مصادر القوة ونقاط الوهن فى ثقافتنا المعاصرة






فى مناقشة تصورات الأستاذ ابراهيم المعلم
بقلم د. مجدى يوسف
أخبار الأدب 6 يونيو 2004

رجوع الى الصفحة الرئيسية لموضوع فرانكفورت


فى حديثه إلى " أخبار الأدب" كان الأستاذ ابراهيم المعلم صريحا كعادته وموفقا فى بعض اقتراحاته بينما خانه الحظ فى البعض الآخر.
كان موفقا فى اقتراحه إنشاء صندوق عربى لدعم ترجمة الكتاب العربى إلى اللغات الأجنبية. وقد استشهد فى ذلك بالعديد من البلاد الغربية ذاتها ، إذ لديها برامج لدعم أعمال كتابها إلى سائر اللغات ، لاسيما غير الغربية . وبهذا يعترف الأستاذ المعلم بصورة غير مباشرة أن اختيار الكتاب أو العمل للترجمة والنشر بلغة أخرى ليس مسألة متعلقة ب"جودة" محتواه وحسب ، وإنما بآليات السوق فى المقام الأول ، ومن ثم بالترويج لصور معينة للشعوب عن بعضها البعض، لا تخدم بالضرورة التعرف الصحيح ومن ثم التعايش المثمر بينها . فكم تغص تلك الصور- للأسف- بالتشوهات التى تذكى الصراع بدلا من أن تغذى حب الاستطلاع الإيجابى بإزاء الآخر الثقافى والاجتماعى سيما لدى الشعوب الغربية المثقلة أدبياتها بالصور السلبية عن الشعوب العربية والإسلامية . إذن فدعم ترجمة الروائع المنصفة ليس بالأمر الواجب وحسب ، وإنما تستوجبه بالمثل ضرورة الوقوف فى مواجهة آليات السوق التى غالبا ما تروج للصور السائدة عن الآخر على نحو جائر وشائه . وعلى ذلك أسوق مثالا محددا : فمنذ أكثر من عشر سنوات قام إعلامى ألمانى اشتهر بأنه "خبير" لا يشق له غبار فى شئون الشرق الأوسط ، وهو يدعى "جيرهارد كونتسلمان " ، بانتحال ترجمة دقيقة كان قد قام بها المستعرب الألمانى " جرنوت روتر" لسيرة ابن هشام لابن إسحاق ، ثم زيف وحرف فى تلك الترجمة حتى يقدم صورة شائهة لنبى الإسلام فى وسائل الإعلام الألمانية . ولكنه ما أن اكتشف صاحب الترجمة الأصلية ما فعله "كونتسلمان" حتى فضحه على نطاق واسع مما أدى إلى تنحيته عن عمله الإعلامى لاسيما وأن فعلته هذه كانت تنطوى على محاولة إذكاء الكراهية للإسلام والمسلمين كعدو جديد للغرب يحل مكان الاتحاد السوفيتى بعد سقوطه باعتباره العدو التقليدى السابق. كان ذلك بعد انهيار الاتحاد السوفيتى مباشرة ، إلا أن من "سوء حظ " ذلك المزور أن صاحب الترجمة الأصلية كان حيا يرزق وقادرا على أن يكشف ألاعيبه . فماذا لو أنه انتحل عملا آخر لمترجم أو مؤلف راحل مثلا وقام بتزويره على هذا النحو الذى يخدم صراع الحضارات على أحسن وجه ؟! هنا يمكن لصندوق عربى لدعم الترجمات إلى اللغة الألمانية أن يشجع أحد الناشرين الألمان على أن يقدم لقرائه عملا مقابلا يرد على مثل تلك الترهات . ولكنه – أى صندوق الدعم – لابد أن يكون له مستشار أو أكثر من المقيمين فى البلد المعنى ، والمشتغلين فى حقول الفكر والتدريس الأكاديمى فيه ، ليكتشفوا ويكشفوا مثل هذه الأعمال التى تذكى الصراع بين الشعوب . وبناء عليه يمكن ترشيح بعض الأعمال المقابلة للترجمة إلى اللغة المعنية والرد من خلالها على هذه التشويهات على أن يتم الأمر دائما بالتشاور مع الناشر الألمانى ، وليس بناء على مجرد محاولة "إرضائه" ماليا بحيث تصبح مسألة الدعم بالنسبة له صفقة تتم قبل نشر الكتاب ، ثم لا يعنيه من بعد ذلك من أمره شيئا . لا أقول ذلك من فراغ فأزمة النشر أيضا فى ألمانيا قد أدت فى السنوات الأخيرة بخاصة إلى آليات جد مشوهة من هذا النوع الأخير . لذلك فاختيار الناشرالجاد يعد من أولويات نجاح المشروع ، ناهيك عن أهمية دعم الترجمة ومراجعتها اللغوية والأسلوبية من جانب أحد الثقاة من أبناء الثقافة نفسها حتى تثمر الثمرة المرجوة فى إحلال الصورة الموضوعية عنا هناك بدلا من تلك المشوهة أو الجائرة . وأحب أن أقر هنا أن الكثير من الجهات الرسمية والأهلية فى البلاد الأوربية سوف ترحب بمثل هذا المشروع لا سيما وأنه يخدم نزع فتيل الصراع بين الشعوب الواقعة على ضفتى البحر المتوسط . وفى ذلك أذكر على سبيل المثال أن جمهورية النمسا قد أنشأت أكاديمية إسلامية فى فينا لهذا الغرض ، وأن زميلا فاضلا من الأزهر الشريف يدير تلك الأكاديمية التى تمولها حكومة النمسا من الضرائب التى تجمعها من مواطنيها .

