«نساء يوسف» رواية لينة كريدية نهـايـات الحـروب الصغيـرة


 


اسكندر حبش
 السفير


تحار رواية لينة كريدية الثانية، الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، بعنوان «نساء يوسف»، تحار قليلا، في اختيار بطلها أو لنقل شخصيتها الرئيسية. إذ على الرغم من أن يوسف، الشخصية المحورية، تعطي اسمها للعنوان، إلا أن كلّ شخصية من الشخصيات الأخرى الحاضرة في الكتاب، يمكن لها أن تكون الشخصية الرئيسية، ولا سيّما شخصية «دادا نعيمة» التي تبدأ الكتاب، عبر رحلتها في الطائرة، وتنهيها أيضا، في رحلة العودة إلى بلادها، بعد سنيّ الخدمة الطويلة في إحدى دول الخليج. ومع هذه الرحلة في الطائرة، ثمة ذكريات، وثمة حيوات كثيرة تتشابك مصائرها، لتقدم إلينا جزءا من مجتمع متشعب، يذهب دائما إلى خيبته، إذ ان الخيبة ليست سوى خيبة الفرد الذاتية التي تنسحب على كلّ شيء.
هذا التشظي، إذا جاز التعبير، في تحديد الشخصية الرئيسية، ليس سوى اللعبة السردية التي تنسج وفقها الكاتبة، روايتها. هذا ما عرفناه في روايتها الأولى «خان زاده» التي تحدثت فيها عن مصائر ثلاث نساء هنّ جيهان وروعة والراوية نفسها قبل أن يصل بنا السرد إلى شخصية رابعة محورية هي «خان زاده» عمّة الراوية.
هذا التعدد، في الواقع، للشخصيات المحورية، لا بدّ من أن يحيلنا إلى التحديد الذي تحدث عنه ألبير تيبوديه، في كتابه «تأملات حول الرواية»، حين قال إن الروائي «الحقيقي هو الذي يبدع شخصياته في كلّ الاتجاهات اللامتناهية لحياته الممكنة، أما الروائي المصطنع فيبدعها مع الخط الوحيد لحياته الواقعية. من هنا، تأتي الرواية الحقيقية كأنها سيرة للممكن(...) لتجعلنا نحيا هذا الممكن لا في أن تجعلنا نحيا الواقع من جديد».

التعددية الداخلية

هذا الممكن، هو الذي يشدّ لينة كريدية لتذهب في رسم هذه التعددية الداخلية لكلّ واحدة من شخصياتها الروائية، لتقدم عبرها سيرة الممكن، الذي يقع أيضا في خيبته وانهياره. قد تكون هذه النقطة، واحدة من النقاط المشتركة، مع روايتها السابقة. فمصائر نساء «»خان زاده» رأيناها تذهب عميقا إلى هزيمتها الشخصية بعد أن هُزمت المدينة من جراء الحروب المختلفة التي عرفتها، أكانت أهلية أم غير أهلية. مصائر «نساء يوسف» أيضا تصل إلى خيباتها وانكساراتها وهزائمها، لكنّ الحروب هنا، هي هذه «الحروب الخاصة»، الداخلية، هي هذه «الحروب الصغيرة»، التي تموضعها الحياة، لألف سبب وسبب، على الرغم من أنّ كلّ شيء في البداية، لم يكن، ليوحي بذلك.
بداية، هناك دادا نعيمة، التي أتت إلى دولة خليجية، لتعمل في منزل أسرة لم تتوقف ثروتها عن الاتساع، لتهتم بداية بشؤون المنزل، ولتصبح الخادمة المقربة من سيدة المنزل الشيخة نوال، وفي ما بعد من الأولاد، التي تهتم بهم بعد أن تزوج السيد من نساء أخريات، وبعد أن دخلت الشيخة نوال في انهيارها الذي تركها بين جدار المنزل، لا تخرج منه إلا لماما. هذا الاقتراب من الأولاد، جعلها تقترب من علاقة، مثلية، مع ابنة الشيخة، زيزي، التي بدأت تكتشف جسدها مع بداية مرحلة البلوغ، لتتخلى عن نعيمة بعدها وتتركها تعيش في «فانتسماتها» التي لا تتوقف.
نجد أيضا ندين، الشابة اللبنانية، التي ـ خلال دراستها في الولايات المتحدة ـ تقع في حب يوسف، ابن نوال، لكن الأمور لا تصل إلى نهايتها الطبيعية في الزواج، إذ لم يستطع يوسف مخالفة أوامر والده، فتزوج من ابنة عمه أفراح. لتسقط نادين، في انهيارها، وترتبط بعلاقة مع مايكل، التي تفشل أيضا، ولا تنجح بدورها في الاستمرار مع جون.
أفراح، زوجة يوسف، بعد بداية زواج تقليدي ناجح بعض الشيء، تبدأ بدورها بالدخول إلى تلك الزاوية السوداء، أي إلى الانكسار، إذ لم تنجح في جعل زوجها ينسى حبه الأول، لتشعر بأن كلّ شيء ينساب من بين يديها، لتذهب إلى انتقامها الخاص من نفسها، أي في تخليها عن الحياة الاجتماعية لتنعزل في بيتها تشاهد التلفزيون ولا تخرج منه.

