مساءلة التاريخ/ تفكيك التاريخ

 

د. محمد الشحات
المصدر: مجلة الرواية

1-4

سردية “متاهة مريم”[i]لمنصورة عزّ الدّين سردية قد شُيِّدت على التمنّع لا التمتّع، المراوغة لا المباشرة، “الأثر” النيتشوي لا الفعل الأرسطي، الشيطنة لا النبوّة، المتاهة لا الصّراط المستقيم. هو، باختصار، نصّ ينبني على فكرة “اللعنة” المتوارَثة في أسرة التاجي (“وإنّ عليك [عليكم] لعنتي إلى يوم الدّين”)، بدءا بالتاجي الأكبر نفسه، مرورا بزوجته الأولى: “صوفيا” (ابنة تاجر القماش الألباني ، وأمّ يوسف التي كانت تجري وحدها وراء “حكمة” ما تطاردها وتعرف أنها ستصل إليها) وزوجته الثانية: “زينب” المرأة الساكنة التي لا تغادر موقعها في البيت منذ أن دخلته محمَّلةً بإرث عائلة عظيمة النفوذ فانبهرت بالتاجي وذابت شخصيتها في شخصه وأسلوب حياته، والابن “يوسف” التاجي أو “رجل الغموض”- كما كانت تسمّيه مريم- أو الصيدلي الأنيق، وزوجته “نرجس” (أمّ مريم) التي كانت تعشق ذاتها وتتعامل مع جسدها بتبتّل صوفي وقدسية متناهية، ومحبوبته “كوثر” النصف الآخر ليوسف ونقيض نرجس في تذمّرها وطلباتها التي لا تنتهي، ثم العمّ “صالح” والد نرجس المغرم بالجنازات، والخادمة “نور” خادمة صوفيا وكاتمة أسرار يوسف. وأخيرا أصدقاء مريم: “رضوى” زميلتها في الحجرة التي كانت تسكنها ببيت المغتربات، و”يحيى الجندي” الصحفي الذي أحبّته وتعلّقت به لكنه تركها في نهاية المطاف مع فتاة أخرى، و”إديث” صديقة الطفولة التي جذبت الولد الصغير الذي كان يغازل مريم أيام المراهقة لكنه هرب مع إديث فلم تستطع مريم مواجهة عم ملاك كأنها المسئولة عمّا حدث لابنته. وأخيرا “النمر” الرجل ذو الشراسة البادية والصوت الأجش مورّد الحشيش والأفيون ليوسف ذي الذراع المبتورة، أو هو باختصار صاحب التاريخ الموصوم بالدماء منذ علا مدّ هذه الأسرة التاجية. بل لعله يمكن القول إن تاريخ عائلة التاجي تتفجّر منه أنهار من الدماء منذ أن دهست عجلات عربة التاجي جسد أحد الخدم وكوّنت الدماء ما يشبه بحيرة دموية صغيرة لم تمّح آثارها لسنوات طويلة (ص: 19). أما مريم ذاتها سرّة هذا العالم الروائي ومركز هذه الأسرة التاجية غير الناجية أبدا أو “المرأة الورطة”- كما وصفها يحيى ذات مرة- فتنال النصيب الأكبر من لعنة بيت الجدّ المسحور (الجنّة/الجحيم).

تبدأ “متاهة مريم”- وتنتهي أيضا- في مشاهدها التسعة القصيرة مع التاجي الجدّ صاحب السرايا التي تكتسب مع توالي الدفقات السردية صبغة غرائبية واضحة منذ أن أعلن الراوي كلّي المعرفة والوجود عن أن التاجي قد أقام سراياه (مملكته/ جنّته الأرضية)- ذات القباب والواجهات الرخامية والسراديب والدهاليز والقاعات الواسعة والشبابيك ذات الزجاج الملوّن والمحاطة بأسوار قصيرة يعلوها درابزين يحمل شجيرات ياسمين تحيط المكان كله بعبقٍ مدهشٍ كان السبب في موت التاجي- على أرضٍ تحتفظ بـ(ما) عليها من أشياء وجمادات ونباتات وحيوانات وطيور أطول فترة ممكنة وتسعى إلى أن تضفي عليها صفة البقاء والخلود. أما (مَنْ) فوقها من البشر فسرعان ما تصيبهم لعنات “المتاهة” والجنون والفناء كأنه قد كّتِبَ على قوم التاجي جميعا أو قوم ابنه يوسف “التّيه” في أرضه (جنّته وجحيمه) مثلما كان تيه بني إسرائيل قوم موسى. كان التاجي- ظلّ الربّ على الأرض- “لعنة تسير على قدمين” (ص:33).

