حين نقرأ الشاعرة والمترجمة البريطانية صوفي كولينز، نشعر أننا أمام صوت ينساب من منطقةٍ بين الشعر والتأمل الحر، كما لو أنّ نصوصها تحادث القارئ في مساحة داخلية بعيدة عن الضجيج. ولدت كولينز عام 1989، وسرعان ما وجدت لنفسها مكانًا خاصًا في المشهد الشعري الإنجليزي، ليس لأنها تتبع قواعد القصيدة المعروفة، بل لأنها تكسرها بلطف، لتخلق نصوصًا تتأرجح بين الحلم والوعي النقدي.
أحد أهم مفاتيح عالمها كتابها
Who Is Mary Sue? (2018)
، الذي يفتح لنا بابًا للتفكير في علاقة الكاتبة بعالمها الإبداعي. يقدّم الكتاب نصوصًا شعرية وكولاجات نثرية وأصواتًا نسوية متعددة، تضيء على التوتر العالق بين الذات المتخيلة والواقع الاجتماعي الذي يحاصر الكاتبات. وكأن كولينز تقول للقارئ: "لا تصدق كل ما تراه في المرآة، فالأنا التي تكتب ليست دائمًا الأنا التي تعيش."
تقدم الناقدة ليلي ماير، تحليلاً متميزًا عن هذا الديوان في مقالها النقدي المطول المنشور على Poetry Foundation
مقال الناقدة ليلي ماير، تُقرب لنا تجربة صوفي كولينز وتجعلنا نجتهد أكثر في تذوقها وتأملها فدراستها تشجعنا على الشعوربذلك البريق المراوغ في شعر كولينز، التي تكتب عن الجسد الهش، عن الغياب، عن بقع الدم والحصى الصغيرة التي تتحول فجأة إلى علاماتٍ وإشارات، لكنها تترك مسافة حرة للقارئ كي يكمل الحكاية بنفسه. لا شيء هنا نهائي أو مقفل، بل كأن كل قصيدة نافذة تُطل على حياة موازية.
قراءة كولينز تجربة أقرب إلى السير في حديقة ليلية تلمع فيها الأحجار تحت القمر، حيث يتعانق الخيال مع النقد في لغة بسيطة وعميقة في آنٍ معًا. إن نصوصها لا تعلّمك، بل ترافقك في رحلة هادئة، تذكرك بأن الكتابة النسائية ليست اعترافًا بالضرورة، بل لعبٌ بالضوء والظلّ، واحتفاءٌ بحرية الخيال حين يتحرر من أعين الرقيب.
المخفي بين الجسد والظل
تأتي تجربة الشاعرة والمترجمة البريطانية صوفي كولينز كصوت شعري كويري يعكس ملامح أوروبا المعاصرة بكل تناقضاتها؛ قارة تتباهى بالحريات والحقوق المدنية، لكنها لا تزال تعيش ارتدادات خطوات إلى الوراء فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحرية الجنسية. في هذه المساحة المتوترة، تكتب كولينز قصائدها مثل كاميرا حساسة تلتقط ما يُخفيه المجتمع خلف واجهاته المضيئة.
في نصوصها، يحضر الجسد بصفته فضاءً حميميًا ومحرجًا في آنٍ واحد، مساحة تتقاطع فيها الرغبات مع المخاوف. تصفه أحيانًا بعبارات متكسرة، كما في قصيدتها
Beauty Milk
«أنا لا شيء… أنا شظية… أنا شقة فارغة»،
لتخلق صورة لجسدٍ هش، معزول، يحاول أن يجد مكانه في عالمٍ يرفض الاعتراف باختلافه. هذا الجسد ليس فقط كيانًا بيولوجيًا، بل هو أرشيف للخبرة الإنسانية والكويرية، مكان تتسرب إليه آثار العزلة الاجتماعية ونظرات الاشتباه التي ترافق الآخر المختلف في المجتمعات الغربية.
أما الرغبة، فتأتي في شعرها مشوبة بالقلق والتردد. لا نجد في نصوصها رغبة فاضحة، لكننا نلمس ما يشبه الهسهسة الرقيقة التي تتسلل من بين الكلمات، كما لو كانت الشاعرة تكتب بالظل أكثر مما تكتب بالنور. نقع على الكثير من الرغبات المشروعة، لكن بعضها لا يتحقق تمامًا لأنها تصطدم بجدار من الأعراف والقوانين الخفية والذكريات الشخصية. كثيرًا ما نجدها تستدعي رموزًا صغيرة: غبارًا، بقع دم، أحجارًا على الشاطئ، لتشير إلى هذه الرغبات المموهة، فهي كما يبدو تفضّل لغة العلامة على لغة التصريح.
