حفيدة من هناك
ولشدة هول التجربة الغزاوية ومن شدة وضوحها، فإن محمود شقير هنا لم يكن بحاجة إلى لغة خاصة، أو إلى تعابير تنطوي على مجازات شعرية صعبة التفسير أو معقدة، بل كانت لغته ملائمة للكارثة الإنسانية واستطاعت نقلها ببساطة وبدقة، فالقارئ سيعرف عبر كل مقطع وكل جملة ماذا فعلت الحرب بغزة وبأهلها جميعاً، فقد بدت المقاطع مشهدية ومرسومة بقلب الجدّ الذي فقد حفيدته.
يتضمن الكتاب مقاطع أغلبها تظهر على شكل لواعج يبثها الكاتب لحفيدته التي تعيش في غزة وسط الحرب والدمار وفي قلب الخطر. تلك الـ "حفيدة من هناك" يبدو أنها غير موجودة إلا في خيال الكاتب، أو أن قصة ما تكمن خلفها:
" قلتُ لجَدِّتِها وهي تغلي قهوةَ الصَّباح:
- لنا حفيدةٌ في رَفَحَ، وقبلَ ساعةٍ هاتفَتْني وقالت: سَلِّمْ على جَدَّتي.
نظرتِ الجَدَّةُ إليَّ في فضولٍ وتساءلت:
- حفيدةٌ في رَفَح! متى كان ذلك؟!
قلتُ:
- منذُ ابتدأتْ هذه الحرب.
سبقتُها إلى الصالةِ، وشغَّلتُ التلفازَ، وكانتِ الحربُ تأكل
الأخضرَ واليابسَ، ولا تستثني أحداً هناك.
جاءتِ الجَدَّةُ بصينيَّةٍ عليها بكرجِ القهوةِ وثلاثةِ فناجين.
صبَّتِ القهوةَ فيها، ثمَّ قالت:
- هذا الفنجانُ الثالثُ لحفيدتِنا التي في رَفَح.
قد يكون شقير أراد أن يخاطب أطفال غزة عامة عبر حفيدته تلك، ففي الحروب يموت الأطفال أولاً، بقذيفة أو بتعب أو ببرد أو بجوع ...:
منذُ ابتدأتِ الحربُ وحفيدَتي تمشي حافيةً على بلاطِ البيت.
قالت: سأذهبُ إلى السوقِ رَغْمَ المخاطرِ الكامنةِ هناك
سأذهبُ، وليكنْ ما يكون
فقد مللتُ، نعم، مللتُ.
ذهبتْ إلى السوق
لعلَّها تجدُ شبشباً تنتعلُهُ داخلَ البيتِ وفي محيطِ البيت.
فلم تجدْ سوى شبشبٍ نمرتُهُ أكبرُ مِنْ نمرةِ قدمَيْها.
اشترتْهُ وعادتْ به إلى البيتِ قبلَ قصفِ الحيِّ بخمسِ دقائقَ أو سبع.
مزيد من القراءة
فعاليات
عرض ومناقشة مسرحية التذكر (Mnemonic)
يناير 24, 2026
تم عرض ومناقشة مسرحية التذكرعبر تطبيق ZOOM ،...
الصوفية ما بين التفكيك والنظرية
سبتمبر 11, 2025
حوار وندوة دينيه وعلميه حول التصوّف ونشأته و...
محمود سعيد رائد الفن التشكيلي
سبتمبر 20, 2025
تمت هذه الندوة يوم السبت 20 سبتمبر، 2025 ، تستطيع...
الجليد لصنع الله ابراهيم
يونيو 26, 2025
تمت مناقشة رواية الجليد 26 يونيو 2025 ونشكر ا...