كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا حين انتهت محاضرة الهندسة الصناعية. توجهتُ إلى مطعم الجامعة لألتهم سندويتشًا مع مشروبٍ غازيٍّ خفيف، استعدادًا لرحلة العودة إلى البيت، التي عادةً ما تستغرق ساعة أو أكثر في ذروة الزحام.
وجدت ريشة في الشارع الضيق حيث أركن سيارتي؛ كان متكئًا على سيارة يدخن سيجارة مع أحد صبيانه. ما إن رآني حتى ناول الصبي مفتاحي من ميدالية ضخمة، وركض إلى الطرف الآخر من الشارع، حيث كان أمين شرطة يشير إليه. أخذ الصبي في تحريك السيارات المتراصة بخفة.
وأنا أركب، لمحتُ ريشة يناول رزمة نقود للأمين، الذي تفحّصها سريعًا، ثم دسَّها في جيبه. بعد سلسلة من التحركات البهلوانية للخروج من الركنة، تقدّمتُ بالسيارة نحو ريشة، الذي أتى مهرولًا لتحصيل الشهرية المتأخرة. نظر داخل السيارة يتحرّى موقع المحفظة، واستراح لإخراجي ربع مصروفي الشهري. تحركتُ، فناداني:
– لو رايح مصر الجديدة، خُد ٦ أكتوبر! طريق الحسين مقفول، في واحد من الكُبَرات بيزور الجامع!
لوّحتُ له بيدي شاكرًا، ثم انطلقتُ نحو الكوبري الأكثر زحامًا.
انعطفتُ يسارًا بعد مدخل وزارة الداخلية، تعلوه لافتة ضخمة: "الشرطة في خدمة الشعب." دخلتُ شارع الفلكي، عائدًا إلى ميدان التحرير، وأنا أسأل نفسي: لماذا أدفع ٨٠ جنيهًا شهريًا لأركن في هذا الشارع، وهو الأرخص في محيط الجامعة؟ الغريب أن منصور، سايس شارع محمد محمود، يطلب ١٥٠ جنيهًا. لا مفر... سأطلب من أبي زيادة المصروف.
لحسن الحظ، لم أجد التحرير مزدحمًا كالمعتاد. توقفتُ قليلًا عند الإشارة، ثم اتجهتُ يمينًا نحو ميدان عبد المنعم رياض، استعدادًا لصعود الكوبري. أبطأتُ مرتين لأفسح الطريق لمارَّة يعبرون من خارج المعبر، مشهد اختفى العام الماضي عندما طُبقت الغرامات، ثم عاد بعد استقالة اللواء أحمد رشدي إثر أحداث الأمن المركزي.
وصلتُ عند مطلع الكوبري، فتبدّد التفاؤل. السائقون يزحفون في محاولات يائسة للتسلل داخل حارة سريعة. في الأعلى ظهر الممر الضيق، يكتظ بالسيارات في الاتجاهين، بين أشجار أسمنتية عملاقة مائلة إلى البني الكالح بفعل تراب السنين. الزمن نفسه بدا كأنه يثقل على الأسفلت، والسيارة تهتز فوق الفواصل الحديدية المتهالكة. أبواق متداخلة تملأ الأجواء بلا هدف. على الجانبين، البلكونات تغطيها قضبان حديدية، والنوافذ من الخشب والكريتال والألومنيوم مغلقة جميعها. أجهزة التكييف مختنقة من العوادم. لافتات ضخمة تدعس الإعلانات الصغيرة تحتها — أسماء محامين وأطباء ومكاتب ترجمة وشركات صيانة. البنايات تبدو خجلانة من عمرها.
ظهر طفل حافٍ يبيع المناديل، يشير إلى فمه طلبًا للمساعدة. إلى جواره مراهق يحمل أكياس عيش، ينافسه بصمت. في السيارات المجاورة، رجل يصرخ في زوجته، وسيدة تضع مكياجها في مرآة السيارة، وسائق تاكسي يغني مع عبد الوهاب كأنه في حفلة خاصة. رغم هذا السيرك، شعرتُ أنني وحدي تمامًا. لم يكن شعورًا سيئًا، بل حرية خافتة غير مبررة، كأن شيئًا داخليًا تنفّس بعد احتباس طويل.
