وفى مكتبة شبرا الصغيرة ،بالدوران خلف سينما الأمير والتى تحولت الأن لمول كبير،بالقاهرة،تعلمت جلال القراءة.تعلمت كل ماكان ينقصنى..من الجلوس الطويل، والصمت العميق. وكيف أنسى الدنيا ومافيها، والزمن، وهمومى فمكتبة شبرا فيلا صغيرة تحت عمارة بثلاث ادوار- ولها مدخل خاص وبها حديقة جميلة، وعلى مدخلها رخامة كتب عليها:
إذا الهموم نزلن منك ولم تجد أنساً،ومل فؤادكٌ الأحبابا
فاعمد إلى الكتبِ التى قد ضَمت أوراقها الأشعارُ والآدَبَ
ودخلت حديقة المكتبة،واعجبت بالمكان، والهدوء، والنظام، والسكون ووجه امينة المكتبة المشرق "مؤنسة الدويك" اسم على مسمى. كانت مؤنسة وجميلة ومشرقة وسمعت منها وهى تحدث رواد المكتبة هذا الكلام :( بالطبع نحن نحتاج إلى الكتب التى تقوم بتغيير مصائرنا،أو كما يقول "كافكا" إلى الكتب الى تعضنا وتوخزنا.ولكن لا توجد وصفة للوصول المباشر لهذه الكتب أنها تصادفك، تتعثر فيها.) كانت ترد على سؤال فلسفى بسيط عميق نردده دوما هو [ماذا نقرأ؟]..
وتمسكت بالكتب صديقا ومعلما،معلقا بصدفة كتاب اتعثر فى علمه. فأهم مافى القراءة ليس المتعة،وهى موجودة.وليس اللذة وهى موجودة ولا التسلية وهى موجودة،وإنما المعرفة والاستغراق فيها الذى ينسيك ماحولك ومافى داخلك ويغيرك ويعرفك.. وادركت "مؤنسة الدويك" فلسفة المكتبة العامة أنها ترى المكتبة أعظم المرافق التى هيأتها الدولة للناس بهدف أن تخرج مواطن قارىء،وهى تعرف أنه ليس فى استطاعة أحد أن يشترى كل أو بعض الكتب وحتى لو استطاع ففى المكتبة مزايا وضرورات آخرى: الهدوء، والصمت والتفرغ، وفوق ذلك نسيان غريزة الملكية..
ولذا حين قرأت "مؤنسة الدويك" عن (ظهور"موشى ديان" بالتليفزيون الإنجليزى وكيف سأله المذيع عن الخطة التى اتبعها مع المصريين فى 1967؟! فقال وهو يضحك: هى نفس الخطه التى حاربتهم بها فى 1956! واستغرب المذيع فالخطة منشورة فى كتاب عام1960 هو "مذكرات حملة سيناء - 56".. ورد موشى دايان: لا لم اخش شيىء..لأن العرب لا يقرأون!)..
وتحركت "مؤنسة الدويك" وصنعت حملة بأسم (لايهزم شعب يقرأ) وحولت المكتبة لحالة لمهرجان،ادخلت الندوات،ونظام"الإستعارة الخارجية للكتب"،أما المسابقات التى اخترعتها فنوعين :
- نوع يقرأ فيه الناس كتابا واحدا ويكتبون عنه، وافضل تلخيص وعرض للكتاب،يجلس صاحبه فى ندوة يحكيه ويقرأوه..
- أما النوع الثانى وكان اسمها "من يكسب كتاب الشهر؟"وفيه يحدد عدد من الكتب للقراءة منوعة الموضوعات- ويحدد يوم للمتسابقين للسؤال فيها،ومن يكون الأول يكسب كتباً أيضا والموضوع الغالب فى المسابقات هو "اسرائيل" بطريقة "اعرف عدوك".
