أبي

 

جوزف دعبول

“أبي”
أقنوم أول:
أبي اكثر من غابة
في عينيه بريق النجوم،
ينتظر المساء بفارغ الصبر
ويحلم بالأكهف السحرية،
وكنت صغيراً،
لأبي هامة الجبل
ولوقع قدميه ظلال وألوان
وحكاية لم تنته
حمل جسده ورحل
حمل ظلاله وألوانه ودخل الأكهف السحرية،
قال لي: سوف انتظر انبثاق الريح
وعدا نحو النهر
ولم ينتظر أبواب المدينة.
أقنوم ثان:
قال أبي: سوف تنتظرني أمك أمام القبر
فهرولت إليه حاملاً شمسي
وضجري
وقال: سوف ابحث عن الجسد
فهرولت إليه احمل سره
لكنه مال نحو الصفصاف والنهر العتيق،
وقدّس أبواق الجسد
مال نحو العزلة،
وقدّس أبواق العزلة،
لأبي يدان ضارعتان
وعيناه من نجوم،
لأبي سرّ عظيم
حملته على ظهري إلى الغابة السحرية
وكلّمت الحجر،
الفضاء يرشح دماً
وأضلعي بيت مهدم.
أبي!
هل قلت بأنك الباحث عن السلم؟
تغربت عن الجسد
ولعنت المدينة الموبوءة؟
لم أزل أسمعك،
في القبر ظلمات سيزيف
وأنت تتنفس،
تراب تراب،
أبي حينما تأتيني الرياح الأربع
وشجر الورد الجميل
و أجتمع بعشيرتي
وتصهل الحكايات السرية،
سوف انبثق منك زنبقة
وسماء،
و اروي لهم حكايتك
البطولية،
عن رجل اختار أن يكون،
عن رجل غضب من العامة،
وارتج أبواب المدينة على الريح
وقال: كن أيها الحجر
حرفاً
أيها الجسد
وردة.
طال الغياب!
وأعيني تغتال العامة
والغابة
والنهر
والأكهف السحرية،
أبي، ليت لي امتداد
يعروني منك
جسد وكلمة،
قالوا لي: انك عزيف ومراث
وقلت لهم: انك صليب
و لم يفهموا..
هناك عند الرابية الخضراء
سوف ألتقيك،
و عند سعال العامة
وثرثرات العجائز،
سوف تكون كلمة بيضاء،
أبي آه ثم آه
كم ألج خاطر الإله
وأرشف كأس التراب حتى
الثمالة،
أبي، يداك معروقتان
وشعرك ريح ومطر؟
هل ذوى الجسد،
وصاح الديك ثلاثاً؟
ليتني مسيح
ليتني الوراء
وأمضي قدماً إليك
لحيتي غبراء وطويلة حتى الصباح
وألتقيك،
رأسي في حضن حقل وينابيع
وحرفاً حرفاً أتأتئ أبي.
أبي، أحببتك ولم أزل
لكن الغياب طال
والسماء أضحت أرجوانية
والبيت العتيق
افترسته العناكب،
لم لا تعود؟
ويهطل المطر أيام الربيع
وتصقل أمي وجهها
واخوتي يتمرأون،
لم لا تقول أنا هنا؟!
وتصبح المدينة حقل حنطة
وتجلجل أجراس الكنائس
والولد البليد المستوحش
يرقص فوق الماء،
ويبني تلالاً من الورد والصباح
وتأتينا كل الينابيع تأتينا
وتثغو الشمس في فيافينا
واللحن قرية
واللحن مدينة
واللحن غابة،
قمر، ينمو فينا.
أبي، هدأ الظل
وقالت لي الجبال
انك على الجبال تعدو
طفلا / شمساً/
غابة لبان
وطريقك نحو النهر
نحو النجم الوردي،
وأنك تبسم
فالوزّال
والنرجس
و أبناء الربيع
حلل لك
حلل فيك،
والقبر الذي قيل انه القبر استحال
مطراً
مدينة خضراء
وشعلة تنوّر لنا السماء،
والجسد الذي قيل انه الجسد استحال
مطراً
أيام البعل
رقصة وثنية
لإلهة الحب،
و السر الذي قيل انه السر
استحال
عشاءً سرياً
خبزاً ونبيذاً،
ودروب القرية تصلي
ومشاعل الأزاهير في أيادي
أطفال
وحمائم كثار تلوّن القرميد
في قريتنا
وفلاح قيل مضى إلى التلة
فانتشر النهار
غلالاً من العسل
من اللبن
والصبايا الرافلات
بأثواب زهر اللوز،
يرقصن كما الأطيار في دجلة
كما الأطيار في الفرات
كما عشتار في أفقا
وأدونيس شقيقة نعمان
يلج النهر
والنهر بركان دم
والنهر حياة،
وقناديل السماء
عرائس الآلهة
وعلى الأرض أضواء
وعلى الأرض سلام.
أبي،
قيل عنك قيل عني
بعض من دخان
وسلالة الأنبياء
لم تزل تسعى فينا
نحو المدينة الوحشية
نحو ركام الجثث
وهذيان الحجر
ومراقص الخلفاء
وقناطر الأمراء
وأغنيات المطر
والدواوين شجر واغتياب،
هل عرا الأرض دفء وحنان؟
والجسد الذي كان
هل صار الموانئ والخلجان
هل صار الجبل؟!
أقنوم ثالث:
زيّنتك أبي بالأعراس في ضيعتنا
بالكنيسة
بأحلام الفقراء
بغجرية سمراء
غسلت النهر
والليل
وتعرّت
فللنجوم انشداه
ورهبة
ودوار
ونهار
يرقص
ليل نهار

