دادان ولحيان: كيف تعيد النقوش رسم تاريخ العربية قبل الإسلام

قراءة في أطروحة صبا فارس ــ دربو (تحت إشراف كريستيان توراتييه وكريستيان جوليان روبان)

حضارة دادان ولحيان يجب أن تُقرأ كحضارة مركزية لفهم تاريخ العرب قبل الإسلام.

قراءة أطروحة صبا فارس هي رحلة في عمق التاريخ العربي، حيث تتكلم الحجارة، وتكشف الحروف عن طبقات من المعنى والحقائق.

ومن خلال هذه المادة، تتكشف لنا صور مغايرة عمّا اعتدناه، صور أكثر تعقيدًا وثراءً، حيث إن العربية لم تكن لغة واحدة متجانسة وبسيطة، ولكنها منذ نشأتها كانت فضاءً لغويًا غنيًا ومتنوعًا تشكّل عبر قرون من التفاعل بين لهجات وممالك وشعوب.

بما أننا نعيش زمنًا علميًا تتسارع فيه الكثير من الاكتشافات الأثرية، وتتراجع فيه المسلّمات المروية القديمة عن تاريخ العربية، فإن قراءة أطروحة الباحثة صبا فارس ستكون مفيدة، كونها تقدّم عملاً تأسيسيًا يعيد ترتيب الأسئلة قبل الأجوبة. فهذا الكتاب، المنبثق من أطروحة دكتوراه أُنجزت في عام 2005، وتحت إشراف اثنين من أبرز المتخصصين في اللسانيات والإبغرافيا السامية، هما كريستيان توراتييه وكريستيان جوليان روبان، لم يكتفِ بعرض النقوش الددانيةأللحيانية الموثقة، بل حوّلها إلى مدخل لفهم أوسع: كيف تشكّلت العربية؟ وما موقعها داخل العائلة السامية؟ وكيف كانت تبدو الجزيرة العربية قبل الإسلام إذا قرأناها من داخل نصوصها لا من خارجها؟

وقد أشارت الباحثة إلى أن أول دراسة خُصصت للنصوص الإبغرافية الددانيةأللحيانية تعود إلى عام 1889، بقلم د. هـ. مولر. ومنذ ذلك الحين، تناولها عدد كبير من المتخصصين، وأسهموا في تطوير معرفتنا بهذه اللغة، وكذلك بتاريخ الجماعة التي كانت تتحدث بها وتكتبها.

وقد أدت الاكتشافات التي قام بها ر. شتيهل عام 1969 إلى زيادة كبيرة في عدد النقوش المعروفة في العُلا. ثم تلت ذلك بعض الجهود، وحدث توقف لعدة عقود، حتى عادت الاكتشافات والدراسات في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وحدثت قفزات ونهضة كبيرة منذ بداية هذه الألفية.

إذن نفهم أن هذا العمل ليس عرضًا تاريخيًا تقليديًا، بل الأهم أنه بحث جاد، ومحاولة لبناء معرفة من المادة الأصلية: النقوش.

ومن خلال هذه المادة، تتكشف لنا صور مغايرة عمّا اعتدناه، صور أكثر تعقيدًا وثراءً، حيث إن العربية لم تكن لغة واحدة متجانسة وبسيطة، ولكنها منذ نشأتها كانت فضاءً لغويًا غنيًا ومتنوعًا تشكّل عبر قرون من التفاعل بين لهجات وممالك وشعوب.

من أطروحة أكاديمية إلى مشروع معرفي

يتحدث كريستيان جوليان روبان عن الجهود البحثية في هذا الموضوع، ويقول في تقديمه للكتاب: قُدمت أول رسالة جامعية في هذا المجال عام 1994 على يد الباحثة الإيطالية فيوريلا سكالياريني (وظلت غير منشورة). وبعدها بقليل، نشر الباحث السعودي حسين بن علي أبو الحسن كتابًا بالعربية يستند إلى أطروحته حول نقوش جبل عكمة في منطقة العلا (1997). وفي عام 1999، نشر الباحث ألكسندر سيما دراسة حول مجموعة من النقوش في الموقع نفسه، وهو باحث ألماني بارز توفي لاحقًا في اليمن عام 2004. وفي الفترة ذاتها، ناقشت صبا فارس ـ دربو أطروحتها حول النقوش الددانية وتاريخ واحة العلا، والتي يشكّل هذا الكتاب صورتها المنشورة.

انطلقت هذه الدراسة من خلفية علمية صلبة. فقد أُنجزت الأطروحة في جامعة بروفانس، بإشراف البروفيسور/ كريستيان توراتييه، أحد أبرز المتخصصين في اللسانيات، والبروفيسور/ كريستيان جوليان روبان، أحد أهم الباحثين في تاريخ وآثار الجزيرة العربية. هذا الإشراف المزدوج—اللغوي والإبغرافي—يمكن اعتباره مفتاحًا لفهم طبيعة العمل: دراسة تتقاطع فيها اللغة مع النقش، والتاريخ مع الجغرافيا.

