علـى حـافـة الحـق والـحـقــيــقــة

لم

يعد هنا شك في أن هذه القطعة المنبسطة من الرخام الابيض الصافي ناصعة بقدر لا يقارن بأي قطعة رخام اخرى في جميع مدن اليونان وقد ملئها قدر كبير من المهابة إذ شكلت طاولة منصة هيئة المحكمة العليا لأثينا منذ قرابة ربع قرن، وحتى وقوع أحداث هذه القصة كان قد توالى عليها العديد من الحكماء الأثينيين ليدرسوا مظالم مواطني أثينا ويحكموا بينهم، وفي هذا اليوم وقف أسفل المنصة عدد بسيط من المواطنين ومسؤولي الحكومة ليُنظر في منازعاتهم، لم يسبق ان كانت ساحة المحكمة خاويه بهذا القدر.. يبدو ان الجمهور منشغل بمحاكمة سقراط الممتدة منذ عدة أيام في المجلس الاعلى، ربما كان ذلك من حسن حظ الإخوة زيكوس، فلطالما أجلت المحاكم قضيتهم ولم تنظرها حتى بلغ بهم الضجر أن قام الأخ الأكبر السيد/أندرِياس بإرسال تذكرة يومية للقاضي بشأنهم.

 وإذ يشغل منصب رئيس محكمة أثينا العليا في الوقت الحاضر "القاضي رفيع المقام" وهو رجل حكيم بلغ السبعين او يزيد ويحب الحق والعدل ويُشهد له بالنزاهة فقد قبل ان ينظر في موضوعهم.. ويدخل القاضي الي ساحة القضاء في موكبه البسيط ... ويجلس الى المنصة بصمت لدقيقة يتأمل فيها الضوء المنعكس على الرخامة الناصعة ويتحسسها بأطراف انامله..

ينادى الحاجب بحزم وبنبره تدل على اعتياده تكرار نفس المقولة كل يوم تقريبا

-   نبدأ اليوم السادس والعشرون من الشهر الثاني عشر من السنة الثانية من الأولمبياد 95 لتنظر المحكمة العليا كافة قضايا شعب اثينا العظيم وتتأكد من تحقيق العدل في كافة ارجاء مدينتنا،

يعلم الحضور ان المحكمة ترتب أولوية النظر في قضاياها وفق اهميتها وتاريخ ورودها وإذ طال انتظارهم لهذه اللحظة وقد بدا على وجوههم قدر بالغ من اللهفة والتطلع ليكمل الحاجب مقدمته البيروقراطية في أسرع وقت... ويستكمل الحاجب خطابه القصير

-       اليوم نصغي باهتمام وقبول لحكم القاضي رفيع المقام في عدد.. همم أحم أحم.. قضية واحده

يفكر الحاجب باستنكار ويدرك أن ذلك طبيعيا محدثاً نفسه لقد أنهينا كافة القضايا الخاصة بهذا العام ولم يتبق سواها بالفعل ... - القضية الاولى والوحيدة لمحكمة اليوم: قضية الاخوة زيكوس ضد أثينا ...

يبدأ القاضي في الحديث ... فليتقدم أطراف الدعوى.

-       سيدي القاضي انا بيرو ممثل الدولة.

-       سيدي القاضي انا مَنِّسُوس ممثل الاخوة زيكوس.

يرحب بهم القاضي في مجلس المحكمة بإيماءه بسيطة وينظر في لفافة الأوراق المرتبة على الرخامة البيضاء أمامه، يشير بصوت وقور يصاحبه حركة من يديه النحيلتين في حديث مقتضب الى أن مضمون القضية يتلخص في ان الأخوة زيكوس يطالبون بميراثهم من والدهم والمتمثل في حفرة في الجهة الشرقية من المدينة ...ثم لا يكمل القاضي حديثه وينظر الى
السيد/ بيرو بعيون متعجبة برزت أسفل حاجبين كساهم الشعر الأبيض ويضع كفيه على رخامة المنصة لينتصب بقامته قليلا ويوجه إليه حديثه قائلاً!

-       ما الامر؟

-   سيدي القاضي انهم يطالبون بميراثهم في الحفرة التي صنعها اباهم في القطعة رقم ٣٦٥ من الحي الشرقي..

يقاطع القاضي حديثه بعبارة.. تقصد ان اباهم يمتلك قطعة أرض وهم ينازعون الدولة في ملكية الأرض؟

يرد بيرو لا سيدي القاضي لم يكن ذلك ما أعنيه فلا يوجد خلاف بشأن ملكية الأرض، المسألة مسألة حفرة حفرها اباهم خلال ٢٥ عام مضت وحتى وفاته اما الأرض فالأخوة زيكوس لا يدعوا ملكيتها ... هي ملك الدولة.

يستكمل مَنِّسُوس حديث بيرو.. بصفتي ممثل المدعين أؤكد على ما قاله السيد الموقر بيرو ان موكلي لا ينازع الدولة في ملكية الأرض، بل يعترف تأكيدا بان قطعة الأرض 365 بالحي الشرقي ملك للدولة وفق ما نصت عليه العقود الممهورة بخاتم الحاكم السابق لأثينا والتي في حيازة موكلي.

يرد القاضي رفيع المقام بهدوء جم ... الآن عرفت انى لم أكن مخطئ حين تصورت انى لا يمكن ان أحكم في قضية مثل هذه ... ما هذا العبث الذي يحدث في مجلسي ... كيف يريد شخص ما أن يمتلك حفرة ...ما هذه الحفرة؟

-   سيدي القاضي!!  يستجيب بيرو لنظرة القاضي إليه.. اسمح لي ان أوضح لجنابك الرفيع عدد من التفاصيل الهامة حول هذه القضية ... أن القطعة...

-       اصمت انت يا سيد بيرو الآن... الأخوة زيكوس فليتقدموا الي المنصة ...