ومن الأوراق القديمة التى احتفظ بها شهادة من مكتبة شبرا تعترف فيها بأنى لخصت عشرين كتابا بنجاح وللحقيقة أدركت أن تلخيص الكتب يجعل للقراءة فهم ويقين وتحديد أهداف بعد التسلية..وبالتالى الإستيعاب يكون اكثر وافيد.فأنا أقرأ وكأنى أذاكر دروس المدرسة بالورقة والقلم و:أنى مستعد للإمتحان.الخص احيانا ،واضع تأشيرات على اسطر فى الكتب بالفولمستر
وحدث أن وقع فى يدى كتباً موضوعها "الكتب ذاتها" صاحبها قرأ ولخص وعرض، ولإستاذنا عباس محمود العقاد كتاب من هذه النوعية بعنوان "ساعات بين الكتب" ويبدو أن العقاد اختار الكتب التى لم تعجبه ليكتب عنها إنه لا ينقدها بل ينقضها،فهو يقرأ الكتاب ويستخرج افكاره ونظرياته ثم يعمل فيه قلمه بطريقة النقد الديلكتيكى، فيأتى للفكرة بفكرة مضادة وللنظرية بنظرية عكسية فالعقاد الموسوعى يعاقب فى الكتب - التى قضى معها ساعات- (المؤلفين)؟! نعم المؤلفون أنفسهم ولاتعرف لماذا كتب عنهم وعرض لكتبهم طالما لم يعجبوه.؟ فقلمه يشرح الكاتب والمكتوب!
ولأنيس منصور دعابة عن نقد العقاد،فهو يراه اذا نقض عض،ويصبح عباس محمود العضاض !!
ومن نفس النوعية كتاب جميل لأنيس منصور عنوانه :"كتاب عن كتب" وهو ممتع فالأستاذ يقرأ الكتاب على مهل ثم يتركه وبعد مدة يعاود التفكير فيه فإن كتب عنه كتب عن اثر الكتاب فى نفسه ومااستفاده منه ومااحدثه بداخله ،وبالتالى فالكتاب عن عشرين كتابا كتب عن كل منها مقالة..
وهناك تجربة للصديق الصحفى"حنفى المحلاوى"كنت شاهدا عليها حيث استمر حنفى لخمسين اسبوعا ينشر كل اربعاء بجريدة (الوفد) المصرية عرض لكتاب فى صفحة كاملة،وفجأة اوقف الجورنال صفحة عرض الكتب؟ ونقلها (حنفى) لجريدة (الأزهر الإسبوعية) ثم قرر هو نفسه التوقف!!واتفق مع الدار المصرية اللبنانية على نشر التجربة فى كتاب، وفرحت بينى وبين نفسى فقد كان من ضمن هذه الكتب التى عرضها،كتابى "حريم فى حياة الزعيم-الثورة التى ايدها الحرملك" وكان عرضه بجريدة الأزهر ووجدت فى صندوق بريدى نسخة مهداه لكتاب اسماه "اوراق فى السياسة والحب والحرب" عرض فيها صديفى لثلاثين كتابا ولم يكن كتابى ضمنها؟! وطريفة الأستاذ حنفى مختلفة فى عرض الكتب أنه متمسك بأختيارات المؤلف وبشكل الكتاب حتى أنه يصف الغلاف؟ ولا يتصرف وإنما يستخدم ابجديات متن الكتاب انه اختفى وراءالكاتب،أوتقمص شخصية المؤلف ولذا فهو يعرض حتى العناوين الجانبية للكتاب.فإذا كان العقاد يعض الكاتب ،فحنفى المحلاوى يعالجه بالمكركروم ،ووفى تجربتى احاول أن اخلط بين الاساليب الثلاثة، احاول أن اعرض لكتب فى حياتى، أن اعاود الكتابة على الكتابة تلخيصا وعرضا فعلت ذلك من قبل وهأنا اعود إليه..ففى حياتى عدة محطات فى بلاط صاحبة الجلالة،وكلها قضيت فيها وقتا فى تلخيص وعرض الكتب ففى جريدة "الطلاب" امسك الاستاذ (محمد سليمة) كتاب "المرأة والجنس" لنوال السعداوى وطلب منى تلخيصه،مرتين مرة بما يوازى صفحة جورنان، ومرة بما يكف عمود.وكان هذا امتحان أو اختبار قبولى للعمل فى الجريدة،ونجحت،وكنت وقتها فى المرحلة الثانوية -بمدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا- وزدنا على ذلك أن ذهبت لنوال السعداوى فى مجلة "الصحة" بشارع شريف بوسط البلد واجريت حوارا معها عنوانه:"الشيىء الذى يخفونه باوراق التوت"ونشر بصفحتى الوسط بالجريدة.