من جهة أخرى، سنجد في نصوص كولينز كشفًا ذكيًا وشجاعًا للمخفي في المجتمعات الأوروبية، حيث تعيد الشعر إلى دوره كعدسة مكبرة على الهامش. أوروبا التي تبدو في الصور الرسمية واثقة من نفسها، تقدم في نصوص كولينز وجهًا آخر: مدنٌ يكسوها الغبار النفسي، شقق باردة، مطابخ يشتعل فيها الخوف قبل النار. في إحدى قصائدها التي تستعيدها القراءات النقدية تقول:
«القرية دائمًا تحترق… الرجال يبتعدون عن المطابخ… بينما النساء… يعلّمن النار طقوسهن الصغيرة»،
وهي صورة تختصر كثيرًا من الانقلابات الاجتماعية غير المرئية، حيث تحترق القرى الرمزية بينما يتوزع الذنب والصمت بين الجنسين.
مشروع فني وفكري يواجه محاولات التهميش
هذه الكتابة الكويرية عند كولينز تمثل صوتها الشخصي وكذلك هي مشروع فني وفكري يواجه محاولات التهميش وإعادة إنتاج الصور النمطية عن النساء والكوويريين. وفي ظل تنامي خطاب الكراهية والتضييق على الحقوق الجنسية في أوروبا الشرقية، وصعود نزعات يمينية متشددة في الغرب تحد من حقوق الإنسان وتمارس سياسات قمع واستبداد، تصبح نصوص صوفي كولينز والكثير من الكوويريات أكثر راهنية، لأنها توثّق الشعور بالهشاشة والخوف من الارتداد الحضاري وتفضح الاستبداد والقبح العنصري.
ما يميز صوت كولينز أنها لا تميل إلى الصراخ ولا تلقي خطبًا سياسية؛ بل تجعل من القصيدة مساحة تأملية مقاومة. الجسد في قصائدها ليس ساحة معركة فقط، بل أيضًا حديقة سرية تُزرع فيها الرغبة والذاكرة والألم. الشعر عندها فعل بطيء، كخطوة على جليدٍ رقيق، يعكس إحساسًا بالوجود المعلّق بين المرئي والمخفي.
يمكن القول إن صوفي كولينز تمثل نموذجًا للشاعرة البريطانية ـ الأوروبية التي تحول الهامش إلى مركز شعري، وتجعل من التجربة الكويرية مرآة صادقة تكشف عن هشاشة هذه المجتمعات التي تدّعي اكتمالها. قصائدها دعوة للقارئ إلى تذوق هذا العالم المختلف: عالم يهمس بدل أن يصرخ، ويترك للقصيدة أن تكون مساحة للحرية، وللجسد أن يستعيد حقه في أن يكون نصًا مفتوحًا على الحياة بكل ما فيها من قلق ورغبة وخوف وجمالٍ مكثف.
لغة تقترب من السينما الصامتة والمسرح التجريبي
“Beauty Milk”
I don’t matter.
I am a blemish,
a fragment,
an apartment.
I am a multiplication
and a made-up belief.
I am nothing for days afterwards.
حين نقترب من هذا النوع الشعري بعين سينمائية وذائقة مسرحية، نجد أنفسنا أمام مشاهد مكثّفة يتجاوز الكلمات القليلة التي يتألف منها النص. القصيدة، رغم قصرها، تخلق فضاءً بصريًا ونفسيًا ممتدًا، أقرب إلى لقطة ثابتة طويلة في فيلم تجريبي، حيث كل تفصيلٍ صغير يكشف عن عوالم داخلية واسعة.
الجملة الأولى: “أنا بلا قيمة”، تعمل كافتتاحية مظلمة تشبه انطفاء الأضواء على خشبة مسرح فارغ قبل انطلاق مونولوج داخلي. إننا نسمع الصوت منفردًا في فضاء صامت، كما لو أنّ المتحدثة تقف وحدها تحت بقعة ضوء باهتة. الانتقال إلى “أنا شائبة، شظية، شقة فارغة” يوحي بمونتاج بصري سريع: نرى وجهًا متصدعًا في مرآة، شظايا زجاج تتناثر في فضاء ذهني، وغرفة خالية ذات جدران بيضاء يتردد فيها الصدى.
هذه الصور الثلاث تعمل مثل مشاهد مقربة (لقطات قريبة جدًا) ترسم الانكسار الداخلي بلا حاجة إلى سرد مطوّل، كما في أفلام إنغمار بيرغمان يستكشف الروح والداخل من خلال اللقطات القريبة والقريبة جدًا على الوجه الإنساني. .
