Why does society not sympathize with victims of harassment?

قبل أيام قليلة صادفني مقطع فيديو على منصة "فركش TV" تظهر فيه التيكتوكر المصرية أنجي حمادة وهي تتحدث عما تعرضت له في حفلة زميلها المعروف في مواقع التواصل الاجتماعي بـ"كروان مشاكل" من تحرش جماعي، من جموع من الشباب الذكور من الحاضرين يومها للزفاف الذي كان أشهر زفاف في مصر وقتها على مواقع التواصل الاجتماعي لما حدث فيه من فوضى ونهب وتكسير وتجاوزات أخلاقية واجتماعية كالتحرش وإتلاف الممتلكات العامة كحرق سيارة أحد الأفراد وقاعة الأفراح التي احتضنت الحفل. أبدت إنجي في حديثها للمنصة الذي كان محملا برعب حقيقي ما خلفه تدافع العشرات حولها -وما تعرضت له من تجاوز ومحاولات لنهش جسدها- من خوف شديد ورعب ظلا يسكنانها ويتفاقمان كلما استعادت تلك المشاهد ليلتها، بيد أن ما كان أكثر فظاعة من الواقعة نفسها هو ردود الفعل حولها وطريقة التفاعل مع الحادثة، فالمئات من التعليقات على مشاعر أنجي بعد هذه الحادثة لا تتسم بأي نوع من التعاطف ولا الإنسانية بل كانت جلها تعليقات تمثل السعار الجنسي الجماعي بأشنع صوره والسخرية الباردة، وكأن ما حدث ليس اعتداء ولا جريمة يعاقب عليها القانون بل مادة للترفيه والتشفي، وبعد مشاهدتي لما وقع في الحفلة من تجاوز اتجاه السيدات اللواتي حضرن يومها للعرس ومشاهدتي لمقابلة أنجي قبل أيام وقراءتي للتعليقات والمنشورات التي تناولت هذا الموضوع أدركت أننا لسنا بصدد الحديث عن "قلة وعي" أو " تصرفات فردية عابرة" وإنما نحن أمام ظاهرة تستحق المزيد من الدراسة والتأمل، فتحويل ألم النساء - مهما كان تحفظنا كمجتمع على تصرفاتهن أو طريقة حياتهن – إلى فرجة،والجرائم المقترفة في حقهن إلى محتوى ترفيهي والضحايا إلى مواضيع للسخرية لا يمكن أن يتم تجاوزه أو غض الطرف عنه دون طرح سؤال واضح وبصوت عال: "كيف يصل إنسان إلى درجة من التبلد وانعدام الإحساس أن يرى امرأة تقول: تعرضت للتحرش والعنف فيضحك"؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب تفكيكا لوضع المرأة في مجتمعنا العربي، فالمرأة لا ينظر لها كإنسان كامل، ولهذا لا شك يكون جسدها مساحة مباحة؛ مبدئيا للتعليق والتقييم وبعدها للتحرش والانتهاك. لذا لا يفهم الانتهاك كجريمة بل بوصفه نتيجة لشيء ما فعلته هي.

الجسد كحجة: من “فتاة الأتوبيس” إلى "التكراظ"