وقد استندت الباحثة إلى تراكم علمي بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين نشر د. هـ. مولر أول دراسة عن هذه النقوش سنة 1889، ثم تتابعت الجهود عبر بعثات متعددة، أبرزها أعمال جوسان وسافينياك، ثم اكتشافات شتيهل، وصولًا إلى إضافات ح. أبو الحسن في وادي عِكمة ومحيط العُلا. لكن هذه الأطروحة قدمت إضافة جديدة، وهي تحويل هذا التراكم المتفرق إلى رؤية متماسكة.

دادان ولحيان – واحة في قلب شبكة حضارية

تقع دادان (العُلا اليوم) في شمال غرب الجزيرة العربية، في موقع استراتيجي على طرق التجارة القديمة، خاصة طريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة بمعظم مدن الجزيرة وببلاد الشام ومصر وبلاد الرافدين. هذا الموقع جعلها أشبه بعقدة اتصال حضاري.

تُظهر الدراسة أن دادان كانت تحتضن جماعات متعددة، منها مستوطنات تجارية معينية قادمة من جنوب الجزيرة. وهذا يعني أن المنطقة لم تكن معزولة، بل جزءًا من شبكة تربط:

جنوب الجزيرة (سبأ ومعين)

شمالها (الأنباط والقيداريون)

والمشرق الأوسع

ومن هنا، فإن حضارة دادان ولحيان يجب أن تُقرأ كحضارة مركزية لفهم تاريخ العرب قبل الإسلام، كونها مثلت لحظة التقاء بين الشمال والجنوب، بين التجارة والدين، وبين اللغات السامية المختلفة.

النقوش بوصفها وثائق حيّة

اعتمدت الدراسة أساسًا على النقوش الددانيةأللحيانية، التي جُمعت عبر ثلاث مراحل رئيسية:

أكثر من 380 نقشًا في أوائل القرن العشرين

نحو مئة نقش إضافي في ستينيات القرن الماضي

أكثر من 150 نقشًا جديدًا في الاكتشافات الحديثة

ولم تكتفِ الباحثة بالاعتماد على النصوص المنشورة، بل قامت بزيارة ميدانية إلى العُلا، واطلعت على النسخ الورقية (الاستمباجات)، وصححت بعض القراأت السابقة. فهذا البعد الميداني كان مهمًا جدًا، كونه أعاد النصوص إلى سياقها الأصلي، ومنحنا قراءة أكثر دقة.

النقوش هنا لم تكن مجرد شواهد حجرية، بل وثائق حيّة كشفت عن:

اللغة المستخدمة

أسماء الأشخاص والقبائل

الممارسات الدينية

البنية الاجتماعية

اللغة بين السامية الأولى والعربية

أحد أهم إسهامات هذا الكتاب هو تحليله اللغوي. فالنقوش الددانيةأللحيانية تكشف عن حالة لغوية قريبة جدًا من السامية الأم، وكانت تشترك في خصائص مع العبرية والآرامية.

لكن في الوقت نفسه، ظهرت فيها عناصر عربية واضحة، سواء في:

الأسماء

المفردات

التراكيب

وفهم هذا يقودنا إلى فكرة محورية:

العربية لم تظهر فجأة، بل تشكّلت تدريجيًا من تفاعل عناصر سامية متعددة، وعبر قرون طويلة.

تشير الدراسة إلى أن العناصر العربية بدأت تحل محل العناصر الأقدم، حتى أصبحت الغالبة. كما لعبت الآرامية دورًا في تشكيل ملامح العربية الكلاسيكية لاحقًا.

الكتابة وتطور الأبجدية

تقدّم الدراسة تحليلًا دقيقًا لنظام الكتابة، من خلال ما يُعرف بـ"الباليوغرافيا" (علم أشكال الحروف). ومن خلال مقارنة أشكال الحروف في النقوش، حاولت الباحثة ترتيبها زمنيًا.

كما يتضح لنا أن النقوش لا تميّز دائمًا بين الأصوات كما في العربية الحديثة، وكل هذا يشير إلى:

اختلاف النظام الصوتي

أو بساطة النظام الكتابي

 

واستخدمت الباحثة نظامين للنقل:

نظام دقيق (ثقيل) يحافظ على شكل النص

نظام مبسّط (خفيف) يسهّل الفهم

وهذا يعكس وعيًا مزدوجًا؛ أي أن النتيجة عمل أكاديمي يخدم الباحث المتخصص، وكذلك القارئ العام، الذي يمكنه أن يفهم الكثير ويصحّح المعلومات المغلوط

الدين والمجتمع

يمكننا القول إن الدراسة لم تقف عند اللغة، بل امتدت إلى فهم المجتمع والدين. فالنقوش تكشف عن ممارسات دينية مرتبطة بآلهة محلية، وعن طقوس وقرابين، وكل هذه العناصر تتيح لنا تخيّل مشاهد تلك الحياة في الواحة، وإعادة بناء ملامح الحياة الروحية.

