Aljawhara Al-Koueidi

Kuwait

سيرة إنسانة ومسيرة مهاجرة الجوهرة بنت سعود بن محمد القويضي

هي الأقدارُ التي تَخط وتمحو، ونحنُ نتقنُ الحفظَ والترديدَ، ونحاولُ أن نتفادى الكشطَ فنكتشفُ أننا نبني تاريخَنا على قدرِ ما نحفظُ، أو نردِّدُ، من أبجدِيَّةِ الحياةِ الخاصَّةِ بكلِّ واحدٍ منَّا، وفي واقعٍ يضجُّ بالمدِّ والجذرِ...والجوهرةُ لم تكنْ ببعيدةٍ عن هذا الواقعِ، وهي التي تَنَسَّمَتْ وجودها في مناخٍ مُترَفٍ، وباركت خطواتِها الأولى عيونٌ وأفئدةٌ مُدَلِّلَةٌ وحانيةٌ جداً، ومع ذلك لم تقفْ ضدَّ تاريخِها الشخصِيِّ، فليسَ به ما تخجلُ منه، أو تدفنُ رأسَها في الرِّمالِ ، بل إنَّها تعتزُّ كثيراً بماضيها الذي لم تُفَكّ بعد حبالُه الأصيلةُ؛ حبالُ التقاليدِ والكرامةِ والأصالةِ المنقوشةِ فوق جبهتِها وعلى بؤبؤِ العينِ.

ولدت في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول , في جو ربيعي خلاب , بمدينة الرياض ، ولأنها الوحيدة بين أشقائها الذكور ؛ فقد عمَّت الفرحةُ أرجاءَ الدَّار تهللت أساريرُ الأب و الأم من مولودةٍ تشعُّ بالنورِ والحسنِ فكانت (الجوهرة)؛ لتظلَّ تُشِعُّ لهم بالفرحة؛ فَأُسبِغَتْ على طفولتِِها هالاتُ الدَّلال، ونُثِرَتْ عليها في كل وقتٍ وفي كل زمانٍ عنايةُ ومحبةُ.. تكاتفوا على أن يهبوها الحرصَ الذي منحها الثقة منذ نعومةِ أظافرها.. هي الصغيرةُ لكنَّها لم تكن كباقي الأطفال ؛ فالشعورُ بالامتلاءِ رافقَها مع كلِ فسحةٍ أو رغبةٍ عارمةٍ في المرحِ الطفوليِّ اللذيذِ، فركيزةُ الإنسانِ -عند علماء النفس- تبدأُ من طفولتِه، والجوهرة الصغيرة لم تتشوَّه حينها، بل لم تتشَوَّه بعد.. فعندما أتمَّت السادسةَ من العمرِ ألبستها أمُّها لباسَ العروسِ وأسدلت لها شعرَها الطويلَ وألبستها الذهبَ .. في يديها.. على عنقِها.. بين ظفائرِها ؛ ثم أوقفتها بين أخويها فهد وفيصل في صورةٍ تذكاريةٍ جميلةٍ مازالت أصداؤها تتحركُ بين ناظريها إلى الآن!!..أما والدُها فلها معه حكاية عشقٍ وطريقٌ من المحبةِ لا ينتهي أبدًا، فلقد علَّمتها الأيامُ الأولى أنه فيما يبدو قد أعلنَ، مع أولِّ مُداعبَةٍ لها، أنه سماءٌ مُمْطِرةٌ بالحنانِ والرِّقَّةِ، وأنَّ مجرَّد صوته يبعث فيها الأمان..بل إن ذراتِ صوتِه كثيرا ما تتساقطُ على جراحِها بلسمًا شافيًا..

و أم لم تكن كباقي الأمهات فقد كانت تغدق عليها الحب والحنان المفرطين بضراوة حب الكون وسخرت الجميع بأن يحبوها كمدلله وحيدة زهت بالدلال بكل ألوانه, وأبٌ وَطَّنا الأخوان على أنْ يقفوا من أجلِها .. من أجلِ راحتِها..حتى لا يهزمها الألم وهي المدللة .