هكذا تخلق “متاهة مريم” فضاء إشاريا يحيل إلى منظومة من العلامات ذات الصبغة الدينينة (الإسلامية/ المسيحية)، علامات تبدأ ولا تنتهي بالأسماء (مريم، يوسف، يحيى، كوثر، صوفيا،صالح، زينب، نور، رضوى، …). وليست فكرة اللعنة أو الجنّة/ الجحيم، في هذا السياق، بعيدة بحال عن ما تنهض به “رمزيّة الطائر” ( مَلَك في صورة هدهد، بوم لا يكفّ عن النعيق المتواصل متعطّش للدماء، بلابل وعصافير وطيور سرقت الحياة من مُلاّك المكان، …)، من إذكاء لدلالات الغرائبي وتفجير لطاقات ماوراء الطبيعي، حتى وإن كان هذا الغرائبي عنيفا يتّكئ على مرتكزات واقعية عميقة مصدرها أزمة وجودية تعانيها الذوات الروائية وسط عالم يبعث على الجنون.

2-4

ينهض بمهمة السرد في مروية آل التاجي راوٍ كلّي المعرفة والوجود، لكنه راوٍ يأخذ منحيين متمايزين. يتمثّل أولهما في المقاطع التي تستهل مدوّنة التاجي وتتصدّر كل مشهد من مشاهد المروية التسعة بخط طباعي مميز يحكي عن إرث التاجي من منظور سردي متعالٍ يقوم بوظيفتين جماليتين وثقافيتين في آن: أولاهما توالد السرد من رحم الماضي الكامن في ذاكرة مريم واستعانة الراوي بلغة تعتمد الأفعال المبنية للمجهول (يُحكى أن، يُقال إن، ..) كأنه ينسب فعل الحكي إلى آخرين مجهولين، الأمر الذي قد يحيل الرواية إلى ما يشبه مدوّنة تاريخية شفاهية. وثانيتهما: خلق عالم غرائبي مركزه سرايا التاجي بما تنطوي عليه- و بما تثيره في الوقت ذاته- من أحداث عجيبة تخلق عالما من الأشباح والمَرَدَة و”القُرَناء” الذين يتابعون الشخوص أينما حلّوا أو ارتحلوا. وهو أمر يذكّرنا بقصة “أرواح شرّيرة” لهنري جيمس الكاتب الأمريكي المعروف (1843-1916)، وهي قصة يطارد فيها شبحا “كوينت الخادم” و”الآنسة جيزيل الخادمة” الأخوين “فلورا” و”مايلز” اللذين يقضيان إحدى الأجازات مع خادمة البيت السيدة جروز في أحد المنازل النائية، وتدور الأحداث في جو بوليسي مثير (انظر ص: 67).

فـ”القرين” هو النمط الثقافي الاجتماعي الذي تشتغل عليه الرواية وتجعل منه محرّكا ودافعا للأحداث وخالقا أهم قيمها، أقصد مفهوم “الازدواج” الذي يغلّف الشخصيات ويجعل لكل منها وجهين: أصل وصورة، وعي ولاوعي، أنا وقرين. أما ثاني المنحيين اللذين يتخذهما راوي المدوّنة فهو اقترابه الشديد من الشخصيات في مواضع كثيرة لكنه في أغلب الأحوال يتبنّى وجهة نظر مريم التي يتطابق معها زمانا ومكانا وترتبط حركته بها وبـ”قرينتها” دون أن يعرّيها أمامنا تماما مثلما فعل مع باقي أفراد أسرة التاجي الملعونة، على الرغم من كون المتاهة هي متاهة مريم بصفة خاصة قبل أن تغدو متاهة الآخرين. ولعل ما يحدّد “هنا-الآن” في المروية ويفضّ هذا الإشكال بين الغرائبي (أو: الحلمي) والحقيقي (ما يحدث في حاضر الرواية حيث رحلة مريم للبحث عن حقيقة يحيى و رضوى بجوار بيت المغتربات أو شقة عابدين أو حركتها في شوارع المدينة أو وسط البلد) هو تتبّع تلك المقاطع التي يرد فيها ذكر علاقة مريم بيحيى ورضوى في فضاء المدينة التي جاءت إليها من قريتها لتقيم بأحد بيوت المغتربات (ص: 9-18، 65-66، 69-75).