الواضح أن غياب التعاطف مع السيدات ليس هو وحده السائد، بل التواطؤ شبه الجماعي أيضا على إدانة الضحية، ففي قضية التحرش المعروفة بقضية "فتاة الأتوبيس" في مصر ومنذ أول لحظة أعلنت فيها الفتاة عن صرختها على مواقع التواصل الاجتماعي بتوثيق الحادثة من خلال تصوير الشاب في وسيلة النقل المعروفة ب"الأتوبيس" والذي ظهر فيها رجل كبير في العمر يتجاوز في حق الشابة ويصمها بسبب ملابسها ويستغفر الله من مظهرها، ووصولا إلى باقي المحتجين عليها والمنحازين للشاب الذي كان هو أيضا يحاول التهجم عليها داخل الأتوبيس وبمرأى الجميع، يظهر لنا أنه من اللحظة الأولى لم يسأل ماذا فعل الشاب؟ بل ماذا كانت ترتدي الشابة؟ ولماذا لم تكن "أكثر تحفظا" واختارت الخروج بتلك الملابس والظهور بذلك المظهر؟ ليظهر أن الشابة كانت مدانة منذ البداية بتهمة الجسد. ولم تكن هذه النظرة وهذا الخطاب وليد الأمس لأن هؤلاء يؤمنون تمام الإيمان بأنهم يقومون بواجبهم الديني والأخلاقي وأنهم سيثابون على كل تجاوز وحيونة يمارسونها على الضحية، كون الضحية بالنسبة لهم تستحق ذلك وأكثر؛ نظرا لأنها تظهر بلبس معين أو تتكلم بطريقة معينة، وهذا ليس جديدا ولا غريبا فهؤلاء المعلقون وأغلبهم تربى على مقاطع ومحاضرات وفتاوى لشيوخ لا يتفقون على شيء مثل اتفاقهم على تعليب المرأة وتفسيقها ووصف مفاتنها بحجة ما يجب أن يستر منها وما يجب أن يكشف، وبالتالي بالنسبة لهم المرأة حين تكون سافرة هي من تسببت لنفسها بالتحرش ومن الطبيعي والبديهي عندهم تعرضها له. وهذا هو السبب الذي جعل الكثير من المشاهير وبالتحديد المعروفين بتجاوزهم على النساء يظهرون التعاطف مع الشاب الظاهر في المقطع قبل حتى أن تقول العدالة كلمتها الفصل مثل داعية معروف ومتابع من الملايين والذي كل آرائه مثيرة للجدل وفيها كراهية وتحامل على النساء في الغالب. والسؤال هنا والذي من الضروري طرحه أيضا هو حول ماهية التحرش وعلاقتنا به في والوطن العربي وهل هو متغلغل في ثقافتنا وليس مرتبطا بحادثة بعينها؟ ففي موريتانيا هناك ما يعرف بـ"التكراظ" وهو تقليد اجتماعي يقوم على ذكر محاسن المرأة فظاهريا يبدو الأمر أقرب إلى الإطراء لكنه في عمقه يعكس فكرة أخطر عن قيمة المرأة كونها تقاس بمدى تلقيها لهذا النوع من الانتباه لاعتبار البعض أن المرأة التي لا "يكرظ" عليها حتى وإن كان من رجل غريب لا تعرفه ولا تشعر اتجاهه بأي مشاعر غرامية هي ناقصة جمال وأنوثة كما أشار الباحث والخبير في الشؤون الإفريقية إسماعيل ولد الشيخ سيدي إثر حملة انطلقت قبل فترة على مواقع التواصل الاجتماعي من ناشطات حول ضرورة معاقبة المتحرشين وحماية النساء تلقت رفضا وسيلا من السخرية والاتهام بتقليد الغرب واعتبار التحرش أو "التكراظ" شيء عادي في المجتمع الموريتاني بل وضروري للمرأة، وبهذا يظهر مستوى تعقيد ظاهرة التحرش ضد النساء وتداخل ذلك مع الثقافة المجتمعية.

التحرش المقدس.. حين تترك الضحية وحدها

لا يتوقف الأمر عند الثقافة الاجتماعية بل يتعزز بخطاب ديني يمنح الغطاء لكل هذا؛ ويتمثل ذلك في فتوى لشيخ موريتاني لرجل سأله: هل يترتب عليه إثم حين دعته امرأة وحيدة وهي قريبة له، لينام في منزلها حين شعرت بالخوف من انفلات أمني في منطقتها، وكانت هي في غرفة تُغلق عليها، وهو في غرفة أخرى، وفي الصباح غادر إلى عمله؟ كان سؤال الأخ عن الإثم كونه اختلى بامرأة وحدها، وإن كان كل واحد منهما لم يقترب من الآخر، وكل منهما في غرفة وحده. ليكون رد الشيخ: "بيك النفشه"، وهذه الكلمة الحسانية تعني حرفيا أن أخانا كان غير صائب في تصرفه على رأي الشيخ، فبما أنه اختلى مع السيدة كان عليه، حسب هذا القول، أن يتصرف على نحو مختلف. والمؤسف أن هذه الفتوى تحولت إلى نكتة يُستدل بها على أن خلوة أي رجل بامرأة يجب أن يكون ثالثها الشيطان، ويُفهم من ذلك ربط الأمر بالجنس. وهذه ليست مجرد فتوى أو نكتة عابرة، بل مؤشر فاضح على وعي مشوه يرى في مجرد وجود رجل وامرأة معا دعوة للفعل الجنسي، وما دامت القضية مسيجة بالمقدس وبالتحديد إذا كان متطرفا فليس غريبا أن يتم توظيفه من بعض الأشخاص، فيتخذ ذريعة لتبرير التجاوز ويتصرف أحدهم كما يشاء وحين يلام يُلقي اللوم على لباس الضحية أو شكلها أو أي شماعة أخرى، فتكون هي المعنية والمسؤولة عن انفلاته وجرمه، لقناعته الدينية أن تحرشه ليس جريمة بل رد فعل طبيعي وأكثر من ذلك أيضا قد يعتقد أنه يقوم بواجب أخلاقي. وهنا تحضرني قصة لص من نوع خاص كان في مدينتنا وأنا صغيرة في إشارة إلى أن المرأة لا يتحرش بها في الفضاء العام فقط ولا تتعرض للخطر في الشارع فقط بسبب اللبس أو غيره من شماعات المتحرشين والمدافعين عنهم بل حتى في البيت الذي ومن وجهة نظر المقدس نفسه حسب قراءة البعض يجب أن لا تخرج منه إلا إلى قبرها فقط؛ كما في المقولة الشعبية التي تعكس ثقافة اجتماعية معينة "المرأة من بيتها إلى قبرها" غير آمنة فيه. يلقب اللص بـ"الريصاف" في المدينة وهي كلمة محلية تشير إلى من يدخل البيوت للسطو عليها. كان هذا "الريصاف" ينتهك حرمة البيوت، وينزل من فوق أسوار المنازل أو يكسر مغاليق الأبواب ويدخل، ولم يكن يبحث عن الذهب ولا عن المجوهرات أو أي من الأغراض الأخرى في البيت، وإنما كان هدفه الاعتداء على النساء فقط. كبيرات، صغيرات، أو عجائز لا يهمه، فالمهم عنده امرأة. وكانت أمي تخاف علينا منه في تلك المدينة التي كنا بسبب شدة الحر فيها صيفا نضطر للمبيت في فناء البيت حتى لا نذوب داخل غرفة النوم، ولم تكن أمي تنام لياليها بسبب القصص التي كنا نسمعها كل يوم عن جرائمه.