.لأنها لم تتألم . بل إنها تكره الألم عندما يرتسمُ على أوجه البسطاء، أو المحيطين بها، وهي غير قادرةٍ على انتزاعه، هنا فقط تتألمُ لعجزِها عن رسم ابتسامةٍ عريضةٍ تُغَطِّي أوجه المعذبين..ولعل هذا يفسر أنها عندما تم قبولُها في كلية الطب لم تتمْ ستةَ أشهر ثم حولت إلى كلية العلوم الإدارية / تخصص إدارة عامة؛ لأنها لم تطق منظرَ الجثثِ الأفريقيةِ المحنطةِ ؛ لأنه يُصيبُها بالدُّوار

كان لها مع دخولِ المرحلةِ المتوسطةِ والثانوية والجامعة تجربةٌ جداً ثرية؛ إذ تواصلت مع صديقات غالبيتهن من الأسر الراقية في الرياض فوجدت فيهنَّ ومعهنَّ رُقِيًّا في التَّعامُلِ، ثمة تشابه ما جمعهن؛ تشابه في الأفكار والآراء، بل الرَّغبة في إثباتِ الذَّاتِ، فالنِّقاشاتُ التي كانت تدورُ بينهن مرآةٌ تنعكسُ عليها ذاتُ كل واحدةٍ، فكانت تتأمَّلُ ذاتها بتأنٍ شديدٍ، وتتأملُ الأخرياتِ، مما وَلَّدَ عندها الرغبةَ في التعبيرِ عن حصادِ التَّأمُّلِ ، ثم انتقلت أفكارها أيضاً إلى طورٍ جديدٍ حيثُ المطالبةُ بحقوقِ الفردِ والمرأة في دولتها، لكن المطالبةَ بحقوقِ

الفردِ والتكافلِ الاجتماعيِّ شيءٌ ، وشعورَها بالرغبةِ في الإعلانِ عما يجيشُ بصدرِها شيءٌ آخر، فكانت تريدُ شيئًا غير معتاد .. تريدُ أن تقرأ ..أن تكتبَ .. أن تُعبرَ عن أفكارِها بالطريقةِ التي تراها ملائمةً، فحصلت وهي الصغيرة على (الكتيب الصغير) الذي يحتوي مسمى (الكتاب الخضر) للقذَّافي وقرأته ناقدةً ما به من أفكارٍ غريبةٍ، وذلك في مجلة اليمامة بالرياض فقد كان لها صفحة ( عطاء المنهل ) أسبوعية ..مساحة تكتبُ بها ما تشاءُ مطالبةَ.. ثائرةً .. ناقدةً .. وأسلوبها يخلطُ بين الفلسفة والحكمة والمبادئ والأخلاق، وكأنَّها تختبرُ ذاتها ككاتبةٍ صغيرة مبتدئة .و بالحرص على النشر المستمرِ، بالتَّواصلِ مع المجلة حتى في سفرها حرصا منها على الاستمرارية في ....

لكن مع مادة الإنشاء هبطت عليها_ دون إرادة منها_ ربَّةُ الإبداعِ بنبضِ الحرفِ، تكتبُ بكلماتٍ غير قريناتِها، ولم تأبه بذلك في أوَّلِ الأمرِ، بل لم تدركْ أنَّ الذي تكتبُه سيصبحُ – فيما بعد- واحةً إبداعيةً غنَّاءَ ، وكلُّ ما تذكرُه هو أنَّها كانت تتذوقُ طعمًا مُغايرًا عندما تقتنصُ حرفًا وصورةً ومعنى؛ إذ يبهجُها كثيرًا، وكأنَّها في حالةِ انتشاءٍ ..إلى أن نُشر لها في جريدة الشرق الأوسط- ولأولِ مرةٍ – قصةٌ قصيرةٌ، ثم مسرحيةٌ قبلوا بنشرِها وهي في عمرِها الصغير،إذ لا تزال في المرحلة الثانوية , ثم كتبت في جريدة الرياض .. وفي تلك الأثناء وهي بين مناداتِها ونشرِها لمقالاتِها وعضويتها بجمعية النهضة النسائية وجمعية الوفاء الخيرية ومع تشجيعِ الأهلِ ومناصرتهم لكل ما تؤديه من نشاطاتٍ ...بين ذلك الزخم ظهر فارسٌ يمتطي حصانَه الأبيض ..وحلمُ كلِ فتاةٍ كما يقولون... نعم ظهرَ وما أن نظرتْ إلى عينيه قالتها بصمتِها موافقةً، ثم أفضتْ بها بعد ذلك وهي (نعم) ..فكانت (نعم) . من اين ؟؟ من الكويت بلد الديموقراطية _قيادة السيارة _ حقوق الفرد _ التكافل الاجتماعي _ الخ الأشياء المفتقدة في مجتمعها ...........