3-4

يمثّل بيت التاجي، بالنسبة إلى مريم تحديدا، صورة البيت القديم (وهي صورة موجودة في مجموعة منصورة عز الدين السابقة “ضوء مهتزّ”) أو هو المكان بامتياز الذي تشكَّلت فيه الذاكرة والوعي وتخلّقت فيه، وبه وحوله، الأحلام. وبعيدا عن هذا العالم يكون المنْفَى والاغتراب والقطيعة وفقدان الحميمية وبَتْر كل وشائج القربى. ومن هذه الزاوية ينهض بيت التاجي بما ينهض به مفهوم “الطلل- الأندلس” عند كتّاب المنْفَى مثلا. وربما لن نتمكن من فهم طبيعة هذا الامتياز الذي يمثّل المكان العربي في أصْفَى مجاليه دون التذكير بالطبيعة الفردية للأول والطبيعة الجمعية للثاني. فـ”الطلل” علاقة مربعة يمثل الإنسان ضلعها الأول والمكان نفسه ضلعها الثاني والزمن ضلعها الثالث والذّكرى ضلعها الرابع. أما “الأندلس” ففيها علامات التجربة الأولى ذات الخصوصية الجمعية التي تمثل الذاكرة التاريخية والوجودية لكل حاملي الثقافة ومٌنْتِجيها، حيث لحظة العيش في الأندلس تشبه الإقامة في التاريخ ولحظة الخروج منها تشبه نوعا من العيش في المنْفَى. هكذا كانت مملكة التاجي على أرض الواقع أندلس مريم وجحيمها. فـ(متاهة مريم) تنتمي إلى ذلك النوع من النصوص الذي يؤكد أن “هناك أماكن إقامة عدة في حياتنا تتخلّلها وتحتفظ بكنوز الأيام الخالية”. لذلك، يصبح الحلم أو “سردية الحلم” وسيلة أثيرة لدى الذات الراوية والمرويّ عنها (مريم) من أجل فهم أعمق تناقضات هذا العالم والتنبّؤ أيضا- أو الحدس أحيانا- بما سوف يقع على هذه الأرض الملعونة التي تثير الغريب والعجيب والمفارق. فـ”الحالِم حاضر دوما في منامه الخاص” مثلما:

“تسير مريم في شوارع المدينة كالمنوَّمة لا تدري هل هي في عالم حقيقي أم لا؟ كل الأشياء صارت بعيدة عنها، موغلة في تنائيها لدرجة مرعبة. الأشخاص الذين كانوا جزءا من حياتها تحوّلوا إلى مجرد أشباح تزورها من آن لآخر ثم تغادرها فجأة تاركة إياها لدوّامات من الحيرة والجنون دون أدنى شفقة ” (ص: 65).

اللافت للنظر أن يصبح الحلم بنية دالّة من بين البنى التي ينهض عليها وعي مريم وأمها نرجس بالعالم. لكنّ أهم ما تجسّده أحلام مريم ونرجس هو “الانهمام”- بلغة ميشيل فوكو حسب ترجمة مطاع صفدي- بهذا الجسد الأنثوي إلى درجة تدنو به من القدسية (ص: 9، 43-45، 71، 82-83، 100) مع الحرص في الوقت ذاته على بقاء -ونقاء- “البتولة أو العذرية”. من هنا، من مركزية ” الجسد الجميل” بوصفه مادة للاشتهاء وبوصفه “سلطة” في الوقت ذاته، كان ثمة علاقة غريبة تتخلّق بين أفراد هذه العائلة التاجية في محيطها الضيّق (يوسف/نرجس/مريم)؛ إذ لم تتفوّه مريم مطلقا- مع اعتبار أن الراوي يتبنّى وجهة نظرها على مدار النصّ- بكلمة “أمي” أو”أبي” أو حتى “جدّي” أو “جدّتي”بل كانت تقول: الرجل الذي يُدعى يوسف والمرأة التي تُسمّى نرجس،.. وهكذا، بصيغ تنكيرية تعكس مدى توتّر وتأزّم العلاقة بين أفراد هذه الأسرة المجدبة (التي لم- ولن- تنجب أحدا بعد مريم) المتجّهة لا محالة نحو مزيد من التفكّك الأسري والتفسّخ الاجتماعي والانهيار الطبقي.

