فيروزة لجديلة النجلاء

(0)
التصنيف: روايات
الناشر: دار التكوين
عام: 2024

"فيروزة لجديلة النجلاء" رواية حبٍ ابتلعته الحرب

"بفيروزتها، سطورٌ مورقةٌ في دفتر أيامي، صارت الجديلة... لكن، دون ثمار، دون ساقية، أو ظلال يستحم بها جزعي، فيخمد...".

بعد رواياته الثلاث التي شكلت مشروعاً روائياً لدراسة البنية السايكولوجية والاجتماعية للشخصية العراقية والتي حصدت إحداها "وجوه لتمثال زائف" جائزة كتارا للرواية العربية 2017، يقدم لنا الناقد والروائي العراقي حسين السكاف روايته الرابعة "فيروزة لجديلة النجلاء" (دار التكوين 2024)،

الرواية بشخوصها وطبيعتها السردية التي تقترب من الواقعية السحرية، تدخل حيز التاريخ المسكوت عنه، تاريخ العوائل العراقية التي أُجبرت على تغيير معتقداتها خوفاً من التهجير، لكنها عاشت محتضنة معتقدها بسرية تامة لا تخلو من المرارة ولم تفلت من طوق المنغصات.

"لا أعرف بلداً أخر، ولا يمكنني الرحيل..." ذلك ما جاء على لسان الجد "إسكندر" رب العائلة وململم شتات أبناء جلدته. ورغم ذلك سيتلمس القارئ حتماً بأنه يقرأ رواية ثيمتها الحب، فالحب لبنة الرواية الأساس ولب فكرتها، لكن، كيف يستمر الحب بكل جمالياته وأحلامه وأمنياته في بلد تنخره الصراعات واشتعلت بين ثناياه الحرب؟ هذا السؤال وغيره يجيبنا عليه الجزء الثاني الذي يرتحل بنا صوب متاهة الفقد والبحث عن الحب الذي ابتلعه اختلاف المعتقدات المُطعّم برائحة الحرب...

أن تعيش حياتك بأعلى درجات العقلانية، ذلك لا يبيح لك الحق في العيش دون معتقد داخل مجتمع تتصارع فيه المعتقدات، أو على الأقل، دون أن تعلن عن معتقدك، فالمجتمع بحاجة دائمة إلى الأطر التي تحدد ملامح أفرادها وانتماءاتها...

في روايته، يقدم لنا المؤلف سيرة عائلة وأشخاص مرتبطة بتلك العائلة، وكأنه يكتب سيناريو فيلم مختصر يمتد زمنه قرابة الربع قرن، حيث نتابع سيرة حياة "موسى" الطفل الذي حملت به أمه سفاحاً وهي في سن السادسة عشرة حين أجبرها الجوع وحاجة عائلتها إلى ما تقتات به بسبب غياب رب العائلة "إسكندر" الذي يشتغل بالغوص والذي غاب طويلاً حتى ظن الجميع بأن البحر قد ابتلعه ورفاقه، إلى بيع جسدها مرغمة، وتلد سراً بعد عدة لقاءات ببائع السمع وبعد تسعة أشهر حمل، صبياً أسمته "موسى" ليكون بطل الرواية ومحور أحداثها...

كثيرة هي قصص الحب التي تنمو داخل رحم الطفولة، حب يبدأ طفولياً ويكبر عميقاً متجذراً داخل الروح فيزهر فرحاً أحياناً، أو قهراً ومرارة أحياناً كثيرة، لكن أن يكون اختلاف المعتقدات من يقتل الحب فذلك أمر قل تداوله داخل ثيمة الرواية العربية، الحب هنا مكسواً باللحم والدم يجري بين خلاياه، الحب في هذه الرواية أشخاص في مقتبل العمر بأذهان متقدة وأحلام ترى سعادة وفرح دائمين عند تصور المستقبل، لكن، فم الحرب الذي لا يعرف الشبع التهم كل شيء...

ما من شعور أثقل من الفقد، مرارة الفقد ومتاهة البحث، دوامة تسلب الاتزان وتحول الانسان إلى كائن كئيب مشوش الذهن

"الحرب قتلت حلم العشاق إلى الأبد.. وهذه البلاد ليست لأصحاب الرايات فقط.."