أسفل المنصة يقف الاخوة زيكوس وهم رجل وسيدة بالغين يتقدمهم صبي وفتاة في عمر المراهقة يشير القاضي لهم فيتحدث الرجل في نبره استعطاف

-   سيدى القاضي اسمى أندرِياس وهؤلاء اخوتي السيدة نيرفانا واخي الأصغر الكساندر وهذه الفتاة الجميلة أوفيليا وكلنا أبناء زيكوس اخيلى كراتووس وهو احد مواطني الجمهورية وقد مات خلال الأوليمبية الماضية وترك لنا ميراثا بسيطا ولنا مظلمة لدي الدولة منذ عامين او ما يزيد إذ كان ابانا قد صك عقدا مع الوزير الأول فرض فيه الوزير ان يستعين بأعمال ابى الإبداعية والفنية للمساعدة في تنمية الحى الشرقي من المدينة وان يعطيه اجره متي انتهى من عمله بان يحصل أبى علي أجره بأحدي طريقتين؛ إما أن يكافئه الوزير الأول وفق ما يحدد من قيمة عند انتهائه من عمله او أن يحصل أبي علي ما اتقنه من عمل فنى وهو ما سيكون ذا قيمة فقط أذا ما اتقن أبي عمله، وكان العقد غير محدد المدة فلم يكافئ الوزير الأول ابى حتى الآن برغم ان أبى أستمر في عمله هذا بناء علي طلب الوزير وبموافقة الحاكم السابق والحكام الثلاث السابقين عليه ايمانا منهم بان هذا العمل الجاد سيخلق باعث للاجتهاد بالحي ويكون نموذج يحتذي به وسيجعل كل المقيمين في الحى الشرقي نشطاء و يحبون العمل مثل ابى وهو ما حدث فعلا إلا ان أبى لم يتقاضَ أي اجر عن عمله هذا برغم كل ما بذله من جهد فائق يشهد به الجميع ، ووفق العقد تحدد هذا العمل في ان يحفر حفرة في القطعة 365.

يتدخل مَنِّسُوس في الحديث ليوضح ان سبق للورثة ان تقدموا بطلب للمحكمة في تحديد ماهية حقهم لدي الدولة فحكمت لهم وفق العقد ان يمتلكوا الحفرة دون الأرض وهذا ما توافقت علية كل الأطراف.

يرد القاضي أي ان الميراث هو الحفرة

-       نعم سيدي الميراث هو الحفرة التي حفرها اباهم لمدة خمسة وعشرون عام و...

-       اعلم اعلم يا سيد مَنِّسُوس كفا ... إذا فما المشكلة؟

-       يريد الاخوة زيكوس ان يحصلوا على ميراثهم سيدي

-       ميراثهم!!! ... يحصلوا على الحفرة

يرد أندرِياس في صوته الناعم ...

-       سيدي القاضي الجليل هذا ما حكمت به المحكمة لنا ... الحفرة دون الأرض..

-       وكيف تتقاضون الحفرة؟ من وجهة نظركم يا سيد أندرِياس..

-   في الواقع سيدي لست أعلم، لذلك جئناك يا جناب القاضي ... كي تخبرنا بحكمتك المستنيرة كيف نستلم ميراثنا...

يصيح الفتى الكساندر ... سيدي القاضي لنا طلب اخر لدى المحكمة.. انا وأختي الكبرى نيرفانا نلتمس في ان تقسم المحكمة الميراث بين الورثة وتسلم كل وريث نصيبه فأخي أندرِياس وأختي أوفيليا لهم أم لن تدعهم يعطونا حقوقنا إذا ما تحكموا بها لذا فيجب ان تقسم المحكمة الميراث بيننا لتتأكد من تحقيق العدل.

-       نقسم الحفرة بينكم ...

-       نعم سيدي القاضي.

ينظر بيرو إلي الكساندر بأن يكف عن الحديث ويرد قائلاً لقد عرضت الدولة علي الورثة ان تمنح كل منهم 10 قطع فضية ولكنهم رفضوا وقالوا ان هذا جهد أبانا في 25 عاماً وهذا المقابل الزهيد لا يمكن ان يكون عادل بأي حال، ولذلك رأت الدولة ان نعيد رفع القضية الى المحكمة العليا لتحدد كيف نسوي الامر بشكل غير مالي، وان نسلمهم الحفرة، إذ أن الحاكم قرر أن لن يعطيهم أي مبلغ مالي مقابل ميراثهم وأن يتمسك بشرط العقد والملزم بأن يحصل زيكوس على أي من عمله الفني او ما تقدره الدولة له من قيمه وقد ناقشنا الامر مرارا واجمعنا في الدائرة الإدارية وكذا ايد رأينا الحاكم ليحافظ على أموال الشعب وقرر بشكل نهائي ان نسلمهم العمل الفني وان تتم التسوية بشكل غير مالي...

-        بشكل غير مالي! ....  يرد القاضي في تعجب صاحبه صوت كفه على المنصة

-        نعم، يا جناب القاضي رفيع المقام.. بشكل غير مالي ...

-   أي ان ملخص هذه القضية ان مطلوب من المحكمة ان تجد طريقة تسلم بها الحفرة دون الأرض، وأكرر دون ان أسلمهم الأرض وبشكل غير مالي الي أربعة من الورثة المتنازعين وان أقوم كذلك بتقسيم الحفرة بينهم بشكل عادل يرتضوه جميعاً.

-   كذلك هو الأمر سيدي القاضي رفيع المقام.. يرد بيرو ثم يترجل خطوتين الى الخالف ليفسح الموقف ليتقدم
السيد/ مَنِّسُوس.

تستأذن السيدة نيرفانا في أن تتحدث فتشير الى مَنِّسُوس برغبتها والذي يخاطب القاضي بان يسمح لها بالحديث فيجيبه، فتبدأ بقولها انها لم تعرف لأباها عمل غير انه يذهب الى الحفرة كل يوم ويستمر في الحفر طوال الوقت ويعود عند العصر الى المنزل منهك وان هذه الحفرة لها قيمة عاطفية ومعنوية لديهم كما انها لها قيمة مادية كبيرة في الوقت الراهن.

ينظر القاضي إليها في تفهم وتعاطف ويلتفت ليسأل أندرِياس ... سيد أندرِياس!!! فهمت ان والدك
السيد/ زيكوس اخيلى كراتووس كان متزوج من سيدتين ولديه 4 أبناء يعولهم ويعمل طوال الوقت في الحفرة ولا يتقاضى اجر من الوزير الأول او الدولة ... هل من المناسب ان تشرح لي امر شخصي بعض الشيء ....

-       تفضل سيدي القاضي ... انا عند امرك.