4-4

أدركت نرجس أثناء حملها بمريم أنها مقبلة على تجربة جسدية مرعبة سوف تكون بداية لتحوّلات شتّى، فكانت تقف أمام المرآة تتحسّس بطنها وصدرها في فزع حتى إنها باتت تكره جسدها أكثر من أي وقت مضى؛ إذ كانت غير راغبة في أن تشهد المزيد من الدلائل والعلامات على خيانة جسدها لها وتهاويه وذبوله وتحوّله إلى ما يشبه “الجيفة البعيدة تماما عن الجسد الحبيب والمخيف الذي ألفته وتعايشت معه” (ص:47). إنها الرغبة في خلود الجسد قبل خلود الروح ولو على حساب الابنة، الرغبة التي سوف تتحول مع نرجس إلى احتضان جسد يوسف التاجي، الجسد العاري الميّت الذي فارقته الحياة إلى الأبد راغبةً في استعادته ولو عن طريق ممارسة إيروسية قد توحي بمضاجعة الموتى (ص:22). وأنّى يكون لها هذا ؟!

لذا، لم تحب نرجس مريم كما لم تحب مريم نرجس وجرّدتها حتى من صفة الأمومة فلم تنادها أبدا “أمّي”. ليست هاجس “البتولة”– لدى مريم أو نرجس- زهدا سابقا للممارسة الجنسية فحسب:

“إنها اختيار ونمط عيش، وشكل سامٍ من أشكال الحياة يختاره البطل ضمن إطار اهتمامه بذاته. عندما ستفرّق الأحداث بين البطلين وتعرّضهما لأسوأ المخاطر سيكون الخطر الأكثر جسامة هو بالطبع التعرّض لاشتهاء الآخرين وحبّهما الجنسي؛ وسيكون أكبر دليل على قَدْرهما وحبّهما المتبادل هو المقاومة بأي ثمن وإنقاذ هذه البتولة الأساسية”[ii].

ولعل هذا ما قد يفسّر هيمنة “القرين” على شخصيات المتاهة بصفة عامة، وتحديدا سعي ذلك القرين (أو: تلك القرينة) إلى التحكّم في سلوك مريم يوسف التاجي من حيث هي مركز هذا العالم الروائي والسليلة الوحيدة للأسرة التاجية التي أصابتها لعنة بيت التاجي الذي أصبح مأوى للأشباح. إنه من نوع القرين العاشق للآخر، والذي تتمثّل ذروة عشقه في “الحلول” في الجسد المرغوب كأنه يسعى إلى التوحّد مع هذا الجسد ولا يطيق العيش بعيدا عنه:

“هل أساءت [القرينة] تقدير القوة الروحية لمريم وبالتالي لم تقدر على إضعافها كل تلك السنوات أو خلخلة ثقتها بالعالم الذي تتحرك فيه؟ كانت تعرف أفكارها قبل أن ترد إلى ذهنها. كانت هي مريم ومريم هي…” (ص: 105- 106).

لكنّ أحد نتاجات هذا “القرين” هو تأرجح الذات (مريم) بين الوعي واللاوعي، كأنها ذات منقسمة على نفسها، شيزوفرينية ربما (!)، أو هي ذات تفتقد مفهوم الهوية الشخصية؛ أي ذات تفتقر إلى مفهوم اضطراد الزمن وتتاليه وسط هذا العالم الغريب الموحش. من هنا كان “الجنون” واحدا من البدائل المطروحة بقوة أمام الشخصيات التي لم تستطع مواجهة قساوة العالم وضراوته التي بلغت حدّ الغرائبية المخيفة، فقررت اللجوء إلى منطق مغاير في الفهم والإدراك هو “الجنون” من حيث هو ابتكار الكلام الجديد (أو اللغة الجديدة) من أجل اختراق اللغة القائمة سلفا وكسر لعبة الدوال والمدلولات التي يقوم عليها فقه اللغة التقليدي والتماسّ مع الدوالّ وحدها بعيدا عن مرجعياتها الاجتماعية المتوارثة. وشخصية صوفيا في هذه الحالة أصدق مثال. لقد كانت مريم تبحث عمّن دفع الجميع إلى دوامة الجنون؟:

– “هل جُنَّت صوفيا فتبعتها كل الأشياء؟ أم أن الجنون هو الأصل وما عداه محض أوهام؟” (ص: 69).

