صانع الطائرات الورقية قصة : روسكين بوند
ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم
لم يكن هناك سوى شجرة واحدة في الشارع تسمى جالي رام ناث - وهي شجرة بانيان قديمة نمت خلال شقوق مسجد مهجور - وسقطت طائرة علي الصغيرة الورقية في أغصانها. كان الصبي حافي القدمين ولا يرتدي سوى قميص ممزق، يركض على طول الشارع الضيق المرصوف بالحصى إلى حيث كان يجلس جده، ويومئ برأسه حالمًا تحت أشعة الشمس في الفناء الخلفي لمنزلهم.
بكى الصبي:
- جدى . لقد اختفت طائرتي الورقية!
استيقظ الرجل العجوز من أحلام اليقظة ورفع رأسه وأظهر لحية كانت ستصبح بيضاء لولا صبغها باللون الأحمر بأوراق الحناء.
سأل:
- هل انقطع الخيط؟ أعلم أن خيوط الطائرة الورقية لم تعد كما كانت من قبل.
- لا يا جدي، الطائرة الورقية عالقة في شجرة البانيان.
ضحك الرجل العجوز:
- لم تتعلم بعد كيف تطير طائرة ورقية بشكل صحيح، يا طفلي. وأنا أكبر من أن أعلمك، وهذا أمر مؤسف. ولكن يجب أن يكون لديك طائرة جديدة .
كان قد انتهى للتو من صنع طائرة ورقية جديدة من الخيزران والورق والحرير الرقيق، وكانت ترقد في الشمس وتتماسك. كانت طائرة ورقية وردية شاحبة، وذيلها أخضر صغير. سلمها الرجل العجوز إلى علي، وعند ذلك وقف الصبي على أطراف أصابعه وقبل خد جده.
وقال:
- لن أخسر هذه وسوف تطيرهذه الطائرة الورقية مثل الحمامة.
ثم استدار على كعبيه وخرج من الفناء.
بقي الرجل العجوز يحلم في الشمس. اختفى دكان الطائرات الورقية الخاص به وتم بيع المكان منذ فترة طويلة لتاجر خردة؛ لكنه ما زال يصنع الطائرات الورقية للترفيه عن نفسه ولصالح حفيده علي. لم يشتر الكثير من الناس الطائرات الورقية هذه الأيام. كان الكبار يحتقرونها ويفضل الأطفال إنفاق أموالهم على السينما. أيضًا، لم يكن هناك الكثير من المساحات المفتوحة لتطيير الطائرات الورقية. لقد ابتلعت المدينة الأراضي العشبية المفتوحة التي امتدت من أسوار الحصن القديم إلى ضفة النهر.
لكن الرجل العجوز تذكر الوقت الذي كان فيه الرجال الكبار يطلقون الطائرات الورقية وتدور معارك كبيرة، حيث تنحرف الطائرات الورقية و تتأرجح عبر السماء، وتتشابك مع بعضها البعض حتى ينقطع خيط إحداها. ثم تطفو الطائرة الورقية المهزومة ولكن المحررة تعلو بعيدًا في المجهول الأزرق. كان هناك الكثير من المراهنة وتم تداول الأموال بشكل متكرر .
وكان الطيران بالطائرات الورقية رياضة الملوك آنذاك، وتذكر الرجل العجوز كيف كان النواب نفسه ينزلون مع حاشيتهم إلى ضفة النهر للمشاركة في هذه الهواية النبيلة. وهكذا كان هناك وقت لقضاء ساعة من الخمول مع شريط من الورق مرح يرقص. الآن سارع الجميع، في حرارة الأمل، وداست الأقدام الأشياء الهشة مثل الطائرات الورقية وأحلام اليقظة .
كان صانع الطائرات الورقية محمود، في ذروة شبابه، معروفًا في جميع أنحاء المدينة. حيث بيعت بعض طائراته الورقية الأكثر جمالا ودقة فى الصنع ذات مرة مقابل ما يصل إلى ثلاث أو أربع روبيات للواحدة .
بناءً على طلب النواب، قام ذات مرة بصنع طائرة ورقية من نوع خاص جدًا، على عكس أي طائرة ورقية شوهدت في المنطقة. كان يتألف من سلسلة من الأقراص الورقية الصغيرة والخفيفة جدًا التي تتدلى على إطار رفيع من الخيزران. وفي نهاية كل قرص ثبت غصنًا من العشب، مشكلًا توازنًا على كلا الجانبين. كان سطح القرص الأول محدبًا قليلاً، وقد تم رسم وجه رائع عليه، له عينان مصنوعتان من مرايا صغيرة. اتخذت الأقراص، التي يتناقص حجمها من الرأس إلى الذيل، شكلًا متموجًا وأعطت الطائرة الورقية مظهر الثعبان الزاحف. لقد تطلب الأمر مهارة كبيرة لرفع هذا الجهاز الضخم عن الأرض، ولم يتمكن سوى محمود من التعامل معه.
لقد سمع الجميع عن "طائرة التنين الورقية" التي بناها محمود، وانتشرت شائعات بأنها تمتلك قوى خارقة للطبيعة. وتجمع حشد كبير في العراء لمشاهدة أول إطلاق علني لها بحضور النواب.
في المحاولة الأولى، رفضت مغادرة الأرض. أصدرت الأقراص صوتًا متذمرًا ومحتجًا، والتقطت الشمس في المرايا الصغيرة، فجعلت الطائرة الورقية كائنًا حيًا متذمرًا. ثم جاءت الريح من الاتجاه الصحيح، وحلقت طائرة التنين الورقية في السماء، وتأرجحت أعلى فأعلى. ولا تزال الشمس تتلألأ في عينيها الشيطانيتين. وعندما ارتفع كثيرًا، كان محمود يشد الخيوط بشدة، وكان على أبنائه الصغار مساعدته في استخدام البكرة. ومع ذلك، استمرت الطائرة الورقية في المضي قدمًا، وهي مصممة على أن تكون حرة، وأن تتحرر، وأن تعيش حياتها الخاصة. وفي النهاية فعلت ذلك .