بعد نصف ساعة من السير بسرعة السلحفاة، وصلتُ أعلى ميدان رمسيس ومحطة مصر للقطارات، فانفرج الأفق قليلًا. أصبح الميدان وشارع رمسيس يفصلان بين المباني المصطفة على الجانبين، إلا أن شيئًا على الأرض لم يتغير. العوادم السوداء منسوجة في الهواء، والسيارات تغيّر أماكنها بين الحارات، لكن ينتهي بها المطاف في نفس مواقعها. عند منزل غمرة، هتفتُ لنفسي بفخر:
– عبرت في أقل من ست ساعات.
المسافة بين منزل كوبري "يوم النصر" ومطلع كوبري غمرة لا تتجاوز كيلومترًا، لكنها لم تخلُ من مشاهد لافتة. أمام محل عصائر، تزاحم العشرات تحت شِباك فاكهة معلّقة، تتسابق عليه الذبابات، كما تتسارع على سباطات الموز وأعواد القصب المسنودة على طرفَي المدخل. الشارع مزدحم بالمارة من كل اتجاه. لفتت نظري مجموعة فتيات يرتدين الحجاب، يتقدمهن رجلان بلحى بطول قبضة اليد، يرتديان جلابيب بيضاء فوق بناطيل لا تلامس الأرض. مظهر تكرَّر كثيرًا في السنوات الأخيرة.
عند مطلع الكوبري، زحام آخر — هذه المرة بسبب حادث. أكثر من عشر سيارات توقفت، وحوالي عشرين شخصًا التفّوا حول مصاب مُلقى على الأرض بلا حراك. كلٌّ يصرخ بنصيحة، ولا أحد يسمع الآخر. ترجّلتُ لأقدّم المساعدة، فظهر أمامي رجل ثلاثيني، اندفع مشيرًا للأمام وهو يصرخ:
– أنا شفت الأتوبيس اللي خبطه وجري! تعالى نلحقه قبل ما يضيع في الزحمة وحق الغلبان يروح! الإسعاف جاية كمان ٥ دقايق... يلا يلا!
بلا تفكير، دخلتُ السيارة، قفز هو بجانبي، وبدأ يعطي التوجيهات:
– خليك يمين، مش هيعرف يدخل شمال. مفيش مخرج من ناحية جنينة الدمرداش.
– لونه إيه؟
– أبيض! أهو، اللي على اليمين.
– أنا شايف اتنين!
– اللي على اليمين! مش باين من ناحيتك، بس أنا هقولك تمشي إزاي!
بدأتُ أشعر بعدم ارتياح، لكن الحماس لفعل الصواب شدّني.
– سرّع شوية، نلحقه قبل إشارة العباسية... أو تعالى ناخد يمين ونكسر شمال، نوصل قبله ونقف قدّامه.
بدت الفكرة منطقية... دخلتُ الشارع الجانبي، خالٍ نسبيًّا.
– كويس... اجرِ شوية.
أسرعتُ في الشارع الضيق، السيارات مصطفّة، والمارة في المنتصف، أُطلق البوق باستمرار. بعد نحو ٤٠٠ متر:
– اوقف... اوقف!
ظننتُه رأى الأتوبيس أو يستطلع شارعًا آخر، فأوقفتُ السيارة. فجأة، فتح الباب، نزل، أغلقه خلفه، مال بجذعه للداخل، وقال بابتسامة ساخرة ممزوجة بروح النصر:
– متشكر جدًا على التوصيلة!
انطلق بعدها في لمح البصر، وأنا أراقبه بعيني، متسمّرًا في الكرسي؛ يدي على المقود، وهو ينحرف يمينًا بعد عدّة أمتار، في شارع أضيق مما كنا فيه. ظللتُ في حالة الذهول، وعيني مثبّتة على مدخل الشارع الذي انعرج إليه، ثم بدأتُ ألتفت حولي يمينًا ويسارًا، أبحث عن دليل أن ما حدث للتو كان مجرد حلم... أو كابوس.
كل شيء في الشارع كان طبيعيًّا جدًا، وكأن شيئًا لم يحدث. بعض المارة المرتجلين يحملون أكياسًا بها خضروات ومواد بقالة، شاب على دراجة هوائية يحاول تفادي سقوط "مِشنّة عيش" من على رأسه، وبائع متجوّل في جلباب أزرق داكن رثّ، بين أصابعه سيجارة يفوح منها دخان أزرق، يصيح بصوت جهوري:
– مجنونة يا قووووطة!