رواية «غصن للحرب» تجربة سردية تجريبية

(0)
بقلم: حميد عقبي
التصنيف: روايات
عام: 2025

تقدّم رواية «غصن للحرب» تجربة سردية تجريبية لافتة ضمن مشروع حميد عقبي المتواصل في توظيف تقنية خمسين فصلًا × مئة كلمة، وهي تقنية ظهرت بقوة في مطلع الألفية الجديدة في الولايات المتحدة واليابان داخل موجة التجريب والاقتصاد اللغوي وبناء السرد عبر وحدات مشهدية قصيرة، لكنها هنا تتخذ بعدًا مختلفًا: فهي ليست مجرد التزام شكلي بل آلة ضغط فني، تربك وتختبر قدرة اللغة على إنتاج معنى في مساحة ضيقة مشحونة بالتوتر والمجاز.

تقوم الرواية على نواة حكائية بسيطة: السارد ــ غصنٌ محطّم ــ يبحث عن ذاته وسط حرب متشظية وكابوس واقعي–أسطوري يتداخل فيه الإنسان والوحش، الواقع والحلم، الموت والعودة. لكن هذا الخط الأساسي لا يُروى عبر سرد خطّي، بل عبر 50 مشهدًا مكثفًا، كلٌّ منها يقدَّم كعدسة سينمائية سريعة، تبدأ بصورة وتلتقط حركة وتنتهي عند حافة الانقطاع، مما يجعل كل فصل وحدة مشهدية قائمة بذاتها يمكن قراءتها كقصة قصيرة جدًا، لكنها في الوقت نفسه تتشابك مع بقية الفصول لتصنع بنية روائية كاملة. هذه التقنية، التي اشتغل بها عقبي سابقًا في ست روايات أخرى، لا تُستعمل هنا للتجريب الشكلي فقط، بل لتجسيد طبيعة الحرب نفسها: متقطّعة، صادمة، لاهثة، بلا استقرار.

ينسج الكاتب عالمًا هجينًا يجمع بين السينما والفنون التشكيلية والأسطورة؛ إذ تظهر رموز مثل سقراط، الفراشة، الغول، الجرذ، الحيوان–الوحش، والأصوات المجهولة، ويتكرّر حضور مخرجين مثل هونغ سانغسو ومراجع لأعمال كوروساوا ولوحات فان غوخ وسولاك ونيتشه وبلزاك، مما يجعل الرواية تتحرك بين لوحة وأسطورة وفيلم في كل فصل تقريبًا. هذه المشاهد المقطوعة تشبه ستوري بورد 

Storyboard 

لفيلم طويل: لقطات قصيرة، انتقالات حادة، ظلال وألوان وأصوات، كأن السرد نفسه كاميرا تهتزّ تحت وقع الحرب.

على مستوى الثيمات، تتمحور الرواية حول الهوية، الحرب، الفقد، الذاكرة، والجسد بوصفه ساحة صراع. البطل ليس مجرد شخصية؛ إنه جسد يتكسّر ويتحوّل، ظلّ يبحث عن معنى وجوده في عالم تتداخل فيه الخسارة بالنجاة. الحرب هنا ليست حدثًا سياسيًا، بل مزاج وجودي، قوة غاشمة تقتلع المعنى وتترك البشر في مواجهة داخلية مريرة. تظهر الحرب في الرواية كدوّامة من الرماد والوحوش والصراعات الميتافيزيقية، لكنها أيضًا لحظات انبثاق ضوء، وفراشات، ونمنمات أمل في أكثر المشاهد قتامة.

يعتمد السرد على لغة حسّية عالية: الألوان، الروائح، اللمس، الأصوات؛ وهذا يتقاطع مع ما يميّز تجربة عقبي في أعماله الروائية السابقة، حيث يميل إلى تحويل المشهد إلى منحوتة صوتية–بصرية تقع في الحد الفاصل بين الحلم والواقع. كل فصل يعمل كحجر في فسيفساء سردية؛ وما أن يكتمل البناء حتى تظهر الرواية كعمل بصري متماسك، رغم تفككه الظاهري.

النهاية، التي تُعيد البطل إلى «البيت»، تُغلق الدائرة وتستعيد سؤال الهوية والذاكرة، ما يمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز كابوس الحرب إلى البحث عن معنى العودة: العودة إلى الذات قبل الوطن.بهذا، تبدو «غصن للحرب» رواية تُقرأ كحلم مشحون بالعنف والجمال، وكنموذج مهم في السرد التجريبي العربي لم يُدرس ويتيز بأنه يوظّف تقنية الخمسين فصلًا بمهارة ولغة مكثفة تُقيم في المنطقة بين الشعر والسينما.

مزيد من القراءة