وكان النصيب؛ فكان ناموس الحياةِ الطبيعيِ أنْ لابدَّ للفراشةِ الصغيرةِ أنْ تهجرَ عشَّها الهادئَ وحضنَ الأمِ وحنانَ الأبِ ...كانت في دلالٍ لكنها انتقلت إلى دلالٍ جديدٍ ..ومع أنَّها لم ترحلْ معه في حينِها إلى الكويتِ إلا أنَّها كانت تتقاسمها حالةٌ هي مزيجٌ من الفزعِ والإحساسِ بفقدِ شيءٍ عزيزٍ ضاعَ منها ولم تعثرْ عليه بعد، بل كانت تدركُ أنها ستترك كل ما لها من بقايا طفولة مناداة لم تكتمل!!؛ فانقطع المشوارُ ليستحوذَ عليها عشُّها الجديدُ بكل ما فيها ..فاحتجبت عن نشر كل ماتَخطُّه يداها ؛ لأن الحب الذي استحوذَ عليها وغمرَها أسكتها مؤقتا عن طموحِها ..هل لأنَّها تعشقُ الدلالَ بوصفِها طفلةً لم تنضج بعد؟ لكن دلالَه لها لم يكن كدلالِ أمِّها وأبيها وإخوانِها فكان يسري بين جوانحِها كالطيفِ دائماً...ثمةَ أمرٌ لم يكنْ، ولن يكونَ، في مقدورِها أن تُفسِّره بعد!!!!!

ها هي تصعدُ سُلَّمَ التَّحدياتِ، وأولُ درجةٍ أرادتها هي قيادةُ السيارةِ التي كانت تُقابَل بالرَّفضِ المسبقِ قبل ورودها؛ لذا حاورت نفسها كثيراً: أمع أولِ هدفٍ أسعى إليه أُصابُ بالإحباطِ والفشلِ ...يالها من رحلةٍ طويلةٍ وستطول أكثر وأكثر، لكنها ثابرت وتمردت فقادت السيارة، ولكن سرعان ما ملَّت من هذا، فنفسُها توَّاقةٌ للمزيدِ والأفضلِ.. ليجلبَ لها سائقاً فليس ذلك هو طموحَها ومع زحمةِ الوقت والأولاد لم تكن للكتابة وقت إلى أن حصلت على الجنسية الكويتية عام 1999.