حين تقول: “أنا عملية ضرب، وإيمان مُختلق”، يتحول المشهد من البصري إلى ما يشبه المؤثرات السمعية النفسية. يمكننا أن نتخيل أصوات خطوات تتكرر، ارتطام أشياء لا نراها بوضوح في فراغ سحيق، وإيقاع يشبه آلة حسابية تعمل بلا توقف. في المسرح، قد يُترجم هذا إلى حركة جسدية متشنجة، فهنا الجسد نفسه هنا يصبح أشبه بمعادلة رياضية محكومة بالانقسام والتكرار. أما “الإيمان المُختلق” فيخلق إحساسًا بمسرح داخلي عبثي، حيث البطلة تؤدي طقسًا بلا قداسة حقيقية، مجرد قناع هش لواقع حياتي يفتقد المعنى.
الجملة الختامية: “أنا لا شيء لأيام بعد ذلك”، تبدو كأن الكاميرا بدأت تبتعد في لقطة طويلة إلى الوراء ، تاركة الشخصية تتضاءل وسط فضاء رمادي. هنا يكتمل المشهد المسرحي في صورة صمت ممتد، كأن الستارة أسدلت قبل أن يقول أحد شيئًا. هذا الإيقاع البطيء الختامي يمنح القارئ شعورًا بالتيه والفراغ، ويحوّل القصيدة القصيرة إلى تجربة زمانية ممتدة، كأننا عشنا أيام الوحدة والانمحاء التي تصفها.
من هذا المنظور، يمكن القول إن كولينز تكتب هنا بلغة تقترب من السينما الصامتة والمسرح التجريبي معًا. لا يوجد حدث خارجي، لا يوجد تجسيدات درامية مفتعلة ولكن خلق هواجس وأسئلة في حركة الضوء والظل في الفضاء الخارجي ثم تمتد كعواصف داخل الذات. الجسد غير مرئي لكنه حاضر ككائن هشّ يتفكك إلى شظايا لغوية. ملك هذه الشاعر قدرة إبداعية جيدة على تحويل الاغتراب النفسي إلى مشهد محسوس، يجعل القصيدة تجربة حسية بديعة رغم بساطة مفرداتها.
تبتكر الشاعرة إذن ما يشبه المونتاج المخلوق من الصمت والفراغ والضوء الخافت، للزج بنا وجعلنا في حالة تواطؤ صامت مع هشاشة الكائن الإنساني، مثل هذه التقنيات والعمق الروحي تمثل من العلامات الواضحة على قدرة الشعر الكويري الحديث عن الهامش وفضح قبح اواقع، كما الشعر الكويري قادر أيضًا على تصوير اللامرئي بلغة مسرحية وسينمائية مكثفة فهو ليس شعرًا شهوانيًا فاحشًا.
إن النشاط الكويري لصوفي كولينز لم ينعكس فقط في موضوعات قصائدها، لكنه يتسرّب بقوةٍ إلى جزيئات لغتها نفسها. فالكلمات في نصوصها ليست وحدات محايدة، بل كائنات حيّة تنبض بقلقها واختلافها، ترفض الانضباط التام، وتنحني أحيانًا مثل جسدٍ يختبئ من نظرات العالم. هذا الحسّ الكويري يجعل علاقتها باللغة علاقة جسدية وحميمية، وكأنها تتحسس الكلمات بأصابعها قبل أن تضعها على الورق. لذا، نقرأ في قصائدها عبارات متكسرة، شظايا جمل، فجوات صامتة، وكأن النص يتنفس ويختبئ ويتجلى في آنٍ معًا.
يبدو هذا الحس الكويري واضحًا في تفكيكها لسلطة اللغة الذكورية على الأدب. إنها تدرك أنّ المجتمع لا يراقب الجسد المختلف فقط، بل يراقب أيضًا اللغة حين تنحرف عن المعيار. لذلك، تستخدم كولينز لغة مرنة تميل إلى الهامش، وتحوّل الغياب إلى أداة تعبيرية،تخلق الفراغات بين الكلمات وتجعلهاجزءًا من المعنى،سنشعر وكأن الصمت نفسه نصًا موازيًا. هنا، يتحول الشعر إلى مساحة مفتوحة للجسد وللرغبة وللمسكوت عنه، ويصبح الكويري ليس مجرد هوية، ولكن استراتيجية جمالية وفكرية.