وفى مجلة "عيون" لخصت كتب السادات:(من مذكراته فى السجن لقصته مع الثورة حتى كتابه "البحث عن الذات") فقد كانت صاحبتها، ومديرة التحرير فيها "عائشة ابو النور" ابنه أحد الضباط الاحرار وهو "عبد المحسن ابو النور"،وكانت درويشة فى حب الثوار؟ وكانت تتدخل بقلمها فتمحو آى لغو عن الضباط الاحرار،وقد محت ماكتبته بأن السادات كان بالحرس الحديدى للملك فاروق؟!
وقالت لى (سلمى شلاش) الروائية السورية التى كانت مشاركة بالمال والكتابة فى المجلة عن الكتب التى عرضتها وكتبت عنها :
( برشة.. انت معجبانى فى "الكتابة على الكتابة"..استاذ أشرف ) ؟!
ولم أفهم تماما حتى جأت نهايات التسعينات وافهمنى إياها أنيس منصور فى ندوة له بمعرض الكتاب،قال فيها ( النقد الأدبى نوع من الكتابة على الكتابة ،فلو لم يوجد النص الأدبى ماوجد النقد الأدبى.فالنقد الأدبى كتب عن نجيب محفوظ فرفعه فى الثلاثية لسابع سماء،وهبط ب لحد الكفر فى اولاد حارتنا.ولكن يبقى النص الأدبى سابق ومهيمن على النقد الذى هو تالياً عليه ومستمدا منه. فالناقد كالنحلة لايفرز ولا يبدع إلا على اعمال الآخرين.) وقال أنيس فى ندوته أيضا( فى الصحافة نمارس الكتابة على الكتابة طول الوقت وذلك عند عرض وتلخيص الكتب فى الصفحات الثقافية،فهناك كتب غالية جدا،وهناك كتب طويلة للغاية وهناك كتب سمع عنها الناس وتشوقوا لها كألف ليلة وليلة والأغانى للأصفهانى.وبالتالى على الصحافة أن تعرض لها وتسهل للقارىء الثقافة والتسلية معا )ثم قال الكتابة عن الكتابة أكثر واطول من الكتابة الأصلية فعن كتاب "فى الشعر الجاهلى– لطه حسين" كتب 17 كتاب ضده ومعه،وعن مسرحية "زيارة السيدة العجوز" كتبت الأف المقالات فى النقد وعلم النفس كان منها 14 مقالة لى...
ورفعت يدى ليس بسؤال ولكن برجاء أن اتصور معه محبا ومعجبا، وولهانا وقال:ارجوك..وتصورنا وتعارفنا ولم افارقه أو افارق كتبه.
وصار حالى مع الكتب يشبه حال خليل صويلح "الكاتب والروائى السورى".. الذى قال: ( أنها لعنة أبدية تجعلنى فى تجوال طليق يطيح كل صباح بهندسة رفوف المكتبة،رأسا على عقب اسحب كتابا واطوى آخر،أنظر إلى مئات الكتب أمامى وخلفى وفوق وعلى الأرض وأتحسر حزنا،مرة لأنها جأت متاخرة ففى صغرنا وشبابنا كانت الكتب نادرة فى حياتنا ، ومرة لأن الكتب صارت كثيرة الأن ولكن الوقت قليل.)
واستمر فى جمع الكتب،واستسلم لأحلام ذهبية بأنه سوف يجىء وقت أقرأ فيه كل ذلك، والوقت لا يجىء والكتب تتكدس بعضها فوق بعض وفوق عذابى أيضا.