وفي عام 2000 كان * العَوْدُ أَحْمَدُ) كما تقول كتبُ التراثِ ؛ نعم عندما يدُقُّ المطرُ بابَك لا تتردَّد ، بل اقفز وافتح له كلَّ الأبوابِ والنَّوافذِ، كي يستعمرَ أوردتَك وشرايينَك وعظامَك بكل اطمئنانٍ؛ لأنه شفاءٌ وعونٌ لك على التَّجمُّعِ لا الشتات، وفي بيتك وعلى أرضك لا في المخيماتِ، هو لن يهدِّدَ هويتك كاللاجئ المسافرِ الذي يعضُّ على تذكرةِ الرحيلِ مع أولِ رياحٍ عكسيةٍ، بل سيجمعُ معك ثمارَ أشجار الزيتونِ ولن يجتَثَّها؛ إذ ليس في نيتِه أي جدارٍ ولا أيّ عزل، فبدأتْ بنشرِِ مقالاتِِها في الرأي العام مرة بعد مرة على نحوٍ غير منتظمٍ، ثم استلمت عملَها الإداريَّ في إحدى وزارات الدولة الهامة بالكويت في 2002م.... كل ذلك والفارسُ/الزوج لم يكن راضياً عن هذه البداياتِ أو عن ذلك الإزعاجِ على وجه الدقةِ، لكن مرغم أخاك لا بطل .. لقد تمردتْ، ولماذا تمردتْ؟ أليس هذا نضالاً مشروعاً طالما أنها لم تستَخِفّْ بقيمةٍ من قيمِ المجتمعِ، ولم تطعنْ شعوراً من مشاعرِ القلبِ المُقدَّسِ؟ هي تكره أن تخاطبَ نفسَها في حجرةٍ مغلقةٍ فتغرقَ في صدى صوتِها، وترى الأفضلَ أن تحطِّمَ جدرانَ الغرفةِ وتخرجَ للنَّاسِ؛ لتَتَدَثَّرَ بحواراتِهم لها، ... بعد طول صبر؛ بل عندما يحين القدر لا مفر من المُضِيِّ، ها هي تعملُ وتكتبُ في أزمنةٍ متقاربةٍ جدًا؛ كأنَّه مطرٌ لا يتوقفُ...بل لكأنَّ بينها وبين إثباتِ الذَّاتِ حالةً من التَّشَفِّي والانتقامِ من سنواتٍ مضت؛ تكتبُ بروحِ مناضلٍ يَذُبُّ عن عرينِ الوطنِ، فلم تلبث أنْ حظيت بكلِ حبٍّ ووئامٍ لتفتحَ نافذةً جديدةً للسعادةِ , فتزامنُت الكتابةِ مع العملِ تقريبًا لم يُثبطْ هِمَّةَ الجوهرةِ في إزالةِ عقباتِ الزوجِ ورفضِه للعملِ والكتابةِ؛ بل وقفت كالإعصارِ لتُصِرَّ على موقفِها، ولِتُذِيْبَ جليدًا هَشًّا يخفي روحَ زوجٍ مُحبٍّ ومُتعاونٍ، فكان ما هو كائنٌ الآن من مودةٍ راقيةٍ، بعد أنْ قضيا أوقاتًا عصيبةً..!!

مرَّ عامان على الكتابةِ في الرأيِ العامِ واليقظةِ بشكلٍ غيرِ منتظمٍ إلى أنْ تحدَّدَتْ ملامحُها، وبانَ مذاقُها في الكتابةِ كاشفاً عن نضجٍ يدعِّمُ رصيدَها وحضورَها في أوساطِ المهمومين بالثقافةِ والإبداعِ، هي تكتبُ منذ 2003م وإلى الآن زاويةً أسبوعيةً في جريدةِ القبس الكويتية تحت عنوان (زرقاء اليمامة)، وزاويةً بعنوان(وجدانيات رجل) في مجلة اليقظة وساهمتْ في مجلةِ السياسي الدولي بمقالة أسبوعية، كما تكتب في مجلة حطة الإماراتية الالكترونية ، وتكتبُ في مجلة دلال الشهرية قصة قصيرة كل شهر منذ2001م.، فكان ولابد من أنْ يتوَّجُ حصادُها بالإصدارين الآتيين:

إصدارات للكاتبة : ـ [مسافةُ ودّ] .. ديوانٌ شعريٌّ صدر في الكويت، عام 2003م. ـ [غوايةُ الآخرِ].. مجموعةٌ قصصيةٌ، دار الهلال، القاهرة، 2003م.

ولها تحت الطبع: ـ مجموعة قصصية. ـ مجموعة شعرية. ـ كتاب يضمُّ (وجدانيات رجل).

