرية».

       بكل بساطة، الشعب الحر، يساوى مجموع، نساء أحرار.. رجال أحرار + أطفال أحرار. حينما ننطق فى مجتمعاتنا، بكلمة «الحرية»، ننتفض، ونتحفز ونتشنج. نسأل أول ما نسأل: «يعنى إيه حرية».. «مافيش حرية مطلقة».. «وإيه حدود وسقف الحرية دى».. «وعايزين الحرية دى إن شاء الله عشان تعملوا بيها إيه».. «عايزين حرية انحلال زى الغرب الكافر».. وغيرها من الإدانات الحمقاء التى ترادف بين «الحرية» وقلة الأدب، وقلة الحياء، وقلة رجاحة العقل ونظافة القلب.

     كل الإدانات والتخوفات الأخلاقية، لا بد أن تنصب على «القهر»، وليس على «الحرية». وليس من المفروض، وليس من الطبيعى، أن نسأل عن حدود الحرية، ولكن عن حدود القهر. والذى يخيفنا المفروض أن يكون القيود، وليس التحرر. أى فضيلة هى من نتاج «أخلاق الحرية». وكل رذيلة، يمكن أن نتوقعها، هى إرث مباشر أو موروث من أخلاق القهر.

      الحرية تصحح نفسها بالتجربة، والمعرفة المتراكمة والشجاعة والتقدم والنور والجمال، والحساسية للحقوق الأخلاقية للآخرين. وبالتالى تنتج «المناعة الأخلاقية». بينما القهر، يعيد إنتاج المزيد من الجهل، والخوف، والتأخر، والظلام، والقبح. وبالتالى يقود إلى الهشاشة الأخلاقية.