-       كيف كان يعول السيد زيكوس اسرته الكريمة؟

-   سيدي، كان ابى في بعض الأوقات يتاجر ويتحصل على أموال مناسبة من هذه التجارة لينفق على منزلنا ومنزل السيدة كاريوكا زوجته الثانية .....

تقاطعه نيرفانا.. أمي ليست زوجته الثانية، بل السيدة ناكاديا والدتك هي التي تأتى في المرتبة الثانية.. فأبى كان يحب أمي الي حد الجنون ويقول لها دائما انت نجمة هذا الكون وحبي الأول والأخير لقد ردد هذه الكلمات الاف المرات في حضوري داخل منزلنا وخارجه.

-   كفا سيدة نيرفانا أي ما كان الامر الأولى أو الثانية ... استكمل حديثك يا سيد أندرِياس وأخبرني في ماذا كان يتاجر والدك؟

-       كان يبيع ناتج الحفر للبنائين في المنطقة.

-       ماذا.. وهل هذا ممكن!! هل مسموح له بذلك!!

-       نعم يا سيدي فقد كانت المخرجات من الحفرة بها العديد من المواد ذات القيمة.

-       وهل كان الوزير الأول يعلم؟

-       نعم سيدي القاضي رفيع المقام، فالوزير الأول كان الوسيط في كل اعمال البيع.

-       سيد بيرو .... هل هذا صحيح.

يتقدم بيرو خطوة في اتجاه المنصة ويجيب بصوت خافت علي القاضي

-   نعم سيدي بالطبع، فالوزير الأول كانت لدية منطقة مجاورة يجمع فيها ناتج الحفر ويدفع قيمته
للسيد/ زيكوس نقداً ثم يبيعه بشكل متدرج لمن يحتاج منه للتجار المتعددين بالمدينة فضلا عن حصوله بشكل مباشر على كل القطع المعدنية الثمينة من الذهب أو الفضة مثلا التي تظهر أثناء الحفر.

-       همم ... كان يعلم..

يقف القاضي من مجلسه ويتحرك يمينا ويسارا بخطوات بطيئة وهو يمرر أطراف أصابعه على الرخامة البيضاء، ثم يتوقف على أحد طرفيها لدقائق ليعود مره أخرى بخطوات بطيئة الي الجانب الاخر في مشهد استمر لدقائق وتحت نظر الحضور كافة... في المرات الأخيرة يبدأ بخربشة الرخامة بأظافره ويشعر انه شخصيا وقع في هذه الحفرة وأنه أصبح في مأزق سخيف، يتحدث بصوت حاد وأُمَّر موجهاً حديثه الي مَنِّسُوس:

-       سيد مَنِّسُوس ... يمكن ان تبدأ مرافعاتك

-       فورا سيدي القاضي يجيب مَنِّسُوس

يترجل مَنِّسُوس خطوتين الي الجانب الايسر أسفل المنصة في حين يعود كافة الحضور الي المقاعد المتراصة امام المنصة وعيونهم تجول بين القاضي ومَنِّسُوس بينما انشغل مَنِّسُوس في حركة تلقائية بأن يعدّل ردائه الأبيض ويصلح من هندام شعره الطويل قبل ان يبدأ في الحديث

-   سيدي القاضي رفيع المقام اسمح لي ان أكون النجم الذي يضئ الطريق للعدالة وأوضح للمحكمة كيف يظلم أبناء ايتام من حقهم في ميراث ابيهم الرجل المجتهد الذي عمل طول حياته بكد وإخلاص من اجل نمو ورفعة مدينتنا أثينا الحبيبة، كيف يُظلم أبناء البسطاء من أهم حقوقهم وهو ممتلكاتهم من ميراث ابيهم .... ومن الذي يحرمهم حقهم ليس شخص قوى او فرد ظالم، بل هي الدولة بكل قوتها وجبروتها تقف لهؤلاء البسطاء وتضع يدها الغاشمة فوق حقوقهم وتحجب شمس العدالة على يومهم، لقد عاش هؤلاء الأطفال الأبرياء حياتهم يرجون ان ينهي اباهم عمله الفني العظيم وأن يسلمه للوزير الأول كي يكافئه عليه، ولكن لم يمهله القدر فمات وهو يجتهد من أجل رفعة وتقدم هذا الوطن العزيز أثينا، أثينا التي تجرى روحها في اوردتنا وتجعلنا مواطنين لهم حق في الحياة. ان ما يؤلمني هنا ان هذا الوطن الذي نحتمى به يجور على أبنائه الايتام الضعفاء دون ان يرتجف لهذا الحدث أهالي هذه البلدة.. وكيف يحدث هذا ... كيف كيف!!

يستمر مَنِّسُوس في أدائه التمثيلي الرتيب ويفند الوقائع التي أدت الي هذا الوضع حيث يوضح ان العقد كان في إطار رغبة الحاكم السابق في تطوير النشاط الثقافي والتوعوي للبلدة بان يجعل بها عدد من الاعمال الفنية العظيمة التي تكون نموذج لأهالي البلدة كي يحتذوا به وانه كلف الوزير الأول بذلك حيث قام بالاجتماع بعدد من أهالي البلدة واتفقوا على أن يخصصوا مبلغ كبير لتنفيذ العمل الفني ولكن اشترطوا أن لا يتم سداد هذا المبلغ إلا بعد إكتمال العمل الفني وإستلام البلدة له ... وحددوا القطعة 365 بالحي الشرقي كمنطقة تنفيذ لهذا العمل الفني ... وجاء السيد زيكوس بعرض ان ينفذ هو العمل الفني .

-       العمل الفني.. تقصد الحفرة

-       اجل سيدي القاضي رفيع المقام، الحفرة

-       وما العمل الفني الذي يستدعى 25 عاماً من الحفر يا سيد مَنِّسُوس

-   سيدي ان الحفرة ليست مجرد اعمال حفر بشكل عشوائي، ولكنها محدده ومخططه بصورة فنية فائقة

-       اشرح لي أكثر لم افهم مقصدك

-   سيدي القاضي ان الحفرة تمت في القطعة 365 دون سبب محدد آن ذاك، ولكن ولان القطعة 365 تطل عليها من الجهة البحرية القطعة 24 والتي يوجد بها جبل صخري شاهق وسفح حاد، فاذا وقفت على حافة القطعة 24 يمكنك ان ترى ان الحفرة قد تم حفرها بحدودها على هيئة وجه الحاكم ولا يعلم العديد من أبناء المدينة أن السبق في هذه الفكرة يرجع للسيد زيكوس الفنان والمبدع الحقيقي.

