من كتاب : " تجربتى فى الابداع " 2008

الإغراء الأخير والرؤية بعيون النساء

الإغراء الأخير

لا أحد يملك الحقيقة كلها.. هذا هو ما يجب أن نؤمن به ،  إذا أردنا أن تنصلح أمورنا ، وأن يتعاون الناس في بلادنا لتغيير الأوضاع التي نعانى منها.

وهي فكرة بديهية ، ومع ذلك يوجد اناس كثيرون ،  يقودهم التعصب لفكرة من الأفكار، أو مذهب من المذاهب، أو دين من الأديان ، إلى نسيان هذه الحقيقة التي بدونها تنتفى إنسانية الإنسان ، وقدرته على التعايش مع منْ يختلف معه في الرأي.

في الأيام الأخيرة قرأت عن فيلم أثار جدلا واسعا في بلاد الغرب.. وهو يعرض تحت اسم "الإغراء الأخير للمسيح". 

والعنوان مأخوذ من الرواية التي بني عليها الفيلم ، والتي نشرت بالاسم نفسه. وهى رواية للكاتب اليوناني " نيكوس کازنتساكيس " مؤلف زوربا اليوناني ، و إعادة صلب المسيح .

انه فيلم يدافع عن فكرة أساسية ، وهي أن نبل المسيح وعظمته ورسالته،  تنبعث كلها من كونه تعرض لكل أنواع الاغراء التي كان يمكن أن يتعرض لها .. ضعف أمامها أحيانا ولكنه قاومها، وتغلب عليها وضحى بالاستقرار وبالسعادة ، ليموت مصلوبا على يد الرومان.  أصر على الدفاع عن المبادئ التي آمن بها، وعن الرسالة الإلهية التى وهـب نفسه لها ، والتي تقول أن الإنسان إنسان أمام ربه ، سواء كان من أقلية الأسياد والأغنياء ، أو من أكثرية  العبيد والفقراء. بأن الظلـم والعبودية حرام.. وبأن الحب والسلام ، يجب الدفاع عنهما حتى الممات. فكانت صيحة مدوية داعية إلى المساواة.

التعصب الديني أصبح ظاهرة فى هذه الأيام حتى في الغرب. ففى يوم ١٥ يوليو الماضى ، أذيع أن الأمريكي "بيل برايت" أحد قادة حركة الحملة الصليبية في سبيل المسيح ،  عرض على شركة "يونيفرسال بكتشيرز" ، أن يشترى منها الفيلم مقابل مبلغ يساوى ثمنها ، مضافا إليه جميع المصاريف الأخرى التي تكبدتها الشركة.. وكان هدفه من ذلك ، الحيلولة دون عرضه على الجماهير. ولكن الشركة ردت على هذا العرض في صفحة إعلان كاملة ،  أوضحت فيها أن حرية الفكر ليست معروضة للبيع.

لقد بذلت بعض الأوساط الدينية ذات الاتجاهات الأصولية ،  والتى تتمتع بنفوذ واسع، وإمكانيات مالية كبيرة قصارى جهودها ،  للضغط على شركات توزيع وعرض الأفلام حتى تحملها على مقاطعة الفيلم، ورفض التعامل فيه مع شركة "يونيفيرسال". وعندما عرض أخيرا في مهرجان البندقية (فينيسيا) ، أصدر مجلس الكنائس الإيطالي بيانا ،  بأن الإغراء الأخير للمسيح فيلم لا يستحق المشاهدة، ودعت الناس إلى الإعراض عن رؤياه.

خلال الشهور الماضية شن عدد من القساوسة ورجال الدين ، حملة على المخرج الأمريكي "مارتين سكورسيزى" ، متهمين إياه بأنه حاول أن يحط من قدر المسيح، وأن ينال من منزلته عند الجماهير المسيحية ، عن طريق التعرض لحياته الخاصة بأسلوب لا يليق بمقامه. فقد تناول مثلا علاقاته بمريم المجدلية ، ومريم من "بيت عانيا" وأختها "مارتا"، وصور بعض مناظر الحب تصويرا بطيئا ، كاشفا فيه عن تكثيف جمالى وحسى وعاطفي ، مما يتنافى مع قداسة حياته. لكن في الوقت نفسه ، نشأت حركة قوية للدفاع عن الفيلم ، كعمل فني رفيع المستوى يعطى تفسيرا ارقى لحياة المسيح، وبالتالى يعمق رسالته الدينية. وأصحاب هذا الاتجاه من الرجال والنساء في الجامعات والمعاهد والأوساط الفنية والعلمية والدينية ، يرون فيه عملا جريئا بالغا الجمال والتأثير على المشاهدين، عملا يرتقى بوعيهم ومشاعرهم ، على عكس ما يدعيه المناهضون للفيلم لأنه يصور الأفكار والخيالات والخواطر التى تمر بذهن المسيح، وعلى الأخص خلال الأربعين دقيقة الأخيرة من حياته ، وهو في شبه غيبوبة يعاني جسده المصلوب العطش والعذاب والآلام الفظيعة. أربعون دقيقة يسترجع فيها مسيرته ، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. يسترجع فيها الاغراءات والعثرات والصراعات المريرة ،  التي استطاع أن يسمو فوقها. إنها الدراما الحقيقية ، والمأساة تزيد من نبل حياته. فبقدر نجاح المخرج "سكورسيسى" في تصوير الاغراءات التي اعترضت طريقه ، بالقدر نفسه استطاع أن يبرز عظمة المسيح، ويجسد النموذج الذي تركه للناس جميعا .

