الامتحان

تتوقّف بي سيارة أوبر أمام بوابة المدرسة العامة. أفتح الباب فتصفعني موجة من حرٍّ خانق. هبة الهواء تضطرني أن أمسكّ تنورتي حتى لا تنكشف ساقَيَّ. الطالبات متجمّعات عند المدخل مع أمهاتهنّ؛ تتطاير الأدعيةٌ والوصايا وتمتزج بقلقٍ مرتجف في العيون. إلى جانبهنّ يقف مدرّسون خصوصيون، يضغطون في دقائق ما لم ينجحوا في بثّه خلال شهور. يلوّحون بأوراق صغيرة، ويتبادلون الجُمل الإنجليزية بصوت مضطرب.

أمرّ من البوابة نحو موظّفة تجلس خلف مكتب خشبي صغير. ترفع رأسها ببرود، تشير إلى خانة التوقيع، ثم تعود إلى كشف الانتداب كأنّ وجودي تفصيلة عابرة. أوقّع. هذا الروتين الجافّ يخفّف قليلًا من فوضى الأصوات في الخارج. أصعد إلى الدور العلوي. الفصل الذي كُلّفت بمراقبته به مقاعد خشبية قديمة. هواء ثقيل يتسلل من نافذتين كبيرتين في الجدار الشرقي، فيحرّك الأوراق فوق المكاتب كأنفاس لاهثة.

أجلس في المنتصف. القاعة خشبة مسرحٍ ينتظر ممثليه. بعد دقائق ينفتح الباب، وتدخل الطالبات في مجموعات صغيرة. همهمات متقطّعة، غمزات، ابتسامات متخفّية، وكأن بينهنّ اتفاقًا صامتًا يعبر من مقعد إلى آخر. أوزّع أوراق الامتحان، ثم أقول بصوتٍ يقطع كلَّ تردّد:

  • أيّ محاولة غشّ ستُسجَّل فورًا… وقد تصل العقوبة إلى الرسوب في الثانوية العامة برُمّتها.

يتجمّد الجو لحظة، ثم تهبط الرؤوس على الأوراق ببطء مصطنع. أعلن بداية الوقت، وأجلس أراقب.

تمرّ دقائق قليلة، ثم يخرج من الصف الخلفي همسٌ خافت، زقزقة محبوسة. طالبتان تتبادلان نظرات سريعة، بينما تخفي إحداهما شيئًا بكفّها. حين تلتقي عيناها بعيني، تُسقط قلمها افتعالًا. يعودُ الصمتُ، صمتٌ متوترٌ يسبحُ فوق الرؤوس. بعد قليل تومض أوراق صغيرة بين الأيدي وتختفي؛ إشارات بالأصابع، وسعال متعمّد. خيط خفيّ يزداد وضوحًا، نسيج من تواطؤ يتشكّل أمامي كخريطةٍ من الظلال. في وسطها يلوح وجه فاطمة؛ فاطمة التي دخلت غرفة العمليات وهي تضحك وتقول لي: ساعة وأعود. لكنها لم تعد.

أحاول إحكام السيطرة على الفصل، لكن الخداع يتحرّك كالماء: كل جهة تستغل انشغالي بالأخرى. أضرب المكتب بيدي فيسقط ضحك مكتوم، لكن الحركة تعود فورًا، كأن شيئًا لم يحدث. ألتقط ورقة صغيرة تدحرجت على الأرض، أمزّقها أمام صاحبتها، فتنتشر موجة من الوجوم سرعان ما تتكسّر على همسات خافتة؛ همسات كالتي صاحبت خروج جثة فاطمة الباردة من تحت أيدٍ ادّعت المعرفة.

فجأة، قبل أن أكمل جولة بعينيّ، يعلو صوت غريب من الشارع:

السؤال الأول… الإجابة: الاختيار (C).

تعلو الرؤوس دفعة واحدة. الإمداد يأتي من ميكروفون يصرخ فوق سيارة متوقّفة أمام المدرسة. يصعد التوتّر مثل دخانٍ كثيف، والطالبات بين صدمةٍ وضحكٍ مكتوم، وبعضهنّ يُسرعن بالكتابة كمن يتلقّى هدية من السماء. أتجه نحو النافذة أحاول إغلاقها، فيرتفع صراخ الطالبات:

  • الجو لا يُحتمل يا أستاذة! دعينا نتنفس!

أتراجع وسط احتجاجاتهنّ، والميكروفون يواصل تلاوة الإجابات كأنها خطبة متعجّلة.

تقف طالبة في المقدّمة وتقول بانفعال:

لِمَ لا تتركيننا نحصل على الإجابات مثل سائر المراقبين؟ إنكِ تُضيّعين مستقبلنا بهذا التشدد!

أردّ عليها سريعًا بانفعالٍ عفوي:

  • لا أضيّع مستقبلكنّ… بل أمنعكنّ من بنائه على فراغ.

يهبط الصمت لحظة. ثم تقف أخرى فجأة وتشير إلى معصمي، وتقول بحدّة:

  • إنها لا تريد لنا النجاح لأننا مسلمون!