-       وجه الحاكم! أي حاكم تقصد ... حاكم أثينا!

-       اجل سيدي حاكم أثينا.

-       ايهم تقصد ... الحاكم الحالي تقصد؟

-   هنا مشكلة أخرى فالسبب الرئيسي في ان العمل استمر هذه الفترة الطويلة انه بتغير الحكام احتاج السيد زيكوس ان يغير حدود الحفرة لتتلاءم مع وجه الحاكم الحالي في كل فترة حكم، وفي كل مره يوشك ان يكملها ويتسلم مكافئته من الوزير الأول، يموت الحاكم فيطلب منه الوزير الأول ان يغير في الحفرة لتتلاءم مع وجه الحاكم الجديد!!! وذلك الى ان تم عزل الوزير الأول هو نفسه من منصبه مؤخرا كما تعلم يا سيدي.

وتستمر المرافعة والوقائع تتكشف والأبعاد القانونية تتضح لدى القاضي وبنهاية المرافعة المطولة تصل المحكمة لمقدار وافى من الفهم لموضوع القضية الغريبة ويقوم القاضي رفيع المقام بشكر السيد مَنِّسُوس ويتوجه بالحديث الي السيد بيرو ممثل الدولة:

-       سيد بيرو هل كنت تعرف السيد زيكوس بشكل شخصي

-       أجل سيدي القاضي ... فهو عمى ووالد زوجتي ... حماي اقصد.

-       والد زوجتك!!! من زوجتك؟

-       السيدة نيرفانا ... الجالسة في الجانب الاخر من مجلس المحكمة

-       ولم، لم تخبرني من قبل!

-       ظننا ان هذا امر شخصي لا علاقة له بالقضية

-       همم اجل.. ليس له علاقة بالقضية ...

-       إذا انت تترافع في هذه القضية بصفتك ممثل الدولة وزوج المدعي في آن واحد.

-       اجل سيدي فهي لاتزال زوجتي وتقيم في منزلي وترعاني.

-       واين يوجد منزلكم يا سيد بيرو؟

-       فالقطعة 24 من الحي الشرقي ثم يضيف ... بجوار منزل السيد مَنِّسُوس.

-   أذا انت تترافع في هذه القضية بثلاث صفات هي أنك ممثل الدولة وزوج المدعي وجار محامي المدعي.

-       اجل سيدي هو كذلك.

-       ولما ارسلك المجلس الأعلى لتمثل الدولة في هذه القضية ولم يبعثوا مسؤول اخر غيرك؟

-   انا أتولى هذا الملف في الدائرة الإدارية منذ سنوات، كما ان باقي الزملاء تعرف حساسية هذا الملف بالنسبة للأسرة ويترفعوا في ان يقعوا في تصادم معي دون داعي خاصة انى التزم حرفية مهام منصبي الرسمي ولا تؤثر على أدائي الوظيفي المسائل الشخصية بأي قدر.

-       همم .... يترفعوا.. حسنا..

يقف القاضي مره أخرى من مجلسه ويعود ليتحسس الرخامة البيضاء ويخربشها الي ان تصدر حركته المتكررة ازيز يلتفت إليه الحضور فيطلب الي الحاجب ان يحضر إليه كأس ماء ويتحرك خطوات بين طرفي المنصة ثم يعود ليجلس ويتحدث الي بيرو

-       فلنعود للموضوع الرئيسي... يمكنك ان تبدأ مرافعتك يا سيد بيرو.

يتقدم بيرو الى المنصة ويقدم تفويض ممهور بخاتم الدائرة الإدارية يتضمن موافقة الدولة علي تسليم الورثة لميراثهم، ولكن بشرط الا تتحمل أي تكلفة مالية فينظر فيه القاضي ويسجل عدد من الملاحظات ويشير للسيد بيرو بأن يبدأ حديثه فيعود الي موقعه ويقف ينظر الي القاضي باحترام ويقول له.

-   سيدي القاضي رفيع المقام ان الدولة ترعى شؤون رعاياها ولا ترضي بأن يكون هناك ظلم لأي منهم وكما قال السيد مَنِّسُوس فان ميراث هؤلاء الايتام يجب ان يصل إليهم، ولكننا كذلك مكلفين من شعب أثينا بان نحمي أموالهم ولا نستطيع ان ندفع أي مبلغ مقابل عمل فني لم يكتمل بعد ويخالف شروط عقدنا لذلك فأننا نقترح يا جناب القاضي رفيع المقام ان نترك لهؤلاء الإيتام مهله من الوقت كي يتموا العمل الذي بدئه أباهم وعند انتهائهم من استكماله بالشكل المناسب يمكنا ان نتطلع عليه ونكافئهم وفق عقد الوزير الأول مع أبيهم زيكوس.

-   أنت تقترح ان نمهلهم مزيد من الوقت، بأن نمد لهم عقد ابيهم ليستكملوه ... ولكن كيف سيكملون هذا العمل، هل لديهم خبرة او دراية به؟ وهل هم مستعدون لقبول هذا الاقتراح أساسا؟

-   اجل سيدي لديهم الدراية اللازمة، فانهم جميعا كانوا في معاونه اباهم بشكل أو بأخر خلال سنوات عمله في الحفرة خصوصا السيد أندرِياس إلا انى لا أعلم أذا كانوا مستعدين لقبول هذا الاقتراح ام لا.

يفكر القاضي فيما قاله بيرو بقدر من التروى ويشرب من كوب الماء الموضوع امامه ويجد ان هذا الرأي بشكل ما اوجد له مخرج من مأزق هذه القضية.. فالقاضي رفيع المقام لا يريد ان ينتشر في البلدة انه لم يتمكن من الحكم في قضية مثل هذه تبدوا بسيطة للعامة، ولكن حتى إذا وافقوا عل مد العقد، تبقى مشكلة تقسيم الميراث بين الورثة.

