The Kite

في ظهيرة احد أيام أواخر  شهر أيار , جلس الطفل على تلة خالية من الاشجار تغطيها بقايا حشائش الربيع المتيبسة , مديراً ظهره الى المدينة الميتة التي يتكرر فيها كل شيء بلا حياة . شرع بيديه الصغيرتين بصنع طائرة ورقية من ورقة كبيرة , و قام برسم خارطة وطن على جناحي الطائرة , وطناً لم يعش فيه قط , ولكن احتفظ بتفاصيله الدقيقة التي تمنَاها في مخيلته , رسم فيها قرية تنام مبكرا  في أرجوحة من الهدوء و تصحو على زقزقة العصافير , و رسم فيها بيوتاً , و دروبا , و جداولا , و وزَع عليها الواناً تشبه حنينه  و أحلامه الطفولية , لوَن التراب , لوَن السماء الصافية التي طالما حلم بها في ليالي الغربة . لم تكن الطائرة مجرد لعبة , بل كانت له سفينة تحمل في أشرعتها صفقات أجنحة الطيور و وشوشة فراشات مهاجرة و خفقات قلبه الصغير . رفع الطائرة نحو السماء و الرياح تلعب برفق بأوراقها الرقيقة . بدأت الطائرة تصعد , تصعد في عمق السماء اللامتناهية , و مع كل ارتفاع كانت خطوط الخارطة تتلاشى و تتبدد بين الغيوم . كان يتابعها بعينيه المبللتين و هي تختفي عن الأنظار , شعر و كأنً وطنه يغادره . ظل واقفاً في صمت عميق , تتلاطم في ذهنه موجات الذكريات , وجه الجد المليء بالحكايات , ابتسامة الأم التي كانت تشبه دفء الشمس , ضحكات و صيحات الاصدقاء و هم يركضون في الأزقة الضيقة التي لم تعد موجودة . كانت الوجوه ترتسم أمامه كلوحات محاطة بضباب الفقدان و الغياب . في تلك اللحظة شعر بثقل الغربة يعصر كيانه . وطن لم يُفقد من الأرض فحسب , بل من الذاكرة و من الروح . حدَق صامتاً في السماء متمنياً أن تعود الطائرة يوماً ما حاملة وطنه , وطن لا تتغيب عن أرضه الشمس و لا تتلاشى فيه الوجوه .

*  شاعر و قاص عراقي كوردي