الانزياح التقني ( حوسبة اللغة )

مع التقدم التقني الرهيب، ومحاولة إقصاء الإنسان عن كافة الميادين، وإحلال الآلة – الذكاء الاصطناعي- مكانه بحيث يتم تقزيم الدور البشري فيما كان متعارفًا عليه سابقًا، وتصبح التقنية هي سيدة الموقف أو البديل المتوقع والمعتمد عليه في كافة المجالات .

لم تعد القضية كسابق عهدها في الحصول على المعرفة والتلقي للعلوم، فالأمر أصبح أيسر مما يكون في ظل التقنية المفتوحة على كافة الأصعدة والعالم  المعولم ، والبرمجيات العابرة لكافة المستويات ؛ ولهذا فإن السؤال المنهجي هنا هو ليس تحصيل المعرفة ؛ وإنما كيفية معالجة المعرفة.

هذا ناتج طبيعي أفرزته  الثورات البرمجية والمعرفية التي ظهرت في منتصف النصف الثاني من القرن العشرين .

نحن وبكل تأكيد نعيش مرحلة إزاحة الإنسان التقليدي – البشري- عن كافة مجالات الحياة وبصورة دقيقة وخطوات ثابتة نحو إزاحة كلية، فكافة العلوم الآن يتقلص فيها هذا الدور .

إن فكرة الإزاحة التقنية والتكنولوجية  هي وافدة علينا كغيرها من القضايا التي نستخدمها فقط، فنحن قوم مستهلكون في نمط حياتنا ليس إلا .

كما إن فكرة حوسبة اللغة هي جزء من إفرازات الحداثة، وما بعد الحداثة، وهي فكرة غربية بالأساس، تقوم على قيام الحاسوب بعمليات متعددة تتعلق باللغة كاللسانيات الحاسوبية وغيرها وتعدد تعريفاتها طبقًا "لاختلاف المرجعيات، لكنها تتفق جميعاً في كون هذه الحوسبة تعني تلك الدراسة الدقيقة لمشكلات التوليد والفهم الآلي للغات الإنسانية الطبيعية، أي تحويل عينات ونماذج اللغات الإنسانية إلى تمثيل شكلي صوري يسهّل على برامج الحاسب الآلي تطويعه والتعامل معه. ويرتكز هذا المجال البحثي الدقيق على نظريات الذكاء الاصطناعي وعلم اللغة الحاسوبي وعلم اللغة العام والإعلاميات والرياضيات والمنطق والعلوم المعرفية.[1]

وتقوم حوسبة اللغة على ثلاثة مستويات كالآتي:

Ÿ - Ÿ تقنيات معالجة النُّصوص ( Text Processing ). ومن أمثلتِها: التَّرجمة الآليَّة، والتَّلخيص الآليّ، والتَّنقيب في النُّصوص.

Ÿ - Ÿ تقنيات معالجة الكلام المنطوق ( Speech Processing ) ومن أمثلتِها: التَّعَرُّف الآليّ على الكلام المنطوق، وتحويل النَّصّ المكتوب إلى كلام منطوق.

Ÿ - Ÿ تقنيات مُعالَجة الصُّوَر ( Image Processing ). ومن أمثلتِها: التَّعَرُّف الآليّ على الكتابة (Optical Character Recognition – OCR)[2]

وبعد فإن هناك عديدًا من القضايا المتعلقة بالحوسبة، وما نريد قوله هنا هو إن حوسبة اللغة قضية مثل الأدب الرقمي فهي قطعًا بخلاف رقمنة اللغة وإدخالها في قواعد بيانات إلى الأجهزة فهذا شيء، وهذا شيء آخر .

الأمر الثاني:  إن قضية حوسبة اللغة بالصورة الكاملة مسألة قد تكون غير مكتملة أو ناضجة بالصورة الكاملة، وخصوصًا في ظل لغة كالعربية التي لها طابعها الخاص وتحديدًا اللغة الأدبية، ففارق بين الفعل الإنساني والفعل الآلي، وهذا واضح جليا بين النص العربي وترجمته، وإشكاليات الترجمة التي لا تنحصر الخلافات حولها وخصوصًا الأسلوب؛ إذا كيف تتحول الحوسبة بديلا عن المنتج الأصلي وهو الإنسان، قطعًا الأمر لن يكون بالصورة المثلى .

لأن فكرة الانزياح كما في دلالته اللُّغوية خروج عن المألوف والمعتاد، وتجاوُزٌ للسائد والمتعارف عليه والعادي، وهو في الوقت نفسه إضافةٌ جمالية يمارِسها المُبدِع لنقل تجرِبته الشعورية للمتلقي والتأثير فيه، ومِن ذلك لا يُعَد أيُّ خروج عن المألوف وتجاوُزٍ للسائد وخرقٍ للنظام انزياحًا إلا إذا حقَّق قيمةً جمالية وتعبيرية.[3] فهل التقنية تراعي هذه الأبعاد في عملية الحوسبة ؟ سؤال مطروح للنقاش .

[1]لحسن الكيري :  هل يمكن حوسبة اللغة العربية؟، الميادين نت، الموقع: الرباط، 2كانون الثاني 2017 12:51

[2]  محسن رشوان: مدخل إلى حوسبة اللغة "مقدمة في حوسبة اللغة العربية" مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي، 2019م، ص17

[3]   بوطاهر بوسدر: ظاهرة الانزياح،  22/1/2018 م - 5/5/1439 هـ. شبكة الألوكة ، متاح على الرابط الآتي :

 https://www.alukah.net/literature_language/0/124915/%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A...