-   سيد أندرِياس هل تجد ان من المناسب لك ولباقي الورثة ان تمد المدينة لكم عقد ابيكم لتستكملوه وتعتبروا هذا الاتفاق وافى بعقدكم محل ميراثكم؟

-   لست أدرى على سبيل القطع سيدي القاضي، ربما من المناسب ان استشير السيد مَنِّسُوس وباقي الورثة وأرجع أليك بالرد.

-       حسنا تستطيعوا ان تقرروا وان تعودوا بردكم بعد استراحة المحكمة.

يُقاطع مَنِّسُوس الحوار، سيدي القاضي ان هذا القرار المصيري ربما يحتاج لمساحة مناسبة من الوقت لمناقشته.

-   لا مانع ليتناقش الورثة حتى نعرف إذا ما كانوا جميعهم موافقين، ترفع الجلسة لاستراحة وتعود للانعقاد بعد عودتنا للمنصة.

ينادي الحاجب ... وقوف وصمت لحضرة القاضي رفيع المقام

يغادر القاضي المنصة ويسير الجمع في اعقابه الي خارج المحكمة حيث يجتمعوا جالسين على منضدة خشبية خارج ساحة المحكمة فيتجاور بيرو وزوجته من جانب ومَنِّسُوس وأندرِياس من جانب بينما يقف خلفهم الكساندر وأوفيليا من الجانبين ويتحدث بيرو الي مَنِّسُوس قائلاً

-   عزيزي مَنِّسُوس ان ما اقترحته على بالأمس من مد العقد اعتبره انا فكرة عبقرية، ويبدوا ان القاضي قد وافق عليها ولكن لا اعلم لماذا لم يجمع الورثة على موافقتهم فورا، هل انت من طلبت منهم ذلك؟

-   لا يا بيرو لست اعلم تحديدا، ربما يخبرنا أندرِياس سبب عدم موافقته الفورية على مقترح مد العقد؟

-   يا سادة انا لا أمثل نفسي فقط، يجيب أندرِياس ولكن باقي الورثة يجب ان يوافقوا على هذا المقترح وهو أمر انا لست متأكد منه حتى الآن فلقد دارت بين العائلة العديد من المناقشات في هذا ا لأمر ولم نصل الي حل يرضينا جميعاً.

ينهي حديثه ونظراته تدور بين كل من الكساندر وأوفيليا التي يقطع صوتها الرقيق لحظات الصمت التي أعقبت رد أندرِياس

-   أجل يا ساده اسمحوا لي، فان المسألة ليست فقط مال واعمال، ولكنها حاله من الفن أبدعها أبى على مدار سنوات وقد صاحبته في اعمال الحفر خلال السنوات الخمس الأخريات ولا أستطيع ان اتخيل كيف يمكن لإخوتي ان يقبلوا ان يمتد العقد دون ان نحصل على اعتراف من المدينة بفضل ابى وقيمته الثقافية والروحانية لأثينا.

يرد بيرو وما طبيعة هذا الاعتراف الذي تريديه يا أوفيليا؟

يجيبهم الكساندر ان نجاحنا في استكمال العمل الفني هو أفضل اعتراف يمكنا ان نحصل عليه لأبنا ولذلك انا اريد ان اتولى اعمال الحفر حتى أكمل ما بدأه أبى كي أنهيه في أسرع وقت ممكن.

تعود أوفيليا يا سيد بيرو يجب ان أكون أنا المسؤولة عن اعمال الحفر فأنا أستطيع ان أكمله في أجمل نسق وان اجعله مزار لكل العالم وليس فقط لأهالي أثينا.

-   هل رأيتم يا ساده! ذلك ما كنت اخبركم به، فأن شباب العائلة لا يمكنهم تفهم القيمة المادية لناتج الحفر وأن الهدف ليس انهاء اعمال الحفر، على العكس فأن الهدف هو استمرار اعمال العائلة وضمان تدفق ايراداتنا من هذا العمل، اليس هذا رأيك يا عزيزتي نيرفانا كما تحدثنا بالأمس.

-   نعم يا أندرِياس بالتأكيد، ولكن المشكل ان اغلب القطعة 365 قد تم حفرها بالفعل وما تبقى ليس بالقدر الكافي لنستمر أكثر من ثلاث سنوات أخرى، ولكن على كل حال عند انتهاء الحفر سنحصل على مكافئة مقابل العمل ربما يستطيع بيرو ان يجعلها قيمة جداً وتكفينا جميعاً لسنوات.

-         لن نحتاج 3 سنوات أخرى بالتأكيد، أنا أستطيع ان اتم العمل في 6 أشهر.

-   لا يا الكساندر فان ما قد بدأته من رسم الحفرة على شكل وجه أبى سيحتاج عامين على الأقل ليكتمل.

ماذا، يصيح الحضور في أوفيليا... وجه أبيك ....

-   ما الذي تقولينه أوفيليا، تصيح نيرفانا ... هل حقاً صممتي الحفرة على شكل وجه أبانا زيكوس...

-   أجل فقد كنت استمتع بالحديث معه كثيراً، خصوصاً في أخر فترة قبل وفاته وقد سألته مراراً عن معنى كل هذا الجهد والوقت الذي أمضي عمرة فيه؟ ففهمت مما أخبرني به انه يريد أن يرضي الآلهة بأن تنظر من السماء فترى وجه الحاكم وتباركه وتبارك المدينة كلها، وبما ان أبى قد عهد الى بوضع النقاط التي تحدد مسار الحفر والتي تتغير كل فترة وفق وجه الحاكم، ولما كان هذا من وجهة نظري أمر عبثي وبدون داعي ويتغير باستمرار فقد رأيت ان الشخص الذي يستحق ان يكون تحت نظر الآلهة هو أبى، فهو أب محب وعامل مجتهد وهو أفضل مثال يمكن ان يمثل سكان هذه المدينة، لذلك أعدت تخطيط اعمال الحفر وحدود الحفرة كي تنتهي إلى شكل وجه أبى الذي ستباركه الالهة كل فجر وغروب.

يحل على المجلس لحظات من الصمت تأثراً بدموع أوفيليا التي بدأت تنهمر على خدودها البيضاء الناصعة مثل رخامة المنصة ويقف مَنِّسُوس ينظر إليها في إعجاب ثم تحدث الى الجمع قائلاً

- لا أستطيع ان أخفى إعجابي بجمال روحك وذكائك لقد فسرتي لى الآن لماذا لم يتم تغيير الحدود منذ فترة برغم تغير حكام المدينة،

- أجل سيد مَنِّسُوس كنت اعمل منذ 18 عشر شهر على الأقل بهذا الشكل، منذ أخر أولمبياد على ما أتذكر.