تهتزّ القاعة. الاتهام يمرّ مثل شرارة فوق بارود. نظرات مصدّقة، أخرى متردّدة، وجدار ثقيل يخنق الهواء. كأن الفصل لم يعد مكانًا للامتحان، بل محكمة تُنصَّب على عجل. أتماسك، أخرج هاتفي وأقول للمراقب العام:

  • تعال فورًا… وأحضر مراقبًا آخر. لا يمكنني السيطرة وحدي.

وقبل أن يأتيني الردّ، ينطلق إنذار سيارة شرطة في الخارج. السيارة التي تحمل الميكروفون تهرب مسرعة. لكن ما في الداخل لا يهدأ. عيون مشتعلة، همسات تشتعل وتخبو، وطالبات ينظرن إليّ كأنني العدوّ. أقول بوضوح:

  • لن يخرج غشٌّ من هذا الفصل ما دمتُ واقفة هنا… لن ترحل فاطمة أخرى.

يمرّ الوقت ببطء شديد. أراقبهنّ واحدة تلو الأخرى، كل إشارة تُقطع، كل محاولة تُخمد وهي تولد، حتى يدقّ الجرس أخيرًا. أجمع أوراق الإجابة من أيادٍ متثاقلة؛ بعضها غاضب، بعضها منكسر، وبعضها يشي بحيرة لا تعرف لأيّ كفّة تنتمي. أخرج من الفصل مستنزفة النفس، منهكة الجسد. أريد الرحيل، بل التلاشي من هذا المكان.

أنزلُ الدرجَ كالقطار إلى فناء المدرسة، فإذا بحشدٍ ينتظر عند البوابة: أمهاتٌ محجّباتٌ ومنتقباتٌ، وبعضُهُنَّ متبرّجات — كما يطلقون عليهنّ — ورجالٌ يُلوّحون بأذرعٍ غاضبة، والمدرّسون الخصوصيون يُخفون قلقًا خلف شكاوى مصطنعة. وما إن يرونني حتى تنفجر الكلمات:

  • أأنتِ السبب في عجز بناتنا عن الحل!!
  • لماذا ضيّقتِ عليهنّ!! سوف يرسبنَ بسببك!!
  • متربّصة! تريدين إذلال بنات المسلمين!!

أشعر بالدائرة تضيق. أصابع تتّهم، نظرات تزداد حدّة، والشرطي يحاول تهدئة الحشود بصوت يكاد يضيع وسط العاصفة. أقترب من البوابة، لكن الاتهامات تستمر في ضربي كأمواج عاتية:

  • سافرة!
  • عديمة الرحمة!
  • حقودة!

أمدّ يدي نحو المقبض، وفي اللحظة نفسها تمتد يد من الخلف تشدّ ذراعي. ألتفت مذعورة. أحد المراقبين العاملين في المدرسة، رأيته أثناء توقيع كشف الانتداب، وجهه متوتّر لكن صوته ثابت يهمس لي:

  • لا تخرجي من هنا… سيزدادون جنونًا. تعالي، سنخرج من الباب الخلفي.

أسير خلفه في ممرّ ضيّق. أصوات الحشد تتراجع، لكن وقعها ما زال يخدش الهواء. يقول وهو يسبقني بخطوات سريعة:

  • تماسكي… لم يبقَ إلا القليل.

نصل إلى باب حديدي صغير خلف المدرسة، ينفتح كأنه منفذ نجاة. أخرج إلى شارع جانبي هادئ يخلو من كل شيء سوى ظلّ جدار طويل. أتنفّس بعمق، أشعر بالعرق ينحدر من جبيني، والفراغ يسحب التوتّر من صدري شيئًا فشيئًا. يلتفت إليّ المراقب ويقول بصوت منخفض:

  • لن تفوزي في هذه الحروب وحدك… لكنكِ اليوم وقفتِ حيث لم يستطع كثيرون مثلي.

أمدّ يدي إليه:

  • أشكرك… لولاك ما خرجتُ بسلام. ما اسمك؟

يبتسم ابتسامة خفيفة:

  • اسمي يوسف.

أردّد اسمه في داخلي كأنه وميض قصير وسط كل هذا العتم. أهز رأسي له امتنانًا، ثم أسير في الشارع الخلفي، لا أكاد ألتقط أنفاسي. عندما ذكرتُ اسم صديقة العمر فاطمة، خيّمَت علاماتُ التساؤل على وجوه الطالبات. كم تمنيتُ لحظتها أن أكشفَ لهنّ أنّ الأيدي التي كان يجب أن تشفي أرقَّ روحٍ عرفتها الدنيا، كانت تحمل شهادةً انتُزعت بالغش!

وأنا أبتعد، أسمع هدير محركات يقترب. أتوقّف. أرى سيارات فارهة داكنة النوافذ تعبر الطريق، تسبقها صفّارات حادّة وحرس بملامح متصلّبة. يبدو وميض معدنها تحت شمس المغيب كعالم آخر يمرّ بجانبي، عالم لا يرانا، ولا يعنيه إلا الوصول إلى وجهته.