– “عاشت صوفيا في جنونها هذا مدة ليست بالقصيرة تنتظر بزوغ الرجل من العدم…” (ص: 87).

5-4

ترتبط صورة الفردوس، في مخيلة الإنسان العربيّ، بصورة جنّات عدن التي رسمها القرآن الكريم باستفاضة، وهي صورة سردية أثيرة تنهض على مفردات الأشجار والخضرة والأنهار التي تجري من تحت الجنان، ثم تكتمل الصورة بالحور العين والغلمان وكؤوس الشراب التي ينهل أصحابها من أنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفَّى وأنهار من خمر لذَّة للشاربين، .. إلى آخر المفردات التي تتعامل معها كتب التفاسير وقصص الأنبياء اعتمادا على مبدأ “الخيال المطلق”. لكن رواية منصورة عز الدين الأخرى “وراء الفردوس” توازي بين صورة الجنة/الفردوس والبيت الريفي القديم، حيث العائلة التي تمثل تاريخا جمعيا للذات، العائلة التي قامت على كتفي شخصيتين اثنتين فحسب كانا بمثابة آدم وحواء هما: الجدّ والجدّة (عثمان، رحمة)، ومن سلالتهما خرجت باقي الشخصيات: رشيد، جابر، سميح، ثريا، بشرى، سلمى، جميلة، هشام، .. إلخ. لكن فكرة الجنة/الفردوس في عالم هذه الرواية لا تنفصل بحال عن فكرة اللعنة الأبدية التي تطارد العائلة ممثلة في فكرة “القرين” والقتل والدماء والغيرة التي تنطوي عليها الأنفس البشرية منذ قابيل وهابيل. لذلك، تبدأ الرواية بمشهد النهاية حيث تتخذ سلمى رشيد قرارا بحرق محتويات الأسرة الماثلة في ذلك الصندوق الخشبي الذي يحوي إرث الأب والجدّ من أشياء شخصية وأوراق غير مفهومة سواء من حيث اللغة أو الرموز والعلامات. هكذا، تسعى الرواية – من وجهة نظري – إلى تأكيد مقولة شهيرة كان الناقد والمفكر فريدريك جيمسون قد أطلقها منذ سنوات في كتابه “اللاوعي السياسي: السرد بوصفه فعلا اجتماعيا رمزيا” حين قال: “إن التاريخ مقولة سردية”، وهي جملة توازي ما قاله إدوارد سعيد في كتابه “الثقافة والإمبريالية”: “إن الأمم ذاتها سرديات ومرويّات”. لذلك، يمكن أن نصف رواية “وراء الفردوس” بأنها سردية بحث عن الذات والهوية عبر تعرّف التاريخ الجمعي لأسرة عثمان وزوجته رحمة، تلك الأسرة التي لا تبتعد كثيرا عن أسرة التاجي في روايتها السابقة “متاهة مريم”.

كما سبق أن أشرنا، فإن من يتابع كتابة منصورة عز الدين في كتابيها السابقين “ضوء مهتز”[iii] و”متاهة مريم” ويصلهما بروايتها الأخيرة “وراء الفردوس”[iv] يدرك أن هذه الرواية لا تزال تحفر حفرا عميقا مدهشا في المجرى السردي نفسه الذي سبق لها أن شيّدت أركانه وضفافه منذ كتابيها الأوّلين، الأمر الذي يدفع القارئ بشكل عام إلى التعامل مع نصوصها السردية الثلاثة باعتبارها نصا واحدا أو متنا كبيرا، ينهض على عدد من الدعامات التي يقع في القلب منها استقطاب ذاكرة القارئ ومخيّلته ودمجها بمهارة في ذاكرة الرواة والشخصيات، وبطريقة تثير بداخل كل قارئ منا – كما لو كان شخصية قصصية من ورق – جماعًا من الذكريات والمشاهد عن العالم الأول والبيت القديم، أو لنقل – باختصار – إنه الحنين إلى الطفولي أو “الجنّة الأولي” أو “الفردوس” الذي يسكن قاع مخيّلاتنا. هكذا، ينفتح فضاء الكتابة عند منصورة عز الدين، في كتبها الثلاثة (ضوء مهتز، ومتاهة مريم، ووراء الفردوس)، علي عالم متشابك الرموز والدلالات حول الأحلام، واللاوعي، والبيت القديم/ الفردوس.