يرد بيرو وقد أدركته رجفة خوف وحذر مفاجئة،

- ولكن على ما أعلم فقد اتفق اباكم مع الوزير الأول على ان يتم الحفر على شكر وجه الوزير الأول دون ان يعلم أي حاكم بهذا الاتفاق، ان الحقيقة التي يجب ان تعرفوها يا سادة أن زيكوس كراتووس بدأ في عمله من خلال رغبة واقتناع انه سيصبح نحات موهوب و قادر على تمثيل العديد من التماثيل التي يعجب بها القادة و الجمهور على حد سواء ، إلا انه لم يكن يمتلك المبلغ المالي الكافي لشراء أحجار الرخام اللازم للبدء في ممارسه عمله الفني الأول فاتجه إلى اعداد منطقة عمله بانتخاب منطقة مربعه تبلغ طول ضلعها حوالى 52 متر بها قطعة حجرية كبير من الرخام و البازلت إذ ظن لو انه استطاع ان يجسد بها تمثال ضخم يكون ارتفاعه 30 متر ليصبح احدي علامات المدينة وهو ما سيخلده ويجعله مميز بين الجميع بعمل فني غير المسبوق وبالفعل بدأ في حفر ممر يحيط بها بعمق يزيد عن 31 متر ولكنه في بعض المواضع وجد  ان الحجر البازلت ينتهي على عمق 12 متر مما أجبره علي تغيير تصوره عن النحت وجعله تجسيد للحاكم و هو جالس ليتناسب وارتفاع الحجر المتوفر وتبع ذلك مجهود ضخم في الحفر حتي ظهر كامل حجم الحجر محاط بخندق و بدأ فعلا بالعمل و قد شاهدته بنفسي مرات عديده يسهر ولا ينام كي يكمل عمله في الوقت المحدد، ومرت شهور و هو ينحت الحجر ولكن حدث ما كلنا نعرفه الآن ان الحاكم مات فقرر ان يعدل النحت ليلائم الحاكم الجديد واثناء عمل ذلك انشرخ الحجر فتنازل عن نصف حجم التمثال وعاد ليشكله بصور مختلفة وفى النهاية و مع تكرار هذه الدورة كان استنفذ اغلب كميه الحجر والتي كان اعتاد التجار ان يشتروا مخلفات النحت منه وحين طُلب الى مجلس الحاكم الجديد في ذاك الوقت لم يكن يمتلك أي رد عن سبب عدم إنهاء عمله الفني واثناء المرور بجوار الحفرة انتبه الي ان شكلها يشبه صورة وجه الحاكم وبشكل غير مرتب تماما فحين سئل أجاب بان العمل الفني هو حفرة على شكل وجه الحاكم وهو ما كان بالفعل فكرة جديدة وغير مسبوقة وتشجع لها هذا الحاكم والذي تلاه واستمرت لسنوات و سنوات برعاية الوزير الأول، ولذا فأن الوزير الأول إذا علم بصنيعك هذا يا أوفيليا سيغضب جداً، فهو ينتظر هذا الحدث من أكثر من عقدين.

- بيرو، ألم يكتف الوزير الأول بكل ما حصل عليه من ذهب وفضة من نتاج اعمال الحفرة طوال تلك السنوات، هذا رجل شنيع، كذلك ما عاد يهمنا امر الوزير الأول فقد عزله الحاكم ولم يعد يتصرف في شؤون المدينة كما كان الحال فيما مضي.

- أجل يا نيرفانا لقد عُزل، ولكنه لازال رجل ذو نفوذ واسع ولا نستطيع ان نتحداه، فأنتِ تعلمي انى برغم كونه عزل وأصبحت أنا ظاهريا أتحكم بشكل كامل في منطقة توزيع ناتج الحفر، إلا انى لازلت أرسل إليه حصته الشهرية المعتادة، كي لا نقع في خصومه او تضاد معه.

- لماذا انت صامت يا أخي أندرِياس، ما رأيك فيما قيل؟

- اعذرني يا نيرفانا، ولكنى لا أستطيع ان اتخيل مدى سذاجتي طوال هذا الوقت وانا اعمل بكل جهد مع أبى دون ان اعرف المعنى الحقيقي الذي كان يسعى إليه، على كل حال انا معجب بصنيع أوفيليا أو على الأقل لست معترض عليه، فالمهم ان نستمر في الحفر على أي شكل هذا ليس امر جوهري بالنسبة لى المهم أن يستمر الحفر.

- ولكنى يا اخوتى أريد ان اسافر خلال 6 أشهر ولدى أحلام كبيرة خارج المدينة، لذلك اريد ان أنهي الحفرة في أسرع وقت وأحصل على نصيبي من المكافئة بعد تسليم العمل.

- الكساندر!، لا أحد غيرك هنا يريدنا أن نسرع في تسليم الحفرة للمدينة، رجاء احترام حقوق الاخرين او على الأقل مصالحهم.

- نيرفانا، لا أريد أن يكون هذا سبب للخلاف بيننا، أقترح ان نقسم الحفرة بيننا.

يصمت الجمع مرة أخرى ويفكروا فيما قاله الكساندر تمسك أوفيليا بيد أندرِياس وتنظر إليه في تطلع بقراره فيما قاله الكساندر فيتحدث قائلاً:

- هل من الممكن ان نقسم الحفرة بيننا، كيف تقسم الفراغ يا الكساندر.

- فليخصص لكل منا قسم يحفر فيه بأسلوبه والسرعة التي يريدها والاتجاهات التي يفضلها.

- يرد أندرِياس يمكن تقسيم الحفرة بحساب عمقها ويحصل الوريث الأول علي الربع الاعمق وهكذا بالتدرج بين الأعماق المختلفة.

- تنظر إليه نيرفانا بغضب قائله، هل تظننا بلهاء، انت تعلم ان المناطق الأكثر عمقا يوجد بها ناتج حفر أكثر قيمة ويكثر بها مصادفة قطع الذهب أو الفضة.

