قراءة في كتاب «أيّ يهودية في الجزيرة العربية؟» للمستشرق والمؤرخ الفرنسي كريستيان جوليان روبان
اقترح روبان أن اليهودية في الجزيرة العربية ربما كانت إحدى هذه الصيغ المتعددة التي تطورت في بيئة ثقافية مختلفة وبعيدة عن مراكز اليهودية التقليدية.
ينطلق روبان من ملاحظة أساسية مفادها أن هناك مصادر تاريخية تتحدث عن وجود يهود في الجزيرة العربية، لكن طبيعة هذه اليهودية ليست واضحة تمامًا.
النقوش المكتشفة لم تقدم صورة كاملة عن طبيعة اليهودية في اليمن. فبعض الباحثين يرى أن ما ظهر في حمير لم يكن يهودية ربانية كاملة، ربما تكون شكلًا محليًا من التوحيد أوالمسيحية تأثرت باليهودية.
يُعد كتاب «أيّ يهودية في الجزيرة العربية؟» للمؤرخ الفرنسي كريستيان جوليان روبان، واحدًا من الأعمال المهمة جدًا في الدراسات الحديثة التي تعيد النظر في تاريخ اليهودية في الجزيرة العربية قبل الإسلام . ويأتي هذا الكتاب في سياق تطور كبير شهدته الدراسات الأثرية والنقشية في العقود الأخيرة، حيث أدت الاكتشافات الجديدة إلى إعادة تقييم كثير من التصورات التقليدية حول الحياة الدينية في الجزيرة العربية قبل القرن السابع الميلادي.
نشأ هذا العمل أساسًا من مؤتمر علمي نظمّه روبان في القدس سنة 2005 بمشاركة عدد من الباحثين المتخصصين في تاريخ الأديان والدراسات السامية وعلم الآثار. وكان الهدف من المؤتمر هو جمع المعطيات الجديدة المتعلقة باليهودية في الجزيرة العربية ومناقشتها في ضوء النقوش الأثرية المكتشفة والتي بلغت ئة نقش في زمن انعقاد . وبعد سنوات من العمل والمراجعة صدر الكتاب في عام 2015 ليقدم حصيلة هذه الأبحاث والنقاشات العلمية.
يمثل هذا الكتاب أحدى المحاولات الجادة لفهم سؤال أساسي ظل يثير اهتمام المؤرخين:
ما طبيعة اليهودية التي كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل الإسلام؟
جهود روبان في دراسة تاريخ اليمن والجزيرة العربية
قبل الدخول في مضمون الكتاب، من المهم الإشارة إلى المكانة العلمية للمؤلف. فقد كرّس كريستيان جوليان روبان جزءًا كبيرًا من حياته الأكاديمية لدراسة تاريخ اليمن القديم والنقوش العربية الجنوبية. وهو من أبرز المتخصصين في النقوش السبئية والحميرية التي تعود إلى الممالك القديمة في جنوب الجزيرة العربية.
عمل روبان لسنوات طويلة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس، كما ارتبط علميًا بمؤسسات أكاديمية مرموقة مثل أكاديمية النقوش والآداب الجميلة ومختبر الدراسات السامية القديمة المرتبط بـ كوليج دو فرانس. وقد شارك في عدد كبير من البعثات الأثرية والدراسات النقشية التي أسهمت في إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم.
ومن خلال هذه الأبحاث اكتشف الباحثون عشرات النقوش التي تقدم معلومات جديدة عن الحياة الدينية في اليمن قبل الإسلام، ومنها إشارات متعددة إلى التوحيد واليهودية أو المسيحية.
السؤال المركزي للكتاب
ينطلق روبان من ملاحظة أساسية مفادها أن هناك مصادر تاريخية تتحدث عن وجود يهود في الجزيرة العربية، لكن طبيعة هذه اليهودية ليست واضحة تمامًا. فالمصادر الإسلامية تشير إلى وجود قبائل يهودية في الحجاز، مثل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع في المدينة المنورة، إضافة إلى وجود جماعات يهودية في مناطق أخرى مثل خيبر.
غير أن المشكلة التي يطرحها الكتاب هي قلة وضعف الأدلة الأثرية المادية التي تؤكد وجود هذه الجماعات في الحجاز وربما يتم اكتشاف أدلة قوية مستقبلاً. فحتى الآن لم يُعثر على آثار معمارية أو نقوش واضحة يمكن أن تُنسب مباشرة إلى هذه القبائل اليهودية التي تذكرها المصادر الإسلامية.
كما أن التراث اليهودي نفسه لم يقدم معلومات واضحة عن هذه الجماعات. فالنصوص التلمودية والكتابات اليهودية القديمة تكاد لم تذكر وجود يهود في الجزيرة العربية، وهو أمر يثير تساؤلات عديدة لدى الباحثين.
غياب يهود الجزيرة العربية في التراث اليهودي
يشير روبان إلى مفارقة لافتة للنظر:
على الرغم من أن الجزيرة العربية قريبة جغرافيًا من العراق وفلسطين، وهما مركزان مهمان للحياة اليهودية في العصور القديمة، فإن التراث اليهودي الرباني لم يتحدث تقريبًا عن جماعات يهودية في الجزيرة العربية.
ولم يظهر ذكر واضح لهذه الجماعات إلا في إشارات قليلة ومتأخرة نسبيًا، مثل الرسائل التي تبادلها بعض علماء اليهود في بابل مع جماعات يهودية في مناطق قريبة من الجزيرة العربية في القرون الوسطى.
وقد دفع هذا الغياب بعض الباحثين إلى طرح عدة فرضيات، منها أن اليهودية في الجزيرة العربية ربما كانت يهودية مختلفة عن اليهودية الربانية المعروفة في العراق وفلسطين.