جزءان يكونان الرواية، لكن التباين الواضح بين الجزئين يشير إلى أن المؤلف الذي طالما تسائل عن سبب غياب روايات الحب ضمن المشهد الروائي العراقي، أراد الإجابة على تلك التساؤلات وشرع في كتابة رواية ثيمتها الحب، وذلك ما نتلمسه جليًا في جزء الرواية الأول، رغم أنه منذ الورقة الأولى من روايته، حذرنا المؤلف من الموروث الذي إن أُطلق له العنان سيقتل ذلك الحب حتماً:

"بذرة الحب المدافة بسمادٍ موروثٍ،

المغروسة داخل أصيص الوهم،

ستثمر، حتماً،

أزهار وجع،

بمرارة اللوعة".

تدخل الموسيقى عوالم الرواية من أوسع أبوابها، من كلية الفنون الذي صارت "بهار" أخت بطل الرواية – على الأوراق الرسمية فقط - تدرس الموسيقى هناك، لكن المفارقة تكمن في ظهور "خضور" الموسيقي عازف الكمان المعدم الذي فقد حبيبته هو الآخر وصار يؤلف لنا سلسلة معزوفات بعنوان "نداء"، نداء الحب الضائع أيضاً:

"أريد اكتشاف موسيقى تعيد الموتى إلى الحياة..."

"كل موسيقى أؤلفها، هي في الحقيقة "نداء" إلى روح فارقتني وأتمنى عودتها...".  

أثناء بحثه عن حبيبته "النجلاء" الضائعة، المختفية وعائلتها دون مبرر، تظهر في حياة بطل الرواية، شخصية "سمّور" الشاب الذي يمتاز بإنسانيته وشغف الموسيقى وابتسامته المحببة الدائمة، والذي لا يعرف معتقد عائلته كونه لا يعرف له عائلة، فقد وجده أسقف كنيسة "انتقال مريم العذراء" في منطقة المنصور، طفلاً حديث الولادة على باب الكنيسة، فاهتم برعايته وتربيته حتى صار شاباً مبهراً بثقافته وبنية الجسدية وموسيقاه، وبظهور "سمّور" في حياة بطل الرواية سيتعرف القارئ على عدد كبير من كناس العراق وبغداد على وجه الخصوص:

"هناك أكثر من ثلاثمئة مسجد، وأكثر من مئة وسبعين كنيسة في العاصمة وحدها، فهل تدلني على واحد منها يمكن للفقير أن يطبب مريضة داخلها بالمجان، أو أن أحدها قد وجد الحل الأمثل لعاجز يسكن بالإيجار ولا يجد عملاً؟".

عديدة هي الأفكار التي تتناولها، وقد يكون من أهمها تلك الإشارة التي تدعو إلى تنشئة الطفل خارج مؤسسة المعتقد ورفض الاستسلام إلى قوانينه، هي دعوة إلى أن ينشأ الطفل إنساناً يشعر بإنسانيته ويمارسها بطعم محبة الآخر وإن كان ينحدر من أسرة تختلف بمعتقدها عنه... المعتقدات والعيش على أسسها قوانينها يشكل العائق الأكبر الذي يعيق نمو إنسانيتا وغالباً ما يقتل الحب داخلنا... وذلك ما تربى عليه "موسى" بطل الرواية وأفراد عائلته، لكنه حين كبر وأحب وأراد أن يحقق أحلامه اصطدم بذلك العائق الذي غيَّرَ مسار حياته ووأد أحلامه فاستبدلت مخيلته رمزاً دينياً بفيروزة كان عنواناً للحب في مسار الرواية...

على لسان بطل الرواية نقرأ صورة الحب ولوعته، لوعة الفقد وأمنيات اللقاء:

"وحيدًا أرافق الليل وسط غرفة منزوعة الستائر... يتكدر قمر العاشق عند النوافذ المغلقة...

أفرد شعيرات الجديلة على المنضدة، كأنني أفرد الذكريات المجروحة بالغياب لتستحم بضوء القمر...

برمتُ الشعيرات، فاستوت خيطاً رفيعاً، صنعتهُ سوارًا لمعصمي... أقسمتُ أن أجعل منه حبلاً، أشنق به حزني، حالما أبحر مرة أخرى بعالم عينيها اللامعتين شوقاً...".

ثم يتوج لوعته بصورة الفقد بعد أن تلمسها حقيقة دامغة:

"لم أكن أدري، أن "النجلاء" كانت تمارس تربية حزني، لغياب قادم...

مزيد من القراءة