- لا داعي للغضب يا نيرفانا، نعم هي كذلك، ولكنها تحتاج لجهد أكبر وخبرة بالغه حتى يتحقق ذلك ولذا انا سأتحمل هذا العناء لأني أستطيع ان احمله عنكم.

-لا دعنا من هذا الشطط، لن يقبل أحد ان تقسم التركة بهذا الأسلوب المعيب، انا أيضا اريد ان أكون في الربع الأعمق من الحفرة في هذه الحالة.

يرد بيرو، رجاء قليل من الهدوء أنتم أخوة على كل حال، أقترح ان نضع مركزاً للحفرة وبدء منه يتم تقسيمها في أربع اتجاهات بحيث يحصل كل وريث على 90 درجة من دائرة الحفرة بكل عمقها وحافتها.

- ولكن ذلك لن يكون متساوي، فالحفر قد تم في أجزاء من الأرض بكاملها بينما ترك أجزاء اخري ويمكنك ان تلاحظ بوضوح أن أطوال الحافة ليست متساوية إذا ما تم قياس طولها في كل ربع من دائرة الحفرة.

- أذا يمكنا تقسيم الحافة بالطول من خلال قياس طولها ثم يحصل كل منكم على مسافة متساوية من طول حافة الحفرة.

- ولكن هذا يا بيرو سيكون مذهب للتنازع، فالمنطقة البحرية عند الأنف ممهدة وتمتد حافة الحفرة فيها لمسافات طويلة تجعلها مميزة وسهلة الحفر، في حين أن الجهة القبلية عند الرأس والشعر وعره ومتعرجة ومحصورة بين أراضي صخرية وسفح حاد فيصعب العمل بها.

يتدخل الكساندر في الحوار، ولكن تظل ذات المشكلة بين الجهات المختلفة وطبيعتها، أظن ان الحل في تحريك حدود الحافة بيننا كل شهر كي يتبادل كل منا كافة اتجاهات الحفرة تدريجيا بحيث يبدأ أندرِياس بالحصول على ربع طول الحافة محسوب من اتجاه قصر الوزير الأول المطل على الحفرة ثم يتحرك 1/12 من اجمالي مسافة الحافة كل شهر حتى يعود الى ذات النقطة بنهاية العام.

ترد نيرفانا، أصمت يا الكساندر... انا لا افهم شيء مما تقول...التقسيم يجب أن يكون بشكل نمطي وسهل

تصرخ فيهم أوفيليا، ارجوكم توقفوا انا غير موافقة على مبدأ التقسيم أساسا، تخيلوا كيف أنهى عمل فني وانا ادور حوله مره كل عام لو كنتم بحق تحبون أباكم فلا تبخلوا على تخليد ذكراه.

يجد مَنِّسُوس ان هذا الاتجاه في تقسيم الحفرة مضر به، فهو يأجّر بيته المطل بشكل مباشر على الحفرة لعدد من الزائرين والأجانب الذين يخبرهم بصورة الوجه التي يمكنهم مشاهداتها من نافذتهم، لذلك ليس من المناسب ان يتحول هذا الوجه لشكل عشوائي بدون معنى، لن يأتي إليه أحد بالتأكيد، فيجيب أوفيليا

- أؤيد رأيك يا أوفيليا، يجب ان لا نقسم اعمال الحفر او نشتتها، الجمال يا أصدقائي اهم من كل المال في الوجود وذكرى أبيكم والمجد من أجل عائلتكم الكريمة.

- ولكن لكل منا أهدافه يا مَنِّسُوس وانت محامينا جميعاً، عليك ان تجد حل يرضى الجميع.

- بالتأكيد يا الكساندر هناك حل وأظن انه حل واضح للجميع إلا أنكم لا تنظروا إليه، أولا نتفق ان نمد العقد ونستكمل اعمال صديقى العزيز زيكوس كما كان يتمناها ثانيا نلزم الجميع بالعمل في سياق واحد تحدده أوفيليا لنضمن ان يكون الحفر في شكل وجه أبيكم ثالثا يتولى أندرِياس إدارة اعمال الحفر وتسليم ناتج الحفر فيما تستمر نيرفانا في إدارة أموال العائلة وتعطى كل منكم نصيب متساوي، عدا الكساندر يحصل في الأشهر الست الأولى على ثلاث أربع المبالغ المتحصلة ثم يذهب ليحقق أحلامه وعند عودته في اى عام نحسب ما تحقق من نصيبه ونستكمله له، وبذلك يكون الجميع راض ودون اى خلاف.

يرد بيرو، عزيزى مَنِّسُوس انت حقاً رجل حكيم، يستجيب الاخوة زيكوس لرأي السيد/ مَنِّسُوس بشكل نهائي ودون أي مناقشة أذ ظهر أمامهم الحاجب يدعوهم لدخول ساحة المحكمة قبل القاضي فيتحرك الجميع ليأخذوا أماكنهم داخل ساحة المحكمة ويتبعهم موكب القاضي حيث يأخذ مجلسه على المنصة وينظر الى الحاجب في استياء، على ما يبدوا ان بعض فضلات الطيور التي تحلق فوق المنصة قد لطخت بياض الرخامة فيتحرك الحاجب في سرعة ليقوم بتنظيف المنصة ويعود الي موقعه بشكل تلقائي فينظر القاضي رفيع المقام الى أندرِياس ويسأله

- هل اتفق جميع الورثة على قبول عرض الدولة باستكمال العقد يا سيد أندرياس؟

- أجل سيدي، اتفقنا على قبول العرض يا سيد القاضي.

- وهل اتفقتم على أسلوب تقسيم الحفرة بينكم

- نعم سيدي، سيتولى السيد/ منسوس صياغة عقد يضمن لكل وريث حقوقه وفق ما اتفقنا يا سيدي

يشرح أندرياس للقاضي مختصر ما جري من حديث بينهم خارج القاعة وما اتفقوا عليه من قيامه بإدارة اعمال الحفر لحين استكمال العمل الفني.

- حسنا يؤجل النظر في القضية حتى يتم صياغة العقد الجديد واعتماده من الدائرة الإدارية.

-رفعت الجلسة.

بينما يعود الحاجب في ترديد عباراته وقبل ان يُتِمها ... تخلو ساحة المحكمة هرباً من الرياح التي داهمت الجميع دون سابق إنظار.