ـ هاهي الجوهرة تكبر تجربتها على ربوع الكويت كما كبرت إنسانيتها في ليالي الرياض، وما بين الرياض والكويت حالة من التأثير والتأثر، فكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به...إنها تخشى أن تكون الكويتية في الرياض، وتخاف أن تكون النجدية في الكويت، فهذا يعذبها مثلما كان يتعذب الشاعر الدكتور/ إبراهيم ناجى كلما عده الناس طبيبا بين الأدباء وأديبا بين الأطباء، فكان يتألم...أحبت الكويت بضراوة كما أحبت الرياض فكانت ولا تزال الطير الحالم ,يطير بنشوة الربيع .بينهما ..فكتبت

يا قلب يا مشقى .. بين الرياض والكويت الكويت مهجتي ..والرياض عزوتي يا غربتي يا الرياض.. يا غربتي يا الكويت يا ناس وش حيلتي ..قلبي انقسم ما اهتويت حياتي هي الرياض ..والعشق صار للكويت وبالنهاية صرت أنا.. بين الرياض والكويت يا حلو هل الرياض ويا حلو هل الكويت والطير المعنى .. هو اسمي ما حييت

تلكم هي سيرةُ الجوهرة التي طالما سأل عنها الكثيرون عبرَ الرسائلِ البريديةِ من كافة أرجاءِ الوطنِ العربِيِّ والكويتِ خاصةً, وهذا جوابي لهم جميعاً، يُسعدني أن أدعه لكي يتوضَّأ بين يدي كل سائلٍ، لكن يا أهلَ السؤالِ خذوا مني جواباً آخر...جواب مُهاجرةٍ من أجل فكرةٍ تُضيفُ ولا تُنْقِصُ..، تبني ولا تهدمُ.. تُرَمِّمُ ولا تُصَدِّعُ..؛ لذا سأظَلُّ مهاجرةً من أجل أنْ يصبح قولي فعلاً، وتكون الكلمةُ جداراً يُهدهدُ عليه كلُّ غريبٍ كآبتَه ويُسكب على ظِلِّه تعبَ البدنِ وألمَ البحثِ عن وجودٍ ..هكذا أحلم ..بل هكذا أتمنى؛ ولهذا أرجو منك الإنصاتَ بخشوعٍ لما يأتي لأنه لك.... لك أنت فقط أيها السائلُ القارئُ:

ها أنا الجوهرةُ؛.. وأنا أقفُ على عتباتِ النُّضجِ والتَّأَمُّلِ الواعِي تَرتَعِدُ أوصالُي أمامَ نافذةِ الذِّكرى.. ترتعدُ وأنا بين زوجٍ يزرعُ لي الرِّضا بستانًا، وأبناءٍ هم قطعةٌ من ذاتِي المُهاجرةِ إلا عن ابتساماتِهم، فَثَمَّةَ محطَّةٌ فارِقَةٌ في حياتِي لا تستطيعُ أمواجُ البَحْرِ أَنْ تَمْحوَها، ومنعطفٌ صعبٌ؛ انتشلَني من هذه الطمأنينةِ وثَبَّتَني على فُوَّهَةِ بركانٍ ثائرٍ..بركانُ الاغترابِ والإحساسِ بالغربةِ القاسيةِ وأنا وسطَ الأهلِ وبين المحبينِ، أبدأ لا أخجل أنْ أعلنَ عن غربتي بينَ أهلي فتلكم حالةُ اغترابٍ وأنتم أدرى بالاغتراب........

الجوهره إن أردتموها مختلفة أو مهاجرة أو حكاية أو متألقة دائما بالأمل فهي هكذا فلم يهزمها غير الموت ..الفراق ..الألم ..