نخلص من ذلك إلى أن "نجاح" ترجمة أحد الأعمال ، لاسيما الإبداعية والسردية منها ، لا يعتمد وحسب على ارتفاع مستواها ، وإنما على عوامل أخرى تتعلق بالتيارات الأيديولوجية السائدة فى المجتمع المستقبِل لها . ولا ينفى ذلك حصول نجيب محفوظ – مثلا – على جائزة نوبل ، بل يؤكده . إذ أنه بمجرد أن يمنح أديب تلك الجائزة حتى يصبح "مقررا" على دور النشر فى كافة أنحاء العالم . أما محكات جائزة نوبل فى الأدب نفسها ، فلا تتعلق بمستوى العمل وحده ، وإنما فى المقام الأول بصورة العالم التى يقدمها من حيث مدى تطابقها مع معايير هذه الجائزة ، وهى معايير غربية محافظة ، بمعنى أنها – حسب المرحلة التاريخية المعنية – لا تجيز إلا ما يتفق مع محكاتها الباحثة عن الترويج لقيم بعينها على مستوى العالم من خلال منحها الجائزة لمؤلف تنطبق عليه تلك الشروط. ليس هذا ادعاء من جانبى ، وإنما بناء على ما قدمه "إسبمارك شل" عضو لجنة نوبل للأدب ، الذى ألف كتابا بالسويدية فى هذا الموضوع وبتكليف من اللجنة ذاتها عنوانه : محكات اختيار جائزة نوبل فى الأدب . وقد ترجم هذا الكتاب إلى الانجليزية ونشر فى مطلع التسعينات .

إذن فمسألة "جودة " العمل وحدها ليست الأمر الفيصل فى إقبال الناشرين هناك على نشره ، وينطبق ذلك بصورة خاصة على الأعمال الإبداعية التى تساعد على دعم التوجهات الأيديولوجية السائدة هناك على نحو لا يخلو من الطرفة والطرافة ، سواء كانت تلك التوجهات متعلقة بتصورات الناس هناك حول علاقاتهم بعضهم بالبعض الآخر ( أنظر على سبيل المثال احتفال النقد الفكتورى المحافظ بترجمة ألف ليلة وليلة إلى الانجليزية لأنها كانت تقدم - آنذاك- صورة للذات المسيَدة كما تود أن تراها متبناة من جانب المسودين فى مجتمعها وذلك من خلال تبنى صورة خيالية للعلاقات الاجتماعية فى"الشرق" تسقط على ألف ليلة وليلة ) ، أو كانت مرتبطة بدعم غير مباشر لعنصرية موجهة لشعوب الجنوب من خلال تقديم صورة مشوهة عنها بما يعزز "مبررات" استغلالها و"عقابها" والسطو على ثرواتها . ولعلنا لسنا بحاجة لأمثلة توضيحية فغطرسة إسرائيل وأمريكا وحلفائهما فى العراق أوضح من أن تشرح . إذن فحجة "جودة" الإنتاج لا تصلح وحدها كمعيار لقياس القبول والرفض فى أدغال عالم اليوم .