أن الرجل المصلوب فوق الصليب يتخيل نفسه ولمدة لحظات قصيرة ، وهو ينام فى أحضان المرأة التي يحبها.. يتصور نفسه رب أسرة سعيدة يعمل ويمرح فى بيته الصغير .. يتصور نفسه وقد اكتسب منزلة خاصة فى الناصرة ، لأنه أصبح أمهر نجاريها. يتصور السعادة التي افتقدها طويلا .ولكنه مع ذلك يرفض هذه الصورة الوردية ليواصل حتى آخر لحظة ،  ذلـــك الطريق الذي اختاره.. فالفيلم يقول أن عظمة الأنبياء لا تكمن في أنهم ليسوا من البشر .. وإنما فيما يتحملونه من عذاب، في الاغراءات التي يرفضونها من أجل أشياء آمنوا بها، من اجل  السير خطوات جديدة نحو تحرير الإنسان من الظلم والفساد ، وأساسا في قدرتهم على مقاومة الإغراء الأكبر، وهو أن يعرفوا معنى الراحة، وان يعيشوا لحظات السعادة المتاحة للناس العاديين. فالخيرون فى الحياة كثيرون ، والأغلبية الساحقة تختار طريق الخير .  ولكنها فى الوقت نفسه ، تؤثر السلامة .  فإذا ما حدث تعارض بين الاثنين، بين الاستقرار والزواج والأولاد وماديات الحياة ومتعها الصغيرة ، وبين الدفاع عن الخير، عن العدالة والحرية والحق، أى بين السعادة بمعناها اليومى المعتاد ، وبين المبادئ ، صمتوا، وآثروا السلامة. أما الأنبياء، أما أخير الناس وأعظمهم ، فهم يواصلون طريقهم حتى النهاية ، ولو أدى هذا إلى فقدان كل شئ. وكان المسيح ينتمى إلى هذه القلة النادرة ، التي تستطيع أن تدير ظهرها للسعادة وللمتع العادية ،  للاستقرار والراحة وللأمان، لحضن امرأة ويدها تربت عليه.

هذا ما أراد أن يقوله المخرج بوسائله الفنية.. فقد صور المسيح وعظمته ، ليلهم بها الشعوب فى سنين الظلمة ، والردة الطاغية التي نعيشها .  وربما بالإضافة إلى كل هذا ، أراد بجهده الفنى أن يعيد إلى الذاكرة كلمات المسيح الخالدة ضد المتعصبين.

" ولماذا تنظر الى القذى الذى في عين أخيك.. وأما الخشبة التي فى عينك فلا تفطن إليها "

الرؤية بعيون النساء

منذ أيام قليلة رأيت فيلم "محمد خان" الأخير "أحلام هند وكاميليا".. وبعد أن رأيته أحسست أن النقاد ظلموه. ربما لأنهم عجزوا عن إدراك أهم ما فيه.. انه استطاع أن يضيف شيئا هاما وجديدا إلى السينما المصرية.. رؤية يمكنني أن أسميها "رؤية المرأة" لما تعانيه، وتفكر فيه.

ة إذا ما أخذت بمفهومها الشامل مسألة تمس المجتمع من جذوره.

لقد أنتجت أفلام عن مشاكل النساء من قبل، ومنها أفلام أخرجها النساء، ولكن فيلم "محمد خان" مختلف .. إنه يدور حول حياة اثنتين من الشغالات هربتا من أسرتيهما، ويجمعهما العمل فى بيوت أسر الطبقات المتوسطة الحال ،  وأيضا صداقة ، وأحلام .

وإن كان من الصحيح ، أن الفيلم يصور لنا حياة الفئات الهامشية فى الطبقات الدنيا من المجتمع ، فإنه يذهب أبعد من ذلك. فالأفلام التى تتناول هذه الفئات واسعة الانتشار،  تتناولها لأنها تجد فيها معينا لا ينضب ، لمختلف أنواع المشاكل ولكل أنواع الإثارة من جرائم ، وإدمان ودعارة، ومن جنس بمعناه السوقى الفج.

