لينة كريدية: الشعر والرواية في حال يرثى لها


 
ليندا عثمان -السياسة

عرفنا لينة كريدية ناشرة تهتم بطباعة المؤلفات التراثية والشعرية, عبر إدارتها لدار النهضة العربية, الان تطل علينا روائية جريئة ومتمكنة عبر جديدها الرواية"خان زاده" الصادر حديثاً في بيروت عن دار الآداب.
تقع الرواية في 126 صفحة من القطع المتوسط وبهذه الرواية تنضم "لينة" إلى طليعة الروائيات العربيات والمحليات اللاتي يحملن ثقافة السرد المحبب, والأفكار الخلاقة, والخطاب الروائي الإنساني الاجتماعي الذي يتناول قضايا من منظور روائي متماسك ومتين.
كريدية تقدم رواية عن بيروت الحديثة, القابعة في أعماق ثلاث بطلات هن: جيهان الجميلة التي تترحم على أيام غيفارا وعبد الناصر وتعود رويداً رويداً إلى التعصب والمذهبية, وروعة التي تعيش على هامش أسرة لا تهتم إلا بالمظاهر لأمها وحماتها والراوية تقرب من امرأة من الخمسين, لا تعرف أنصاف الحلول وتعيش إخفاقاتها المتتالية, تضيع بين عمها "أسامة" الذي رافق "صحبة السوء" وعاش حياة الحرية, وعمتها "خان زاده" القديسة التي طوت قصتها ورحلت من دون أثر يذكر. رواية تحدث عن روح بيروت المسلوبة التي كلما سعت إلى الانفتاح والحرية, أضحى أهلها أكثر انغلاقاً على أنفسهم.
هذه الرواية منذ صدورها قبل شهر تقريباً كتب عنها الكثير, تحكي علاقة المرأة بالزمن. وأيضاً بالمكان, والموروث الشعبي والعادات والتقاليد, وقد ركزت الكاتبة على المرأة البيروتية كأنموذج نسوي يعبر عن مجتمع وذاتية, مع خصوصية في سياق حداثي ركز على الحب والسياسة وأنا المرأة إلى قضايا تخص المجتمع وتحمل إشكاليات لا تزال مطروحة وبقوة على الساحة.
هنا لقاء مع لينة كريدية حول روايتها, هذا نصه:
بداية, لماذا لم تنشر روايتك عن دار النهضة وهي تعود اليك?
في عالم الطباعة والنشر, هناك عدة معايير علينا اتباعها وهي مهنة كغيرها من المهن لها تشعباتها المختلفة. دار النهضة العربية تتخصص وتمتاز بأنها دار أكاديمية تعنى بالنشر الأكاديمي, بالإضافة إلى المبادرات الشعرية والنشر الشعري, وعندما أردت نشر روايتي اتجهت إلى دار خاصة بنشر الرواية وتحترم العمل الفكري, بحيث لا تتقاضى أية مبالغ من المؤلف, بل تعتمد على تقييم المادة وتنشر بالاستناد إلى ذلك, توخياً للتقييم الجيد, واحتراماً للأعمال نفسها.
هل الرواية اختبار للذات الأدبية عندك?
أنا لا أختبر ذاتي الأدبية أو غيرها في هذه الرواية, إنما أعبر عن أشياء أحسها وألمسها في واقعنا وفي حياتنا اليومية التي نعيشها ونراها وتلامس أعماق أنفسنا, فهذه الأشياء هي المحركات الأولى للأحاسيس التي تغذي أقلامنا وترسم الكلمات التي قرأتها.
ما الذي حاولتِ قوله في "خان زادة" كرواية?
ما أحاول أن أقوله هو أنه يوجد إحباط حولنا, ونرى ذلك في المعترك السياسي, التصرفات اليومية, حياة الأشخاص العادية وحتى في الحب, فأصبح من الصعب على الإنسان العيش في بيئة كان من المقدر لها أن تحتضنه وأن تميزه; إنما أرض الواقع اليوم تعكس لاوعي الشاعر, فحتى إذا سلمنا بنظرية الذكاء الفردي والغباء الجماعي, فإننا ندقق في الصورة ونكاد لا نرى الفرق.
ما الذي دعاكِ لاختيار هذا الموضوع?
كل ما نراه بأم أعيننا أصبح تفاهة. لم تعد للأشياء قيمة كما في الماضي, ففي الرواية نلتمس العراقة والأصالة وكل ما غاب عن بيروت اليوم من الأشخاص إلى الأشياء وحتى المعالم; كلها أصبحت صوراً محفورة في الذاكرة وكان لا بد من رسمها والكتابة حولها لكي لا تختفي تدريجياً, على الأقل صورتها.
لامستِ مساحات محرمة في مضمونها التراثي واليومي, إلى أين أردت الوصول?
المساحات محرمة ظاهرياً في الفولكلور المتعارف عليه, فهي كالعرف, موجودة وأحياناً غير مكتوبة ولكن فعلياً كل الناس تمارسها, وما تكلمت عنه الناس تتعامل بأشكاله, ولو كان بشكل مستتر, فعدم ظهور الشيء في كثير من الأحيان لا يعني بالضرورة عدم وجوده.
حضر الجسد ومتطلباته كما حضر الفشل في علاقات الحب والزواج, هل هي محاولة لتقليد بعض الروائيات ودخول نادي الجريئات?
الرواية لا تقلد أحداً وأنا بطبيعتي أحب المغامرة وهي تختلف بحسب الخلفية التي تأتي منها, فأنا لست صحافية, أو أكاديمية والمأخذ على الرواية أنها كانت ممكن أن تكون من 700 صفحة ومقسومة إلى جزئين, ولا توجد مشكلة في الطرح الجريء, إنما حاولت الابتعاد عن الابتذال قدر الإمكان, وهنا أعتقد أنه يكمن التميز فيمكن لأي كان أن يكتب بجرأة, لكن ما بينها وبين الابتذال خط دقيق, أعتقد أنني أقف عنده.