النقوش الأثرية في اليمن
في مقابل ضعف الأدلة الأثرية في الحجاز، تم العثور على نقوش كثيرة في جنوب الجزيرة العربية، وبخاصة اليمن، فهي منطقة غنية بالمصادر الأثرية. فقد اكتُشف في اليمن أكثر من مئة نقش قديم تشير إلى وجود جماعات توحيدية متأثرة باليهودية.
تعود هذه النقوش إلى مملكة حمير التي ازدهرت في اليمن خلال القرون الأولى للميلاد. وتذكر بعض هذه النقوش اسم الإله «رحمنان»، وهو لقب يعني «الرحمن»، ويشير إلى إله واحد متعالٍ. ويرى عدد من الباحثين أن هذه الصيغة عكست تأثرًا واضحًا باليهودية وبعضهم أكد بأنها يهودية.
لكن هذه النقوش المكتشفة لم تقدم صورة كاملة عن طبيعة اليهودية في اليمن. فبعض الباحثين يرى أن ما ظهر في حمير لم يكن يهودية ربانية كاملة، ربما تكون شكلًا محليًا من التوحيد والمسيحية تأثرت باليهودية.
قضية الملك الحميري ذي نواس
من أكثر القضايا التي يناقشها الكتاب إثارة للجدل قصة الملك الحميري يوسف أسأر، المعروف في المصادر العربية باسم ذو نواس. وتذكر المصادر البيزنطية والسريانية أن هذا الملك اعتنق اليهودية وقام في عام 523م باضطهاد المسيحيين في مدينة نجران، وهو الحدث المعروف في القرآن والتراث الإسلامي باسم قصة أصحاب الأخدود.
غير أن بعض الباحثين المعاصرين مايزالون يشككون في هذه الرواية، ويرون أن المصادر التي نقلت هذه القصة قد تكون متأثرة بالصراعات الدينية في تلك الفترة. وقد ذهب بعض الباحثين في القرن التاسع عشر إلى إنكار وجود ملك يهودي في حمير، معتبرين أن وصف «اليهود» في هذه الروايات قد يكون مجرد تسمية جدلية استخدمها خصوم سياسيون أو دينيون.
ومع ذلك فإن الاكتشافات الأثرية الحديثة تشير إلى أن التوحيد المتأثر باليهودية كان بالفعل حاضرًا في مملكة حمير، وإن كان من الصعب تحديد طبيعته بدقة.
تنوع اليهودية في العصور القديمة
يعتمد روبان في تحليله على فكرة مهمة في الدراسات الحديثة، وهي أن اليهودية في العصور القديمة لم تكن دينًا موحدًا بالكامل. ففي فترة الهيكل الثاني كانت هناك تيارات دينية متعددة داخل اليهودية، مثل الفريسيين والصدوقيين والأسينيين والغيورين.
وقد استمرت هذه التعددية في العصور اللاحقة، مما يعني أن اليهودية التي ظهرت في مناطق مختلفة من العالم القديم قد تكون اتخذت أشكالًا متنوعة.
وفي هذا السياق اقترح روبان أن اليهودية في الجزيرة العربية ربما كانت إحدى هذه الصيغ المتعددة التي تطورت في بيئة ثقافية مختلفة وبعيدة عن مراكز اليهودية التقليدية.
إعادة تقييم الروايات التاريخية
يشدد الكتاب على ضرورة التعامل بحذر مع المصادر التاريخية المتعلقة بهذه الفترة. فالروايات البيزنطية والسريانية والعربية الإسلامية كتبت في سياقات دينية وسياسية معينة ومختلفة، وقد عكست أحيانًا وجهات نظر خاصة أو أهدافًا جدلية أو لأغراض سياسية.
لذلك يقترح روبان الاعتماد بدرجة أكبر على الأدلة الأثرية والنقوش ومتابعة التنقيب عن الآثار وتطوير دراستها وتحليلها، لأنها تمثل شهادات مباشرة من العصر نفسه.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يقدم لنا رؤية جديدة لتاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويبين أن الحياة الدينية في المنطقة كانت أكثر تعقيدًا مما تصوره الكثير من الدراسات القديمة.
فبدل الصورة التقليدية التي ترى الجزيرة العربية مجتمعًا وثنيًا بسيطًا، تُظهر بعض الأبحاث الحديثة جدًا وجود تعدد ديني واضح شمل اليهودية والمسيحية وأنواعًا مختلفة من التوحيد.
كما أن هذا الكتاب يساهم في توضيح الخلفية الدينية التي ظهر فيها الإسلام، دون أن يحاول اختزال هذا الظهور في تأثير ديني واحد.
خلاصة
يقدم كتاب «أيّ يهودية في الجزيرة العربية؟» جهدًا ومحاولة علمية لإعادة فهم تاريخ اليهودية في الجزيرة العربية في ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة. ومن خلال الجمع بين دراسة النقوش وتحليل المصادر التاريخية المختلفة، سعى وحاول المستشرق والباحث الفرنسي البروفيسور كريستيان جوليان روبان إلى الإجابة عن سؤال معقد يتعلق بطبيعة اليهودية في المنطقة.
ويظهر من خلال هذه الدراسة أن اليهودية في الجزيرة العربية لم تكن ظاهرة بسيطة أو موحدة،لكنها كانت جزءًا من مشهد ديني متنوع تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل الثقافي والديني في الشرق الأدنى القديم.
وبذلك يفتح هذا الكتاب بابًا واسعًا أمام المزيد من الدراسات التي يمكن أن تسهم في المستقبل في فهم أعمق لتاريخ الجزيرة العربية والأديان التي ازدهرت فيها قبل الإسلام.