«فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي.. إرث النّار


نازك بدير
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-06-16

فئران أمي حصةفي زمنٍ لم تعد فيه عبارة «ألله أكبر» للصّلاة وحسب، إنّما صارت تسبق كلّ حزّ سكين وتفجير، تأتي «فئران أمّي حِصّة» – للرّوائي الكويتي «سعود السنعوسي» (الدار العربيّة للعلوم ناشرون)، وهي الثالثة له بعد «سجين المرايا» 2010، و «ساق البامبو» 2012 (التي حازت جائزة البوكر العربيّة العام 2013) – تأتي لتعرّي الفتنة الطّائفيّة. تنتظم مادّتُها الحكائيّة لتتحدّث عن حربَي الخليج، الأولى والثّانية، وترصد تحوّلات المجتمع الكويتي خلال الحقبة الممتدّة من العام 1985 إلى العام 2020 الافتراضي. تمّ تكسير زمن القصّة التّصاعدي، الذي لا يتعدّى اثنتي عشرة ساعة، من خلال انفتاح الذّاكرة على الماضي، وعبر الاسترجاع، كاشفاً جوانب حياة أربعة أجيال، وعلاقاتها. هذا البناء جعل الرّواية منفتحةً على العالم الآني، وعلى العالم الماضي.
والرّاوي شخصيّة مركزيّة، يسرد، من الدّاخل، ذكرياتِ طفولته في حيّ السُّرَّة (حيث السّكّان مزيج من جنسيّات مختلفة) قُدِّمَت الأحداث من زاوية نظره. وقد تجلّت سلطته في إدراك رغبات الشّخصيّات الخفيّة؛ يقول عن فوزيّة: «حدستها تلعن أيّامها (...) امرأة تقيّدها سلطة شقيق أكبر يرى في كلّ شيء تفعله نقيصة». (ص.142) وتحكّمت وجهةُ نظره في جميع عناصر السّرد الروائي. وإذ يحاول الرّاوي الظهور على مسافة واحدة من جميع الشّخصيّات، فإنّه يبدو شبيهَ ديموقراطية الأنظمة العربيّة.
لقد كشفَت أقوالُ الشخصيات وأفعالُها مواقفَها الإيديولوجية، وأخبرَت عن محتوى ثقافي وعقائدي خاصّ بها (مثّل عباس وصالح نمطين إيديولوجيين مختلفين، يحتاجان علاجاً بالكهرباء لمحو ذاكرتيهما الطّائفيّة. ص.366)
التحول
التحوّل سمةٌ أساسيّة أصابت معظم الشخصيّات: تتحوّل حِصَّة من شخصيّة ديناميّة، إلى مجرد صورة مكوّمة، إثر اعتقال ابنها خلال الاحتلال العراقي. يُفقِد موته فوزيّةَ بصرها، ويجعل عائشة امرأةً متسلّطة. يتحوّل ضاوي من شاب عاديّ، إلى متشدّد دينيّا. يطاول التّحوّلُ سكّان حيّ السّرّة، من جيران متعاونين، إلى جواسيس للمحتلّ. قد يكون الرّاوي البطل هو الشّخصيّة الوحيدة التي لم يصبها تحوّل مضادّ. بقي الثبات على مواقفه ومبادئه وتوجهّاته تيمتَه الأساسية.
ولم يكن التحوّل حكرا على الشّخصيّات بل أصاب الأمكنة، فتبدّلت أسماء الأحياء بعد
الغزو، واستحالت الكويت المحافظة العراقية التاسعة عشرة. وبعد التحرير تبدّلت الأسماء: ابن أسير، ابن شهيد. إضافة إلى احتجاب الشمس عدّة شهور نتيجة احتراق 727 بئرا نفطيّة.
أمّا المكان البارز الذي تحرّكت فيه الشّخصيّات، وبدت شديدة الالتحام به، فهو حوش آل بن يعقوب، صار أداة تعبير عن موقف الراوي وسائر الشّخصيّات ممّا يحيط بهم. ويتحوّل الحوش من فضاء الإقامة الاختياريّة المحبّبة، إلى مكان للإقامة الجبريّة أثناء الاحتلال، وفرْض حظر التجوّل. تحضر الطائفية بقوّة، ليس في أفعال الشخصيات فحسب، إنّما في أسماء الأمكنة. وهي بارزة في الحواجز التي قطّعت أوصال الكويت، فبات الجسر بين الجابرية والسّرّة برزخا بين جحيمَي الرّافضة والنّواصب (ص.66)
قدّمت روايةُ سعود السنعوسي الشخصيّاتِ في لحظة انهزام أحلامها تجاه الواقع (عمل الراوي وفهد وصادق وضاوي وأيوب على توحيد الصفوف، والقفز فوق الفتنة من خلال تأسيس جماعة أبناء فؤادة، وإذاعة تدعو إلى الوحدة، ووقْف النزف والاقتتال). الّلافت أنّ الفريقين اللذين لم يتفقا يوما على نسبة زكاة، أو موعد صلاة، أو رؤية هلال شهر رمضان، اتّفقا «ضدّ من بُحّت حناجرهم ينادون بكلمة سواء»(ص.109)
كانت سلطة الطائفية أقوى من أبناء فؤادة؛ فعلى الرّغم من التّضحيات التي بذلتها الجماعة من أجل الانصهار، بدت حاملةً جيناتٍ طائفيّة، سرعان ما ظهرت أثناء محاولة فهد وصادق فضّ نزاع بين مجموعتين، ذهب فهد على إثرها ضحيةَ التّعصب المذهبي. ولعلّ رواية «إرث النار»، التي يزمع الراوي نشرها، ما هي إلّا تحذير من الفتنة بين السّنة والشّيعة، والتي ما فتئت نارها تحرق أبناء المجتمع العربي بدعمٍ من رجال الدين والقنوات الفضائيّة (ص.75-374) تلك النار هي نفسها التي سمحت بتفتيت الكويت، ومعظم الدول العربيّة.
وفي خضمّ الأزمات التي يعيشها العالم العربي، نسأل: إلى متى سنبقى «فئران تجارب في معمل كبير؟ «وين اِللي يَبي يحرق إسرائيل؟!».(ص.162-360)