وهذا هو ما يفضى بنا إلى الشق الرئيس من تصور الأستاذ إبراهيم المعلم ، والذى يقع فى حبائله الكثير من مثقفينا العرب : كيف نعرِف إذن ثقافتنا العربية المعاصرة ؟ هل هى متقدمة بالنسبة للثقافات الغربية أم أنها متخلفة عنها ؟

الرد المنهجى على هذا السؤال يقتضى منا أن نتعرف أولا على محكات الحكم والمقارنة . ولعل معظم تلك المحكات ليست محض كمية وحسب ، وإنما هى – للأسف فى تقديرى – تضع معايير الثقافات الغربية المهيمنة فى عالم اليوم مقياسا للتقدم والتأخر فى غيرها من المجتمعات .
فأن تفعل ذلك النظم الغربية مع "الآخر" ، كما نشاهده اليوم من خلال فرض معاييرها سلفا على مجتمعاتنا من خلال مشروعها الذى تدعوه "الشرق الأوسط الكبير" ، فهذا أمر لا يستغرب منها ، أما ما يدعو للاستغراب حقا هو أننا بينما نرفض موقفها هذا سياسيا إذ بنا نعيد إنتاجه ثقافيا من خلال التبنى المسبق لصورتها عن نفسها وعن غيرها فى الحكم على واقعنا الثقافى الحالى . فكون الثقافات الغربية مهيمنة على عالم اليوم ومتغلغلة فيه على نحو مدمر لثقافاته ولغاته المحلية لأمر لا يحتاج إلى دليل . ولكن هل يبرر ذلك أنها " أفضل" من تلك الثقافات واللغات التى تهمشها وتدمرها لتسوِد إفقارا غير منقطع النظير للتنوع الثقافى على مستوى العالم ؟! وهل يعنى ذلك أن الثقافة الصراعية الاستعلائية المتفشية فى إسرائيل – مثلا- أعلى قدرا من الثقافة العربية ومن ثم يصبح من "حقها" أن تمحوها ، بل تمحو حامليها أنفسهم من الوجود ؟! وهل المعايير المحض كمية ، كعدد ما تخرجه المطابع من كتب ، أو عدد الأعمال المترجمة إلى العبرية تصلح لتبرير تنكيلها بثقافة الفلسطينيين ومن ثم هويتهم ، كتمهيد لنفى حقهم فى الحياة ، و"كفاتح شهية" لما " ستسعد به " سائر الشعوب العربية ؟!

ألم تلعب مكتبة المتحف البريطانى فى السابق ما تقوم به مكتبة الكونجرس اليوم من تكريس للمعرفة بشئون العالم حتى تمكن أصحابها من الهيمنة عليه ؟! ولكن هل يجعلنا ذلك "نكره" المكتبات العامة ، أم نكره توظيف محتوياتها ل"إخضاع" الآخرين ، أى إساءة استخدامها لدعم الصراع بدلا من تعزيز التعاون بين الشعوب ؟! فلنتخيل للحظة واحدة أن السلام قد حل بالعالم ، فماذا سيحدث لتلك الفروق بين أقطاره فى المعرفة العلمية أو التكنولوجية ؟ ستصبح كالسائل فى الأوانى المستطرقة تصب من هنا إلى هناك ليرتفع مستوى الجميع مع تحويل الفاقد الضخم الذى يستهلك من أجل التسليح ودعم آليات القهر والتعذيب والإبادة الجماعية ومن ثم المقاومة والدفاع عن الذات إلى ما يفضى إلى رفع قدرة البشرجميعا على تحقيق أقصى قدر ممكن من تنمية الإبداع الذاتى لثقافاتهم المتنوعة .

إن الثقافات الشعبية ، واللغات المحلية المرتبطة بها، لقيم كيفية فى حد ذاتها ، أما قيم السوق فهى محض كمية وشكلية . ومن الممكن بالطبع أن نحاول أن ترجمة القيم الكيفية إلى كمية ، ولكنها تظل فى النهاية مجرد محاولة " للترجمة" لا تغنى عن الأصل المترجم عنه خاصة إذا كانت معايير الترجمة هنا مختلفة جذريا عن رؤيته للعالم أو ما يستثيره من أحاسيس وأفكار . فمن الممكن- مثلا – أن نترجم الموسيقى إلى معادلات رياضية ، ولكن هل يجدى ذلك وحده فى تفسير أسباب تفاعلنا معها ؟!