وتشترك رواية “وراء الفردوس” مع نصوص منصورة السابقة في عدد من الثيمات، منها: فكرة القرين (سلمى وجميلة)، وجود شخصيات قبطية بمحمولات ثقافية مصرية، انطواء السرد على تيمة “السر المكنون”، تداخل الواقعي بالغرائبي والحلمي، الاحتفاء بالأسرة التي تنطوي على فكرة “اللعنة”. كما تثير الرواية عدد من القضايا الاجتماعية التي ترصد تحولات المجتمع المصري منذ الأربعينيات حتى بداية التسعينينات، وتحديدا من خلال قضية تجريف الأرض الزراعية وبناء مصانع الطوب الأحمر، لتشكّل نصوصها سرديتها الخاصة بها وبأبناء جيلها، حيث تنشغل بالتاريخ الفردي للذات والأب والأم والعائلة والمكان والزمان والقرية والبيت، ..إلخ، بديلا عن التاريخ الجمعي الذي يتصل بنشوء السرديات الكبرى للمجتمعات والدول والأقاليم.

6-4

ثمة مفاهيم كثيرة اشتغلت عليها نصوص منصورة عز الدين، مثلها في ذلك مثل باقي النصوص التي أشارت إليها الدراسة سابقا، كمفهوم “العلامة” و “اللعب” و”الأثر” عند جاك ديريدا مثلا أو بعض الإشارات إلى “موت الإله” أو “العود الأبدي” عند نيتشه أو “الجنون” و”القرين” عند ميشيل فوكو، أو غير ذلك من مداخل ومفاهيم تنطوي عليها نصوص الكاتبة ونصوص جيلها[v]. لكنّ ما هو أكثر أهمية – من وجهة نظر الباحث- أن كتابة منصورة غاصت في محليّتها الخاصة، المتصلة بتصورها الخاص جدا لعالم الريف، بعيدا عن محاكاة الآخرين من جيلها أو الأجيال السابقة.

ولعله من الواضح حرص الكاتبة على إنتاج لغة قصصية مختلفة ومتميزة تشير بوضوح إلى تنامي “تيّار واقعي جديد” في الكتابة القصصية المصرية المعاصرة، أقصد إلى تيار يستعين بالطاقة القصوى للذاكرة الإنسانية، ويمتاح من رحم الغرائبية، وينهض على الاعتداد بقيمة الأحلام في تشكيل المعرفة الإنسانية، فضلا عن كونه تيارا يرتكن إلى نزوعات وجودية لها بعض الملامح عند كتَّاب سابقين على منصورة عز الدين أو مجايلين لها (مثل إبراهيم فرغلي، مصطفى ذكري، منتصر القفّاش، غادة الحلواني، حمدي أبو جليّل،.. وغيرهم). لكنها جميعا نصوص تؤكّد على تصاعد أزمة وجود- وكذلك أزمة هويّة- حقيقية لدى أبناء هذا الجيل من الكتّاب والكاتبات الذين راحوا بدأب يكتبون سردياتهم الخاصة التي هي سردية جديدة، سواء من حيث الشكل أو المضمون. لكن الأمر الأكثر دلالة في هذا السياق هو اعتناء نصوص منصورة عز الدين بمساءلة التاريخ الجمعي وتفكيكه عبر عدد من الوسائل والاستراتيجيات، يقف على قمتها تشييد تاريخ فردي للعائلة، كسردية بديلة للتاريخ الرسمي. وعبر هذه الآلية المزدوجة ما بين التفكيك والتشييد تتعرّف الذات هويتها وتعثر على نغمتها الخاصة في مجتمع يتسم بالتحولات المذهلة في كل شيء: التكنولوجيا والقيم والإنسان.