…………………….

أبي، زيّنتك
بالأدمع تزهو
على جدران بيتنا،
وأمي الورفاء كالخميلة
تصلّي في الخفاء
لإله لم يزل يحلم كي نعود
من الحقول الجوعى
من الأرض الجرداء
وليال تخفى فيها القمر
فاحتدم النقاش
حول ثالوث البعث
حول السر الدفين
حول الجسد الأبيض
الذي تعمّد بنهر الدم
ودار صغيراً حول مدينة الألم
“قطن قطن
وندف
هذي صلاة السماء
الأرض تتمطّى
وعفن”
ومارد آخر
قال: خاطبت الأرض
الماء
النار
السماء
فانبسط الأديم
وانبسط الورد
وشعّ الليل
وشعّ القبر
“قطن قطن
وندف
هذي صلاة السماء
الأرض تتمطى
وعفن”،
حجراً حجراً أعدو
صافياً كالنبع الرقراق
“شاهدت حمامة في القفص
شاهدت عناكب على الجدران
قلت: فلأسور الرفات
ولأبك دمعتين”
علّ الزمان الذي فات
علّ الجسد الذي مات
ينضح أنداءً وطيب
ينضح صلاة.
سوّرتك أبي بالريح،
بالزبد الفضي
بالملاك يهدهد لك
أغنية الثائر العجوز
فسلامات لك
وسلامات عليك
متى كان نهار
متى كان نهار
هب لي آبي كي أظل
هبن لي أبي كي أراقب
متى أتت عصفورة المطر في ليالي الشتاء
تتلطى في كوة بيتنا،
أمي الحزينة تقول:
هذه روح أبيك
قد حلمت البارحة
انه اشتاق
لكركرات أطفاله،
لرائحة أطفاله،
قد حلمت البارحة
انه اشتاق للنهر، للغابة
لساحات الضيعة
للسهرات الطوال
يغازل فيها نجمة
يرندح بصوت خفيض
هذي أعيار الميلاد
وعلى الهضبات ساحرة الورد
تفيق
وعلى الهضبات نجمة الصبح
تفيق
وعلى الهضبات أرواح الملوك الثلاثة
تفيق.



اترك تعليق