انقطع الخيط، وقفزت الطائرة الورقية بعيدًا نحو الشمس، وأبحرت نحو السماء حتى غابت عن الأنظار. لم يتم العثور عليها مرة أخرى أبدًا، وتساءل محمود بعد ذلك عما إذا كان قد صنع شيئًا حيويًا للغاية من الطائرة الورقية الكبيرة. ولم يصنع آخر مثله. وبدلاً من ذلك قدم لنواب طائرة ورقية موسيقية، تصدر صوتًا مثل صوت الكمان عندما ترتفع في الهواء.
كانت تلك أيامًا أكثر راحة واتساعًا. لكن نواب (لقب سياسى) مات منذ سنوات، وكان نسله فقراء مثل محمود نفسه تقريبًا. كان لصانعي الطائرات الورقية، مثل الشعراء، رعاتهم ذات يوم؛ لكن الآن لم يعد أحد يعرف محمود، وذلك ببساطة لأن هناك الكثير من الناس في جالي، ولا يمكن إزعاجهم بجيرانهم.
عندما كان محمود أصغر سناً ومرض، جاء كل من في الحي للسؤال عن صحته؛ ولكن الآن، وقد شارفت أيامه على الانتهاء، لم يزره أحد. لقد مات معظم أصدقائه القدامى وكبر أبناؤه: كان أحدهما يعمل في مرآب محلي والآخر، الذي كان في باكستان وقت التقسيم، لم يتمكن من العودة إلى أهله.
الأطفال الذين اشتروا له طائرات ورقية قبل عشر سنوات أصبحوا الآن رجالًا بالغين يكافحون من أجل كسب لقمة العيش؛ لم يكن لديهم وقت للرجل العجوز وذكرياته. لقد نشأوا في عالم تنافسي وسريع التغير، ونظروا إلى الطائرة الورقية القديمة وشجرة البانيان بنفس القدر من اللامبالاة.
تم اعتبار كلاهما أمرا مفروغا منه: منشآت دائمة لا تهم الكتلة البشرية الصاخبة المتعرقة التي تحيط بها. لم يعد الناس يتجمعون تحت شجرة بانيان لمناقشة مشاكلهم وخططهم. فقط في أشهر الصيف، كان عدد قليل منهم يبحث عن مأوى من أشعة الشمس الحارقة.
ولكن كان هناك الصبي، حفيده. كان من الجيد أن يعمل ابن محمود بالقرب منه، لأنه كان يسعد قلب الرجل العجوز أن يشاهد الصبي الصغير يلعب تحت أشعة الشمس الشتوية، وينمو تحت عينيه مثل شجيرة صغيرة جيدة التغذية تطرح أوراقًا جديدة كل يوم. هناك تقارب كبير بين الأشجار والرجال. نحن ننمو بنفس الوتيرة تقريبًا، إذا لم نتأذى أو نتضور جوعًا أو نتعرض للمرض. في شبابنا نحن مخلوقات متألقة، وفي سنواتنا المتدهورة ننحني قليلاً، نتذكر، نمد أطرافنا الهشة في الشمس، ثم، مع تنهيدة، نسقط آخر أوراقنا.
كان محمود مثل شجرة البانيان، ويداه الملتويتان مثل جذور الشجرة القديمة. كان علي مثل زهرة الميموزا الصغيرة المزروعة في الجزء الخلفي من الفناء. وفي غضون عامين، سيكتسب هو والشجرة قوة وثقة شبابهما المبكر.
تراجعت الأصوات في الشارع، وتساءل محمود عما إذا كان سينام ويحلم، كما كان يفعل كثيرًا، بطائرة ورقية جميلة جدًا وقوية لدرجة أنها تشبه طائر الهندوس الأبيض الكبير - جارودا، طائر الإله فيشنو. جواد مشهور. إنه يرغب في صنع طائرة ورقية جديدة رائعة لعلي الصغير. ولم يكن لديه شيء آخر ليترك الصبي.
سمع صوت علي من بعيد، لكنه لم يدرك أن الصبي يناديه. بدا الصوت وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا.
كان علي عند باب الفناء يسأل إذا كانت والدته قد عادت من السوق بعد. وعندما لم يجب محمود، تقدم الصبي مكررًا سؤاله. كان ضوء الشمس يميل عبر رأس الرجل العجوز، واستراحت فراشة بيضاء صغيرة على لحيته الهائشة. كان محمود صامتا. وعندما وضع علي يده البنية الصغيرة على كتف الرجل العجوز، لم يلق أي رد. سمع الصبي صوتًا خافتًا، مثل صوت فرك الرخام في جيبه.
وفجأة، شعر علي بالخوف، والتفت واتجه نحو الباب، ثم ركض في الشارع وهو يصرخ مناديا والدته. تركت الفراشة لحية الرجل العجوز وطارت نحو الميموزا، وهبت ريح مفاجئة أمسكت بالطائرة الورقية الممزقة ورفعتها في الهواء، حاملة إياها عالياً فوق المدينة المتعثرة في السماء الزرقاء العمياء.
(تمت)
المؤلف : روسكين بوند/ Ruskin Bond (من مواليد 19 مايو 1934) مؤلف هندي. نُشرت روايته الأولى "الغرفة على السطح" عام 1956، وحصلت على جائزة جون لويلين ريس عام 1957. ألف بوند أكثر من 500 قصة قصيرة ومقالة ورواية تتضمن 69 كتابًا للأطفال...