هل خضتِ أنتِ تجربة تشبه تجربة إحدى بطلاتك?
ممكن أن تحتوي الرواية أخباراً عن بعض الأشخاص في عائلتي, إنما محرفة ومصبوبة بقالب مختلف, والأحداث والأشخاص ليست سوريالية وبالتالي قد تنطبق على أي إنسان عادي يعيش, يحس ويفكر, ولكن ليس بالضرورة أنا شخصياً.
انتقدت البلاغة والزخرفة اللغوية وآثرتِ الإيماء, وإشراك القارئ في بلورة المعنى, هل قصدت ذلك?
كتبت رواية غير مزخرفة لغوياً, إنما سريعة, مليئة بالشخصيات, مكثفة, وأعتبر أن طريقتي تحفز ذاكرة الناس, ولا تملى على القارئ, إنما تسير في تناغم بين الصورة والمعنى تقود بين دفتيها الحالمتين وغيرهما إلى الانسياب في غياهب زمن قد يجهلونه, يستشفون منه أفكاراً جاءت في زمن قل فيه هذا النوع من الأقلام.
ما تأثير الزمن في مجريات الرواية?
إن زمن الرواية على امتداد ثلاثة كؤوس من النبيذ; إنما الأحداث هي كلها بالعودة إلى الذكريات التي تجعل الرواية مرحة حيناً وكئيبة في بعض الأحيان. لقد ساهم عنصر الزمن والعودة إلى الوراء في رسم شخصيات الناس واختلافها واختلاف عاداتها وتقاليدها; فنلاحظ ذلك حتى في الشخصية الواحدة إذا تتبعنا خطها الزمني, فمن أكل التفاح والحلويات في العيد, إلى المراهقة المتعثرة وصولاً إلى الزواج أو الوحدة, وفي كل الأحوال, يبرز العنصر الزمني كالمفترق الفاصل بين مرحلة وأخرى, أسوأ أم أفضل, بحسب الشخصية.
هل يمكن أن نتصور أنك تكتبين سيرتك الذاتية في هذه الرواية?
الرواية ليست سيرتي الذاتية, فأنا لست خمسينية ولا مدخنة. والقصة ممكن أن تحدث مع أية امرأة في العالم بعض الشخصيات حقيقية كالعم أسامة, إنما هناك جنوح في سرد الأحداث, فالعم أسامة (واسمه الحقيقي أنور كريدية) اختفى ولكن ليس لأربعين سنة, كما في الرواية. هناك حنين إلى بيروت القديمة, وإلى كل العراقة التي شهدتها المدينة; هذا الحنين الضائع الذي يبحث عن متنفس له, يقع ما بين السطور وما بين الكلمات, فكل حرف بالنسبة لي هو حنين وكل فكرة ملتصقة برائحة تراب بيروت هو الحنين... فأنا أضيف, وللإحساس في داخلي الشيء الكثير في تغليف المعاني وتصديرها, وبلورة معانٍ أخرى, وأفكارٍ اختفت.
بيروت حضرت بقوة, كيف تشرحين ذلك?
أهل بيروت كغيرهم من أهل المدن أهملوا الثقافة واهتموا بالتجارة, وحضور المدينة أساسي في الرواية وطبيعي لأنها مسرح الأحداث, فالبطلة هي المدينة نفسها في الكثير من الأحيان; بيروت لا تنحني, ولا تركع وعلى الرغم من مصابها, فهي لا تزال تنتفض وتنهض من تحت الرماد, لأنها كالمعدن النفيس مهما أصابه الزمن, يصقل ويعود إلى اللمعان من جديد... هذا هو حضور بيروت, ويشرفني ذلك, فأنا من منطقة المصيطبة, رقم سجلي بسيط, وأعتبر نفسي بيروتية أصيلة.
وصف بعض النقاد روايتك بالسرد الروائي المعاصر فما تعليقك?
السرد الروائي المعاصر هو وليد التراكمات المعلوماتية الحاصلة في زمننا الحالي, بحيث بات من السهل على أية امرأة (بالتحديد) أن تحصل على المعلومات بشكل وافر مما انعكس على كتاباتها وأدى بها إلى أن تهتم بأمور متعددة مثل السياسة, الدين والعلوم المختلفة; وبالتالي هذا السرد, اختلفت درجاته وأصبح الآن يلامس أموراً كان من الصعب ملامستها ومعالجتها في الماضي.
كيف تنظرين إلى المشهد الروائي, هل تؤمنين بمركزية الشعر كونك ناشرة في بلد دون سواه? وما علاقتك بسائر الفنون?
لا يخفى على أحد أن الشعر والرواية في العالم العربي في حالة يرثى لها. فعلى الرغم من أهمية الثقافة يصعقنا عندما نقرأ أن الأرقام تشير إلى وجود نسبة ضئيلة من القراء في العالم العربي. حالياً, معظم الشعر وخاصة الحديث منه يصدر من لبنان ومصر, مع محاولات في بعض البلدان العربية الأخرى للطباعة وليس النشر, ومركزية الشعر هي لبنان وبالتحديد دار النهضة العربية, وبكل فخر. أما عن الفنون الأخرى, فأنا أحب الرسم ولدي مجموعة لا بأس بها من اللوحات آتي بها من كل البلدان التي أزورها; وعن الموسيقا فإنني أميل جداً إلى الطرب القديم, من حيث الصوت والكلمة, بالإضافة إلى بعض الموسيقا الغربية.