الترجمة ليست وفاءً حرفيًا للنص الأصلي بل مغامرة حميمية معه ولأنها شاعرة ومترجمة في الوقت نفسه، فإن تجربتها مع اللغة تتسع إلى فعل الترجمة. صوفي كولينز ترى أنّ الترجمة ليست وفاءً حرفيًا للنص الأصلي بقدر ما هي مغامرة حميمية معه. إنها تؤمن بأن النص المترجَم يحتاج إلى قلبٍ نابض في لغته الجديدة، لا مجرد نسخة مصقولة من الأصل. من هذا المنطلق، تمارس الترجمة كما تمارس الكتابة: ببطء، بلمسٍ حسيّ للنص، حتى يصبح النص الجديد كائنًا مستقلًا، يحمل ذاكرة الأصل لكنه يتحرك بحرية في لغته المستضيفة.
تقول كولينز في أحد حواراتها إن المترجم الجيد ليس مجرد ظل للكاتب، بل هو شريك في إعادة ولادة النص. هذا الفهم يجعل الترجمة امتدادًا طبيعيًا لمشروعها الكويري: رفض الحدود الصارمة، والإيمان بالتحولات، والبحث عن مناطق التماس بين الأنا والآخر. حتى في الترجمة، نجد أثر الهشاشة والقوة في آنٍ واحد، فهي تمنح النص حياة جديدة لكنها لا تنكر أثر الأصل، مثل علاقة حميمية بين كيانين يعترفان باختلافهما ويتعايشان معه.
بهذا المعنى، تتحول تجربة صوفي كولينز إلى مختبر لغوي وجمالي، حيث تختلط الشعرية بالهوية، والكويري بالسياسي، والترجمة بالفعل الإبداعي. إن قصائدها، ومعها ترجماتها، تعيد تذكيرنا بأن اللغة ليست مجرد أداة محايدة، بل فضاء للوجود والمقاومة واللعب، وأن كل كلمة يمكن أن تكون جسدًا صغيرًا يبحث عن حريته الخاصة.
الجسد .. أرشيفٍ للذاكرة والقلق.
حين نغلق كتاب صوفي كولينز أو نتهي من قراءة نص لها، نشعر كما لو أننا خرجنا من غرفة صغيرة تضيئها نافذة على حديقة ليلية، حيث كل حجر، وكل بقعة ضوء، وكل ظل على الجدار، يبدو رسالة سرّية. إن تجربة كولينز ليست دعوة للبوح المباشر؛ تبدو كأنها إيماءة هادئة إلى الداخل، إلى الجسد الهش الذي يختزن خوفه ورغبته، وإلى الهامش الذي يفضح وهم اكتمال المجتمعات الأوروبية المتباهية بحرّيتها ومدنيتها.
في قصائدها، سنلمس أن الغياب يتحول إلى بطلٍ صامت، والجسد إلى أرشيفٍ للذاكرة والقلق، والقصيدة إلى مشهدٍ سينمائيّ متباطئ يشبه حوارًا مسرحيًّا مع الذات. وبينما يواصل العالم صخبه السياسي والاجتماعي، تختار كولينز أن تكتب في المنطقة الرمادية، حيث تنمو اللغة مثل نباتٍ وتعلن كولينز وعشرات الأصوات الكويرية بأن لا عار بسبب المثلية الجنسية وويرفعون قصائدهم لنداء الضمائر والأرواح بأن تعود إلى إنسانيتهم.بريٍّ بين الإسفلت والشقوق، وهنا يصبح الشعر فعلاً شجاعًا، يرفض المحو
من جماليات هذه التجربة قدرتها على تذكيرنا بأن الكتابة الشعرية الجديدة قد هدمت وتحررت من الحكايات أو الاعترافات،كونها باتت مساحةً لرؤية ما لا يُرى، ولملامسة ما نخشى قوله. ورغم هذا الهامش المضيء بخفوت، تمنحنا صوفي كولينز قصائد تشبه حديقة سرّية للحرية، حيث الجسد نصّ مفتوح، والظلّ لغة ثانية للحياة.
تبقى صوفي كولينز حاضرة في عالم الشعر والنقد من خلال نصوصها وكتاباتها على المنصات الأدبية. ينشط تركيزها على الكتابة الذاتية والتجريب اللغوي عبر مدونتها، مع إصدارها لديوان جديد في مارس 2025. يمكن القول إن صوتها الأدبي ما يزال مهمًا كمرآة للحساسية الكويرية والتأمل في الهوية. ويبدو أن حضور كولينز الروحي والثقافي يستمد قوته من الشعر ذاته، وليس من التفاعل المباشر مع الأحداث؛ حيث تستمر رؤيتها من خلال الواقع والهامش، عبر القصيدة وممارستها اللغوية.