إذن المرأة حتى في البيت تشعر بالخوف والملاحقة وليس فقط من اللصوص، بل قد يكون الخطر أحيانا من داخل الدائرة الضيقة؛ وقصص الطفلات اللاتي يتعرضن للاعتداء من رجال العائلة مؤلمة ولا تُحصى.

لماذا عدم التعاطف؟

في حديثها لعرب بوك عن ظاهرة غياب التعاطف المجتمعي مع ضحايا التحرش، قدّمت مكفولة إبراهيم، رئيسة منظمة "من أجل موريتانيا خضراء وديمقراطية"، رؤية تكشف عمق الإشكال الاجتماعي والثقافي المرتبط بهذه القضية.

وأجابت مكفولة على سؤال لماذا لا يتعاطف المجتمع مع ضحايا التحرش بقولها: "إن المتحرش بهن لا يجدن التعاطف نظرا لأن المجتمع يعتبر أن الرجل يحق له كل شيء ومن ضمن ذلك التعرض للنساء بالشارع وحتى في البيت" فحسب زعمها "تتم محاسبة ضحية التحرش من المجتمع فقط لكونها كانت متواجدة في خارج البيت مثلا، فالمرأة أصلا هي البلاء في المجتمعات العربية بختم التفاسير الدينية والأعراف الاجتماعية".

وأضافت مكفولة أن تداول مفاهيم وأمثال شعبية مثل "في البحر عجب وفي النساء عجبان" "وما نزل بلاء من السماء إلا وسببه النساء" يعكس بوضوح أن المجتمع في الأصل يحكم على المرأة بأنها هي المذنبة مهما اقتُرف في حقها، مشيرة إلى أن "قلة التعاطف تمثل ظلما آخر تعانيه الضحايا من النساء، حيث يتم تبرير ذلك بكل سهولة بأن المرأة هي السبب، وهي عقلية متجذرة في المجتمع العربي بصفة عامة لأن شعوبه متشربة من ذات المشارب".

إن التعاطف المجتمعي مع ضحايا التحرش لا يتم نظرا لأن المجتمع لم يحسم موقفه بعد حول حقوق المرأة كونها إنسان كامل الحقوق لا كائن مشروط القبول، لذا لا يكون التعاطف هنا مسألة مشاعر بل اعتراف بأن ما حدث جريمة وبأن المرأة غير مسؤولة عنها وأن الجاني أيا كان يجب أن يحاسب، ويعني هذا إعادة النظر في كثير من المسلمات بدءا بالخطاب الديني والعادات، وفي التربية وطريقة فهمنا للعلاقة بين الرجل والمرأة، ولهذا التعاطف في حد ذاته مكلف لأنه اعتراف للمرأة بحقوقها وهو أذان بتقنين معاملتها سواء في الفضاء العام أو داخل البيت، ولأن المجتمع العربي يخاف من الاعتراف بحقوق المرأة يختار الطريق الأسهل، أي طريق إنكار الألم واتهام الضحية.