للسرديات البديلة، إذن، عدد من الوظائف أو المهام أو التجليات التي تجسّدها بعض الكتابات أو النصوص التي تندرج تحت أفق هذه التسمية، بعضها أيديولوجي (رؤيوي) وبعضها فنّي (جمالي). وعلى رأس الوظائف الأيديولوجية تأتي المقاومة، ونبذ الهيمنة، وتعرية أوجه القمع، ومساءلة التاريخ الرسمي الانتقائي، والاعتداد بالثقافات المحلية، والهامشية، والاحتفاء بالأقليّات، والبحث عن بدائل للنزعات القومية والنعرات الوطنية المنفصلة عن قضايا البسطاء والمطحونين من شعوب العالم الثالث، وتقويض المركزية الأوروبية، الراغبة في عولمة العالم وطبعه بمَيْسَم السوق الكبير Hyper Market الذي سوف تطغى فيه وتتعاظم، بالضرورة، “قيم التبادل” التي تنظر إلى الأشياء من منظار ما تساويه من مال، على حساب تضاؤل وتلاشي “قيم الاستعمال” التي تحترم الأشياء لذواتها وجواهرها، إذا استخدمنا مصطلحات جورج لوكاتش ومن بعده لوسيان جولدمان[vi] المنبثقة من رؤية ماركسية للعالم والواقع والفنّ.

أما الوظائف أو التجليات الفنية لما نسمّيه “السرديات البديلة” فيأتي على رأسها نقض تراتبية الأنواع أو الأجناس الأدبية (غنائي/ درامي/ ملحمي، شعري/ نثري …)، والانتصار للشفاهي على حساب الكتابي، وضرب مقولة الواقعية في مقتل، وخلخلة مركزية الأب (البطريارك)، في مقابل الكشف عن مكامن الذات الفردية، وتفجير طاقات الحلم، واللاوعي، والجنون،.. إلخ. ولأنها سرديات بديلة، بمعنى أنها تنطوي في العمق منها على نقض السرديات الكبرى ومناوشتها وتنصيصها، ولو على سبيل المعارضة أو النقيضة، فإنها تتكئ أحيانا على بعض الميتافيزيقا، وتحتمي، في أحيان أخرى، بطاقة الأديان وروحانية التصوف، وحتى وجودية الوجوديين وعدمية العدميين. إنها سردية مراوغة، قد تتلوّن كالحرباء، لكن الباحث المدقّق يمكن له أن يلتقط لها بعض الصور من زوايا مختلفة، تسعفه في رسم معالم واضحة لنمط مغاير من السرديات التي يمتلئ بها واقعنا المعاصر، لا عبر النصوص الأدبية أو الفنية فحسب، كما حاولت هذه الدراسة أن تفعل، بل في محتوى الكلام اليومي الشفاهي أيضا، والصور، والإعلانات، والخطابات الرسمية، والشعارات المحلية والقومية وعبر القومية، واللافتات الدعائية، والنّكات التي تطلقها الشعوب على رموزها وحكّامها وعلى أنفسها أيضا، لا على سبيل السخرية (أو الباروديا) فحسب، بل على سبيل التقيّة أيضا.
[i] منصورة عز الدين:متاهة مريم، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2004.

[ii] ميشال فوكو: تاريخ الجنسانية – الانهمام بالذات، ترجمة: جورج أبي صالح، مراجعة: مطاع الصفدي، مركز الإنماء القومي، لبنان، 1992، ص 156. ويمكن مراجعة الفكرة ذاتها في مقال ميشيل فوكو: تاريخ الجنسانية: استخدام المتع، ترجمة: جورج أبي صالح، مجلة العرب والفكر العالمي، مركز الإنماء القومي، لبنان، العدد الثاني، ربيع 1988، ص ص: 79-84.

[iii] منصورة عز الدين: ضوء مهتز، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2001.

[iv] منصورة عز الدين: وراء الفردوس، درا العين للنشر، القاهرة، 2009.

[v] انظر للباحث: “متاهة مريم لمنصورة عزّ الدين بين فوكو ونيتشه: تاريخ اللعنة والجنون”، أخبار الأدب، 16 يناير 2005.

[vi] بخصوص مفهومي “القيم الاستعمالية” و”القيم التبادلية” بصفة خاصة، ودور كل من جورج لوكاتش ولوسيان جولدمان في النظرية الماركسية، يمكن مراجعة كتاب: سيد البحراوي: المدخل الاجتماعي للأدب، من علم اجتماع الأدب إلى النقد الاجتماعي الشامل، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2001.

 



اترك تعليق