وذلك لسببٍ هامٍ هو الرَّحيلُ المُقَدَّرُ لسحابةٍ ظلتْ تُرافقُني طوالَ مسيرتِي

رحيلُ الأبِ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته في 10/2/2003، يوم عرفة 1423هـ .. يومٌ يُؤَرِّخُ لخارطةٍ من الوجعِ المستكينِ في الكَبدِ ؛ فهو الذي أتقن تعليمي منذُ طراوةِ أناملِي كيفَ يكونُ الصُّمودُ؛ عندما ألجمَ - منذُ الصِّغَرِ - كوامِنَ التَّمَرُّدِ وهو ممسكٌ بعصا من حنانٍ أبويٍّ أثيرٍ..فكان أستاذِيَ الأوَّل .... نعم.. علَّمني متى أبوحُ ومتى أطْوي بُرْعُمَ هواجسِي في قاعِ الكِتْمانِ ..هو شمسٌ لا تبخلُ بدفئِها وأنا الشتاءُ المُتَعَطِّشَةُ لأشِعَّتِه.. هو شاطئٌ لفراشاتِ أحلامِي الطائرةِ ..وبَرُّ الأمانِ، وأنا البحرُ في قمةِ الهُياجِ والغضبِ..هو النَّدى الذي يزورُ الصَّباحَ وأنا البرعمُ الوردِيُّ الذي يتَّسِعُ ليحتضنَ حَبَّاتِ النَّدى على مسامِ جسدِه..أناجيه كلما ضاقَ الصدرُ بأنَّ القمرَ الذي زرعته لي ـ يا أبي ـ ليضيءَ دروبَ ليلي قد غادرني ..فلِمَ غادر تني يا أبي ؟ ..أنا الطفلةُ التي لن تَمَلَّ من التَّشَبُّثِ بعباءتِك القمريَّةِ البيضاء وأراهم ينتزعونَ قبضتي الضعيفةَ من طَيَّاتِ عباءتِك....أَأْخبرتَهم ياأبتي بأنَّك جبلٌ شامخٌ، وأنَّني لا أجرؤ، ولا يجرؤ غيري، على جرحِ الجبلِ الذي تَختبئُ الشَّمسُ تحتَ ظِلِّه؟؛ الجبلِ الذي كان حريصًا على أن يَحُوْلَ دُوْنَ أَنْ يُرَفْرِفَ الحُزْنُ على أَوْلِ فستانٍ أرتديه... مازالَ قَلبي مُبْتَلاً بصدى صوتِك فتستيقظُ فِيَّ الذكرياتُ مع الهزيعِ الأخيرِ من الَّليلِ، لأصرخَ بأنَّك زمنُ الوجودِ الجميلِ، وأنَّك رغبتي العارمَةُ في الانعتاقِ من القيودِ الكثيرةِ الظَّالِمةِ.!!!، وأن كلَّ شيءٍ كانَ آيلاً للسقوطِ والزوالِ إلا صوتَك عند البابِ يستقبلُ خطوتي السريعةَ باتجاهك!!

كم أتخيَّلُك يا أبتي فكرةً تتجسَّدُ على الأرضِ ..حتى عندما أُفَتِّشُ في ذاكرتي أُفَتِّشُ بكلِ أدبٍ، بل عندما أعبثُ في تُرّهاتها أتأَدَّبُ كثيراً حتى لا أُزعجُ حضورَك الدَّائِم في صفحةِ عقلِي لأنك أنتَ الذَّاكرةُ ..أبكيك.. وكم تمَنَّيتُ أن أكونَ بجوارِك لحظةَ الوجعِ وقبلَ الاحتضارِ ليَلثُمَ فمُي الألمَ والآهةَ المستبدَّةَ بجسدِك الرقيقِ..أيتُّها الذِّكرى ..رفقاً بي..وأيَّها الطَّيفُ الحبيبُ ..طيفُ أبِي..كُنْ صديقَي على الدَّوامِ، فلَنْ أداريَ دَمْعَتي أمامَك، فأنتَ منه ، وهو الذي علَّمني ألا أرتكبَ البكاءَ حماقةً ، بل كثيراً ما كان يُحفِّظُني ـ إذا فاضَ بي الكيلُ ـ كيف أُداري الدَّمعَ عن العيونِ اتِّقاءَ الضَّعْفِ والهوانِ..، فلستَ أنت العيونَ؛ لأنَّك عيوني .... بل لأنَّك سعود وسعادة ايامي ..!!!فحتى بذكراك يختلط الألم والسعادة معاً ..كيف ؟ اسعد بذكراك واتالم لفقدك ...فستبقى ذكراك تتابع خطواتي ما حييت ..