كما تكشف عن:

البنية القبلية

الأدوار الاجتماعية

العلاقات الاقتصادية

وهنا تظهر أهمية النقوش بوصفها مصدرًا تاريخيًا لا يقل قيمة عن النصوص الأدبية اللاحقة.

منهج علمي صارم

ما يميز هذا العمل هو منهجيته الدقيقة:

جمع النصوص وتصنيفها

تحليل لغوي ونحوي

مقارنة سامية

دراسة أشكال الحروف

ربط النتائج بالسياق التاريخي

كما اعتمدت الباحثة على أدوات علمية متعددة في قراءة النقوش، مثل تمييز الحروف المتضررة أو المفقودة، وإعادة بنائها بحذر.

وفي الوقت نفسه، تُقرّ الباحثة بحدود المعرفة، وتؤكد أن النتائج قابلة للتعديل مع الاكتشافات الجديدة. هذا التواضع العلمي يعزّز مصداقية العمل.

الإضافة العلمية

تسد هذه الدراسة فراغًا مهمًا في البحث العلمي. فقد كانت الدراسات السابقة متفرقة أو قديمة، وبينها فترات زمنية متفاوتة، ولم يكن هناك عمل شامل يجمع كل تلك النقوش، إضافة إلى التحليل اللغوي والدراسات السابقة.

وبذلك، قدّمت الباحثة مرجعًا أساسيًا لكل من يهتم بتاريخ الجزيرة العربية.

لماذا هذا العمل مهم اليوم؟

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يغيّر زاوية النظر، فالتاريخ لا يجب أن يُكتب من الخارج، ولا أن يُقبل من أشخاص لديهم أحكام مسبقة وجاهزة، وخاصة عن هذه المنطقة من العالم.

يمكننا الاستفادة بالتأكيد من المصادر اليونانية أو الرومانية أو التراث الديني، ولكننا نحتاج إلى صوت أهل المنطقة أنفسهم، كما حفظته النقوش، وبعيدًا عن مئات الروايات التي كتبها أيضًا رواة ومؤرخون من خارج المنطقة، وخلطوا الخيال ببعض تفسيراتهم الشخصية، وبعضهم بحث عن الشهرة من خلال روايات غرائبية.

كما أن هذا العمل يساهم في تفكيك تصورات مبسطة عن العربية، ويؤكد أنها:

لغة ذات جذور عميقة

متعددة اللهجات

نتاج تفاعل طويل

نحو فهم جديد للعرب قبل الإسلام

من خلال هذا العمل، يتضح أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا مجتمعًا بدويًا بسيطًا كما تُصوّره بعض السرديات، بل كانوا جزءًا من عالم معقّد:

مدن وواحات

تجارة دولية

نظم دينية

لغات متعددة

ودادان ولحيان تمثلان نموذجًا لهذا العالم.

استنتاجات عامة

تصل الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمة:

العرب قبل الإسلام لم يكونوا مجرد قبائل بدوية، بل عرفوا أشكالًا من التنظيم السياسي

مملكة لحيان تمثل تطورًا سياسيًا مهمًا في شمال الجزيرة

اللغة العربية لها جذور أقدم وأكثر تنوعًا مما يُعتقد

الدين في الجزيرة كان متنوعًا ومعقدًا، وليس بسيطًا أو بدائيًا

النقوش تمثل المصدر الأكثر موثوقية لفهم هذه المرحلة

إن قراءة أطروحة صبا فارس هي رحلة في عمق التاريخ العربي، حيث تتكلم الحجارة، وتكشف الحروف عن طبقات من المعنى والحقائق.

هذا العمل يذكّرنا بأن فهم العربية لا يبدأ من كتب النحو فقط، بل من النقوش، من الأسماء، ومن الأرض نفسها. فتاريخ العرب قبل الإسلام لا يزال مفتوحًا، ينتظر من يقرأه بعين علمية، ومنهج دقيق، وروح منفتحة. وهذا الكتاب يرد بقوة على عشرات الروايات التي تروجها شخصيات عبر المدونات والسوشيال ميديا، وتجد قبولًا ورواجًا، حتى إن بعض المؤسسات والهيئات الثقافية والأكاديمية العربية أصبحت تستضيف من لهم شهرة على التيك توك أكثر من اهتمامها بالباحثين الذين قضوا سنوات طويلة في البحث والعلم. للأسف، نحن نعيش ضجيجًا إعلاميًا يحتفي أكثر بالخرافات والجهل.

وفي الختام، نؤكد بأن دراسة دادان ولحيان خطوة مهمة وأساسية لفهم الحاضر، وإعادة التفكير في هوية لغوية وثقافية تشكّلت عبر قرون من التفاعل والتنوع. وقد نشرت صبا فارس أطروحتها في كتاب بعد عدة سنوات من المناقشة العلمية، وتواصل الباحثة جهودها عبر نشر مقالات ودراسات عن دادان ولحيان، والمشاركة في مؤتمرات وندوات دولية. ورغم أهمية هذا الكتاب، إلا أنه لم يُترجم إلى العربية، وربما يعود ذلك إلى غياب الدعم والتشجيع، أو لأننا لم نُقدّر قيمته كما ينبغي