في هذه الليله تهب عاصفة عاتية على المدينة يصحبها فيضان مهول في كافة طرقات المدينة العديد من المنازل تصل المياه لشرفاتها وتخترق ارضياتها وتزحف المياه في طرقات المدينة مثل جنود يهجموا على عدو ليتفاجؤوه ويصارعها سكان المدينة بكل السبل لعدة أيام.

تستمر العاصفة لأكثر من أسبوعين وتتجمع المياه مندفعة في القطعة 365 لتلتهم حائط الحفرة مثل طفل شره وتهد جوانبها تدريجيا، ونتيجة لذلك تبدأ بعض الأراضي المحيطة بها في الانهيار خاصة من جهة قصر الوزير الأول الذي يطل علي الحفرة حتى تحدث موجة كبيرة من الفيضان تبتلع قصر الوزير الأول وتسقطه ركاماً في داخلها، تتحول معالم المدينة بعد هذا الفيضان إلا ان مجلس المحكمة و رخامته الناصعة يظلا شامخين في مهابتهم المعتادة، حيث يمر عليها عدة شهور وفي احد الأيام ينادي الحاجب وقوف وصمت لحضرة القاضي رفيع المقام  فيدخل القاضي رفيع المقام منصة المحكمة العليا في موكبه البسيط ويجلس إلي كرسيه .

يكرر الحاجب ندائه... نبدأ اليوم التاسع وعشر من الشهر الثالث من السنة الثالثة من الأولمبياد 95 حيث تنظر المحكمة العليا كافة قضايا شعب اثينا العظيم وتتأكد من تحقيق العدل في كافة ارجاء جمهورياتنا، نصغي باهتمام وقبول اليوم لحكم القاضي رفيع المقام اليوم في قضيتين، القضية الاولى لمحكمة اليوم: قضية الاخوة زيكوس ضد اثينا ...

- لم يحضر أطراف الدعوى يا سيدي القاضي رفيع المقام.

-أجل يبدو انهم لم يعد عندهم ما يتنازعون عليه

-هل تأمر بحفظ القضية وإلغائها يا سيدي

-لا، انتظر ...

ينظر القاضي رفيع المقام في لفافة الورق أمامه يقرأ عليها قضية الاخوة زيكوس ضد أثينا ممثل عنهم منسوس ديبوس سيروس وممثل عن المدينة بيرو أغاسطيسيونيس كراتووس ... يفكر القاضي ما هذا الاسم المعقد ، حسنا على كل حال يجب ألا ادع هذا السيد/ بيرو أكثر من ذلك لقد طفح الكيل انه يتلون ويتلاعب ويسبب الاف المشاكل دون ان يجد رادع له ، لماذا لا توقفه الاله ولماذا لا يوجد من يريد ان يخرج هذا المرض من جسد مدينتنا ، يجب ان يستبدل هو وأمثاله برجال اللاهية تعمل بدقة وحياد لا يكون لها أغراض او مصالح شخصية في عملها لصالح المدينة ، يكتب في أسفل اللفافه حكمت المحكمة بعزل السيد/ بيرو كراتووس من وظيفته بالدائر الإدارية ويناولها للحاجب فيقرأ الحكم بصوت صاخب ومتشنج ثم يبتسم الحاجب ابتسامه سعادة خفيه ثم يستكمل بصوته المميز : القضية الثانية، تنفيذ حكم الإعدام ضد السيد/ سقراط.

-هل تحدد موعد الإعدام للسيد سقراط؟ يسأل القاضي

يرد الحاجب، أجل سيدي كان موعده بالأمس

-وهل تم تنفيذه؟

-أجل سيدي لقد تم

-تناول سقراط السم؟

-أجل سيدي تناوله.

-هل توفي؟

-أجل سيدي لقد مات على الفور.

-هل تناول السم جبرا؟

-لا يا سيدي كان راضياً وتناوله بنفسه.

يفكر القاضي بهدوء وحزن في سقراط الذي سبق ان ألتقي به عدة مرات وتبادل معه حديث يتذكر انه كان حديث هام وشيق ... كان سقراط رجل، ان المحاكمة والاتهام والحكم بموته لا أجد لهم سبب كافي أو نتيجة مقنعة، أن كل هذا خطأ كبير ستظل أثينا تتذكره لسنوات طويلة ...

يستمر القاضي رفيع المقام ليقرأ مسببات الحكم على سقراط مرات ومرات وبعدها يقرر ان من العدالة ان يكون العالم على معرفة بقصة هذا الرجل الشجاع والذي دفعته الاخلاق والمبادئ الى قبول تناول السم ورفض الهروب تنفيذا للحكم الذي صدر دون ان يكون هناك سبب منطقي واحد لصدور مثل هذا الحكم ضده، وهنا وبعد تفكير يقرر الحاكم ان يعود ويضيف لحكم قضية الاخوة زيكوس أن تتم اعمال الحفر وفق ما ارتضاه الورثة، ولكن ليتم على شكل صورة وجه سقراط وخلال عام واحد.

يمد القاضي كفيه ليستند إلى الرخامة البيضاء ويتحسسها لينهض واقفاً فينتبة إلى خدش في كفه وشرخ بسيط قد حدث في الرخامة، يبدوا أنه من اثار العاصفة، يقف بهدوء ونظرِه يتفحص هذا الشرخ ثم يتحرك ليخرج من ساحة المحكمة ومنها يمر بطرقات المدينة يشاهد الجماهير في الأسواق والأطفال في الطرقات يسير لفترة ليخرج من الحي الحكومي الي الحي الشرقي بالمدينة

هناك يتعجب كيف لم يهتم بأن يتعرف الي هذه المنطقة من المدينة من قبل! يسير بين طرقات الحي لفترة إلى أن يجد أمام عينيه فتاة جميلة جالسة تدندن ببعض الأغاني على حافة البحيرة التي خلفتها الحفرة بعد غرقها ويتبين له أنها هي أوفيليا
بصوتها العزب وقد جمعت في يديها كميات من الطمي استخرجته من حافة البحيرة وصنعت منها عشرات من التماثيل لوجه أباها نظمتهم في صف بجوارها وعلى نفس الخط قد انتصب بجوارها أكثر من شاهد قبر زينت بالورود وأغصان الياسمين وقد كُتبت عليها أسماء اخوتها والذين أثناء العاصفة قد غرقوا بداخل الحفرة.