...فمِنِّي عليك سلاماً ياأبتي...يامن كنتَ تهِلُّ عليَّ فتَسْبِقُك طِيْبَتُك لتَطلَّ من عينيك كَلَوْزَةٍ ناضجةٍ؛ تتهادَى من شرفةِ الحنانِ ..بل من رَحِمِ السَّماحةِ ومهادِ الحب....

أنا ـ أيُّها القُرَّاءُ ـ إنسانةٌ مهاحرةٌ .. مخلوقةٌ لأبحثَ عن لغتي الخاصة ..عن رحيقي الخاص ... باحثةٌ عن تعويذة الإبداع الراقي والصَّاعد بي نحو قِمَّةٍ سامقةٍ كما هي واردةٌ في سِفْرِ الإبداعِ الأبدِيِّ ، أتنَكَّبُ لغةً لا تبتعدُ عن عصرِها.. رغم سعيِ لأن تكونَ اللغةُ كفتاةٍ دمشقية رقيقةِ الطبع والقَدِّ ..فرعونيةٍ ساحرةِ العينين بضحكات النيل الساكنة فيهما، والشذا لا يستريحُ بغير وجنتيها، بل مثل أيَّة بَدَوِيَّةٍ جميلةٍ تبيع بكاءَها للشمس ، وترصدُ فجرَها الآتي في الأفق البعيد ، وعند اخضرار الوقت يُصبح حزنُها نافذةً تدل على السماء، أنا أيها السائلون أتَرَقَّبُ لغةً تَمْتَدُّ قشَّةً للسابحين ..وألف ألف راحلةٍ لعابري السَّبيلِ .. لغةً تُبادلُ قارِئَها الجنونَ إذا أراد ...وتُرِيه ابتسامةً طازجةَ كرغوةِ الحليب ...وتَدَعَه يسبحُ في أقحوان عيون من أَسكبَ في راحتيها عمرَه دونَ أن يغرقَ ... لغةً تبدو ـ حينما تتكسرُ ـ كجثَّةٍ مُهذَّبةٍ .. ممنوعةٍ من الدَّمع، وتجعلُ الأرضَ المحفورةَ لها تصرخُ وتلفظُها لأنَّ أحزانَها شائكةٌ ...لغةً تُقَبِّلُ الفجرَ وهو على كتفِ النهارِ، وتجعلُ الظِلَّ يلهثُ من الانفعالِ ...لغةٌ تجعلُ قارئَها كما يرتدي ملابسَ خفيفةً في الصيفِ أن يتخفَّفَ أيضاً من الأحلام المُمِلَّةِ نهاراً...لغةً من لحمٍ ودمٍ ..مِنَّا ومن جلودِنا نحن،...لغةً ليسَ في مقدورِ فردٍ أن يُنْكِرَ بأنَّها كالأيامِ؛ إذ تظلُّ ضاحكةً على الدَّوامِ؛ لأنها مازالت تقلِّبُ الأوراقَ لكل البشرِ ... لغةً تسيرُ أمامَ راغبيها بكلِّ كبرياءٍ وعنفوانٍ ، وتُلْقِي عليهم فتنتَها بلارحمةٍ...حتى يعرفوا بأنها قادرةٌ على اصطيادِ الموتِ ـ باقتدارٍـ من عظامِهم الظامئةِ، وقادرةٌ على نفي أحزانِهم، وأحزانِها، وغربةِ أعمارِهم بشبابِ أفكارِها... لغةً تبدو معها الجوهرةُ حاملةً لوداعةِ أمٍّ أسلمتْ صَخَبَ ابنِها للنَّومِ ، لتقضيَ لحظتَها الخاصَّةَ بنشوى الغروبِ. ...فهذه هي ذاتي، وما أبتغي أنْ أَكونَ غير ذلك أيُّها القارئُ الواعي!! ولتسمحْ لي بأنْ أصعدَ معك درجةً أعلى وأصارحَك بالآتي:

