في كل صباح , تصل نسرين الى موقف الحافلات قبل الجميع , لا لأنها على عجل , بل لأنها اعتادت أن تسبق الزمن بخطوة , و كأنها تبحث عن لحظة صافية قبل زحام اليوم .
تركب الحافلة رقم 18 , و تتجه مباشرة الى مقعدها الثابت , قرب النافذة . من هناك تراقب الحياة و هي تمضي خارج الزجاج , مشاهد صامتة تتكرر دون ان تصيبها بالملل . بل كانت ترتاح لذلك التكرار .
خمسة أعوام مرت على غياب زوجها , دون موت مؤكد , و لا خبر . حرب أخذته و لم تعده .
في البداية , كانت تتشبث بالأمل , ثم صارت تتشبث بالصمت , و من ثم اعتادت على انتظار لا يحمل رجعة .
ذات صباح بارد , حين كانت تتابع بعينها ما وراء زجاج النافذة , صعد رجل في خريف العمر الى الحافلة . مظهره بسيط , كان يحمل ملامح رجل أنهكته الحياة دون أن تهزمه .
جلس امامها , لم ينظر اليها , بل الى الخارج .
في البداية لم تنتبه اليه الا كغريب جديد , لكنها لاحظت و بدافع الفضول انه لا ينظر الى الركاب , و لا مهتماَ بما يجري داخل الحافلة , بل ينظر بصمت الى خارج الحافلة .
مر اسبوع , ثم آخر , و الرجل يظهر دائماَ في التوقيت ذاته .
لم يتكلما , ولكن لم يعد بالنسبة اليها غريباَ كما كان . كان هناك شيء بينهما , شيء لا يُرى و لا يفسر .
و ذات يوم , حين توقفت الحافلة فجأة , تمايل جسداهما في اتجاه واحد , و تلاقى نظرهما في ومضة خاطفة . نظرة واحدة فقط , لكنها كانت مثل نسمة ناعمة مرت على صفحة ماء راكد .
كانا يتحدثان بين حين و آخر و في كل يوم بلغة تفهمها القلوب , دون كلمات .
حل الشتاء , و تحولت الأحاديث من العيون الى صمت مشترك له مذاق غريب , صمت يقال فيه ما لا يقال .
صارت الحافلة بالنسبة لها موعداَ يومياَ , مع احتمال جديد , مع شخص يعيد ترتيب أنفاسها .
في أحد الصباحات , صعدت لتجده جالساَ يسبقها . حين جلست التفت نحوها و قال لاول مرة بصوت خفيض : - " الحافلة بدونك تصبح باردة " .
كانت جملة عادية , لكنها أربكت نبضها , و أحست بشيء يتحرك في صدرها , شيء يشبه الحياة .
في صباح آخر , أخرج من معطفه ورقة صغيرة , طويت بعناية , و مدها اليها بصمت .
فتحتها بتردد و قرأت : " أنا لا أعرفك , لكن قلبي يذكرك ".
ارتبكت , لم ترد . لكنها احتفظت بالورقة , كمن يخفي شيئاَ ممنوعاَ .
مضت الأيام , و بدأت الأبتسامة تزور عينيها في الصباح , و أصبح للأيام نكهة أخرى .
صار يحمل غصن ياسمين أحياناَ و يضعه قرب مقعدها دون أن يتكلم . و صارت حين تنزل من الحافلة , تشعر بأن شيئاَ خفيفاَ يتبعها .. كالحنين , أو الود دون موعد .
غاب عن الحافلة يوماَ . شعرت بأرتجافة باردة , كأن الغياب يعيد نفسه من جديد . جلست مكانها , لكن العالم بات باهتاَ , شيء ما قد فُقد .
في اليوم التالي , انتظرته , و لم يأت . و في الثالث , صعد فجأة من باب الحافلة الخلفي , اقترب منها و همس : " اردتُ أن أراك حين لا تتوقعينني , لأتأكد أنك تنتظرينني فعلاَ ".
كانت الكلمات مثل الدفء يفكك طبقات الجليد . ابتسمت . لم تتكلم .
مرت أيام , و ذات صباح , كانت الحافلة تقترب من محطتها الأخيرة , كان هو واقفاَ عند الباب , يحمل غصن ياسمين , مده نحوها بهدوء , بلا وعود , ولكن بشيء من الأطمئنان .
شعرت أن قلبها يطرق صدرها . نهضت ببطء و سارت نحوه , و خرجت معه . لم يكن ذلك نزولاَ من الحافلة , بل صعوداَ الى شيء جديد , ربما الى بداية تأخرت . و ادركت ان الحب لا يعود كما كان , بل يعود أجمل مما كان .