التخييلات

دادا نعيمة، بالرغم من أن عملها جعلها تهرب من مصير قريتها البائس، لتعمل هناك، وتجمع مبلغا معقولا من المال، عرفت كل الانهيارات الممكنة، بدءا من تخلي زيزي ، وصولا إلى الشيخوخة التي دفعت العائلة إلى التخلي عنها في نهاية الأمر، كي تجد أنه ما من مفر في نهاية الأمر إلا في العودة إلى مسقط رأسها.
زيزي التي اكتشفت الحب الذكوري وتزوجت لتؤسس عائلة، تعود لتسقط في الحالة عينها التي وقعت فيها أمها من قبل، إذ بدأ زوجها، مع نجاح أعماله، في التغيب عن البيت، وفي العودة متأخرا، ليحدث هذا الشرخ الذي لم يقدها إلى الانعزال التام، بل إلى استعادة شهوتها الأولى، إذا جاز التعبير، أي في إقامة علاقات جنسية، مع صديقاتها، اللواتي هن أيضا، وقعن في خيباتهن المتشابهة.
في هذه اللوحة، المقفلة، تتقاطع الشخصيات لتمحورها الكاتبة حول يوسف. نساء هن: أمه، أخته، «مربيته»، حبيبته، زوجته، وحتى «عاهرته» صونيا، التي تقدم له نوعا من حب مفقود، في أحد مشاهد الرواية، لكنه لا يجرؤ على ممارسة كلّ تخيلاته الجنسية معها، إذ ثمة تربية، حافرة عميقا في وعيه ولاوعيه أيضا، تمنعه من ممارسة ذلك، فيجد الحل في الممارسة الهاتفية، إن جاز القول، إذ بعد أن يخبر صونيا في رغبته مثلا في أن تتبول عليه وهو يمارس الجنس، يقوم ليغتسل ويتوضأ ويذهب إلى الصلاة، بعد أن أقفل سماعة الهاتف.
«من يعش في الوهم فلا بدّ أن ينتهي في الخيبة»، يبدو هذا المثل الأميركي اللاتيني، مفتاحا في قراءة رواية «نساء يوسف»، وفي قراءة المصائر المأزومة التي لا تصل إلا إلى انكسار مع الحياة. كأن كلّ ما شيدته كان وهما، غير صالح إلا ليقود إلى هذه النهايات المميتة، بقساوة قدرها عليها. هذه الخيبات، هي الإطار الذي يشكل عنصرا أساسيا، من مناخ لينا كريدية الروائي. إذ كما في الرواية الأولى، تأتي الثانية، لتحفر أكثر في قراءة هذا المصير الخائب.
بين الرواية الأولى والثانية، ثمة مسافة حقيقية تقطعها أسئلة السرد والقص عند الكاتبة. فإذا كانت الأولى، وإن لم تبد كرواية أولى، قد أسست لهذا التمهيد، تأتي رواية لينة كريدية الثانية، لتحفر أكثر في أسئلة الكتابة، ولتقدم عملا يستحق أكثر من التفاتة.