أبدا ما كنتُ ولن أكونَ حتى أستبيحَ شظايا العمرِ على مائدةٍ لِلَّهْوِ، أو في عُرْسٍ زَائِفٍ..، وما كنتُ لكي أشربَ الغمامَ حتى أتوارى خلفَ ستائرَ من ترابٍ ، أو أَبْنِي خلفَ سرابِ أُنْثَاي ناطحاتٍ من قلقٍ عندما تنعكسُ صورتي – قصداً- على عيونِ المارَّةِ؛..صورةُ فراشةٍ فَكَّتْ ضفائرَها المعقودةَ....صورةٌ بلا عباءةٍ أصيلةٍ ورثتُها عن أمي، وأمي وَرِثتْها عن جدَّتي، وجدتي ورثتْها عن.........!!!

بل ما كنتُ لأسألَ: ماذا لو أنَّ العالمَ من حولي صار (رجال)؟ أو ماذا لو أنَّ العالمَ من حولِي صارَ (نساء)؟..فَلِمَ لا نبادرُ بالخطوةِ الأولى، ونُعيرُ العالمَ المَغْبونَ فينا بعضَ رُؤَانا وأحلامِنا وأمانِينا، فَلَعَلَّه أفضلُ مِنْ أَنْ نُطلقَ الآهاتِ تَرويحَاً ...فَمَا بِي من لهيبٍ حارقٍ يَكوي ضلوعي، وما في ثنايا أطرافِي من برودةٍ ليس إلا جمراتٌ من المعاني والوعي المُبَكِّرِ...فَلْتَطْمَئِن أيُّها القارئُ العزيزُ..يا مُتْعبي الكبير ..فلتطمئن على أنِّي معك على دربِ التَّواصلِ، وأعاهدُك بأنَّني مُقبلةٌ عليكَ وَكُلِّي إرادةٌ ووعيٌ بأَنْ أَنْفِيَ من ذاكرتِي تمامًا أَيَّ شيءٍ يَجْعَلُني أعتقدُ بَأَنَّ لا أحدَ غَيري في الدَّربِ يسيرُ، أمَّا أنتَ ..فلا أحدَ غيرَك في دربِ إبداعي يسيرُ..فالبوحُ ردائي والكلماتُ داري الذي آوي إليه ليعصمَني من نفسي أولاً وأخيراً؛ لكي أستطيعَ بكلِ جسارةٍٍ تمنحُها لي أنْ أتكِئَ على الأمسِ لأصعدَ قِمَّةَ اليومِ، وأطلَّ من نافذةِ الغدِ على مستقبلٍ أشاركُ فيه ..أشاركُ في صنعِه...فهل هذا كثيرٌ عليّ؟ ... أحرامٌ أنْ أُضْمِرَ إرادةَ صنعِ مُستقبلي بيدي؟، ألستَ تعلمُ قارئي العزيز أنهم يقولون ـ هناك ـ بأنَّ التاريخَ يكتبه المنتصرونَ فقط.. وجسدُنا باتَ وطناً للهزائمِ المتناسلةِ؛ فتعال لكي نصنعَ ونكتبَ مستقبلَنا وتاريخَنا قبل أن يصنعَه لنا ويكتبَه لنا الآخروووووووون، فهل نقدرُ على أنْ ننزعَ أيةَ يدٍ تعبثُ بمعطياتِ مستقبلنا..؟! أرجوك قارئي العزيز ساعدني ...فَسأحاولُ، وَلَنْ أَمَلَّ المحاولةَ ما حَييتُ، طالما أنَّني أقبضُ على قلمِي، وعلى طرفِ لساني تَقفذُ كلمةٌ مُشاكِسَةٌ تحثكم ... تحثكم جميعاً... تحثكم جميعاً أيها القراء!!!!

الجوهره القويضي

-------------------------------------------------- *العود أحمد:- للدلالة على العودة الطيبة بعد انقطاع أو حدوث تواصل بعد هجر أو هطول المطر بعد جفاف .