ولكن هناك نوعا أخر من "الجنس" يكشف طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة وتناقضاتها، ويسعى إلى تهذيب الفكر، وتطوير الإحساس في هذا المجال ، الذي يمس أخص ما يوجد في حياة الإنسان .. وهذا هو ما سعى إليه "محمد خان". الجديد هو أنه أراد أن يخرج لنا فيلما عن النساء .. عن المرأة ليس كموضوع ولكن كذات ... ليس كمفعول بها، ولكن كفاعل في الحياة ... وليس عن جسدها، وشيطانيتها، وألاعيبها، أو ضعفها، أو إغرائها للرجال .. أو كأم للأطفال .. أو زوجـــة مظلومة تبكي مرارة الخيانة .. ولكن عن المرأة الإنسان الساعية إلى العمل، والى الاستقلال .. إلى الشرف الذى يأتى من الاعتماد على النفس، ورفض الخضوع لقهر الرجل الذى لا يرى في زوجته سوى شغالة تعمل بلا أجر ،  كما قالت "كاميليا"، وجسدا يشبع فيه الحرمان.

لذلك ليس من قبيل الصدف ، أن الصداقة الحقيقية الوحيدة في هذا الفيلم هي التي قامت بين هاتين المرأتين ، و يطاردهما المجتمع بواسطة رجال من الطبقات الدنيا أو من الفئات المتوسطة التي تعملان كشغالات في بيوتها. المحاولات الوحيدة للبحث عن عمل شريف فى بيع الخضار ،  أو فى "نصبة للشاي" أو في مسح البلاط ، هي المحاولات الدائبة ل"اهند" و "كاميليا" ، تطاردهما الحياة من مكان لمكان. أما الرجال فهم ضحايا للمخدرات، أو تجارها، أو لصوص ، أو صبيان فى السوق السوداء للدولار .

ولذلك عندما تتزوج "هند" من "عيد" بعد أن حملت منه، فإنها تنجب طفلة تسمی "أحلام". طفلة أنثى ترمز إلى الأشياء الغائبة في حياة المرأتين.. هكذا تتكون أسرة "أنثوية" من ثلاثة ،  "هند" و "كاميليا" والبنت الصغيرة. أما "عيد" الزوج، والأب فيظل غائبا خلف القضبان ، بينما تواجه هذه "الأسرة" قسوة الحياة .

و "كاميليا" امرأة جميلة اختارها المخرج ، ربما ليقول لنا أن المرأة المستقلة القادرة على الخوض في أصعب التيارات، ومقاومة الاستسلام لكل صنوف القهر حتى ولو كانت باسم الزواج ، ليست شاذة، وقبيحة، وخالية من الجمال.. وان الأنوثة ليست مرادفة للضعف والاستسلام ، وإنما شرف وعمل، وذكاء. الأنوثة هي أن تكون المرأة إنسان لها كرامة ورقة في الإحساس.. و"كاميليا" قادرة على أن تحب طفلة ليست طفلتها، وان ترعاها وكأنها أمها .. وان تقاوم محاولات "عيد" للاقتراب منها حرصا على صديقتها ، التي تربطها بها علاقة أقوى من كل " إغراء ".

أن فيلم "هند وكاميليا" وليد التغييرات التي شهدتها مصر بين النساء ، وانعكاس لحركة المرأة الصاعدة فى مواجهة الصعاب. هو ليس مفصولا عن مظاهرات النساء في برلين تأييدا لدول العالم الثالث ، ضد البنك الدولى وسياساته.. ولا عن الألعاب الرياضية التوقيعية التى شاركت فيها فتيات من مختلف بلاد العالم،  فحطمن كثيرا مما يقال عن عودة المرأة إلى البيت ، وأثبتن أن جسد الأنثى يمكن أن يكون مصدرا للمتعة الراقية والاعجاز. فالذين شاهدوا هذه الألعاب ،  ارتقت أحاسيسهم إلى أشياء أخرى ، لم تكن على بال الفقهاء الذين لا يرون في المرأة ، سوى جسدا مثيرا ينبغى أن يغطى ، لأنهم عاجزون عن رؤيتها کانسان.

إن هذا الفيلم إبداع فنان ، قادر على رؤية الجديد في حياتنا ،  رغم الردة التي نشهدها هذه الأيام.. قادر على أن يرى بعيون النساء. وهذه الحقيقة تجعلنا ننسى بعض الهنات ، التي لا يخلو منها أي عمل فني ، مهما كانت ميزاته.