يضاف إلى ذلك أن عملية التقدم مسألة تاريخية ، ومن ثم نسبية . فتقدم براءات الاختراع مثلا ، هل يعنى بالضرورة تقدما فى خدمة البشرية ؟
وهل يمكن أن يكون كذلك فى ظل نهم السوق العالمية والشركات دولية النشاط لتعظيم أرباحها من خلال إذكاء حاجات وهمية لدى مستهلكى سلعها عن طريق توظيف آليات الإعلان مثلا ؟!

إن تقدم مستوى الحياة فى أقطار الغرب مسألة لافتة إذا قورنت بمثيلاتها فى دول ما يدعى "العالم الثالث" . ولكن ذلك فقط على مستوى السطح اللامع والمبهر أحيانا . أما إذا نظرنا بشئ من التدقيق فسوف نتبين من وراء تلك الواجهة المبهرة لسائح عابر مشاكل لا حد لها ، وكلها تتعلق بحاجات السوق من ناحية وبمقاومة الأهالى من الناحية المقابلة . ففى العقود الأخيرة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية تضاعفت براءات الاختراع بدرجة مهولة لتعظم أرباح الشركات العملاقة من خلال ما يدعى "عملية التحديث" Modernisation . ولكن أغلب تلك المستحدثات ، ابتداء من ألواح "الأسبستوس " وحتى آلات غسيل الأطباق ثبت أنها تسبب أمراضا ملوثة للبيئة ومحطمة لصحة الإنسان .
وهو ما لا يعنى أن نرفضها رفضا كليا ، وإنما أن تسعى البشرية لتحويل آثارها المدمرة للصحة على المدى المتوسط والطويل ، إلى ما فيه الحفاظ عليها ودعمها .

صحيح أن "حقوق الإنسان" فى الدول الغربية تتمتع بالاحترام ، بينما هى منتهكة فى أكثر بلدان الجنوب ، ولكن هل لنا أن نقر بذلك فى معزل عن الشروط الموضوعية – أى الاجتماعية الاقتصادية – لتحققها من عدمه ؟ خذ- مثلا – "حق" العاطل فى الحصول على "بدل" لتعطله عن العمل : لقد رجعت بعض الدول الأوربية "الرائدة " فى تطبيق هذا الحق عن تطبيقه كألمانيا : فقد كان لا يعطى للعاطل عن العمل إلا للتمكين من إعادة شراء قوة عمله من جانب المشاريع الاستثمارية ، أما فى ظل الانكماش الاقتصادى الحالى هناك فلا حاجة لها إليه ، ومن ثم يجرى استبعاده نهائيا من سوق العمل ، وإستصدار تشريعات لقطع " معونة البطالة" عنه. بالطبع لا يحدث ذلك دفعة واحدة ، وإنما فى الغالب على درجات ، ولكن المحصلة النهائية واحدة .

فى مجابهة أزمة السوق العالمية وشركاتها العملاقة التى تسعى لحكم العالم وتوحيده بما يلغى تنوع ثقافاته ولغاته ، كيف للمهمشين من جانب تلك السوق الدولية النشاط أن يكون لهم إسهامهم الإيجابى فى تجاوز أزمتها ؟. وكيف يمكن للثقافة العربية المعاصرة أن يكون لها إسهامها الفعال فى هذا المجال ؟

بديل التمسك المثالى بالهوية الثقافية الخاصة

إذا كانت آليات السوق العالمية تقوم بسحق الهويات الاجتماعية الثقافية الخاصة وما يرتبط بها من لغات ونظم قيمية متوارثة - وهو ما صار يعبر عنه اليوم بشكل سافر من خلال مشروع "إعادة تشكيل" الشرق الأوسط على النحو الذى ترتأيه نظم الدول المهيمنة عليها – فما هو البديل العلمى العقلانى لمواجهة ذلك ؟ هل يكون على هيئة رد فعل عكسى يتمثل فى مزيد من التمسك بقيم التراث والتوحد بها رفضا لتيارات الحداثة الغربية (مهما كان الثمن) ؟ أم يكون – على العكس من ذلك – بمزيد من التوحد بتلك الحداثة الغربية والانضواء تحتها توقيا لتبعات معارضتها ، وأملا فى التخلص من انتهاكات حقوق الإنسان العربى فى ظل نظمه القائمة ؟

أقترح فى هذا الصدد طريقا ثالثا يقوم على استراتجية لتنمية الإبداع الذاتى ابتداء من الوعى الدقيق بالاختلاف التقابلى بين مختلف الثقافات الاجتماعية والبيئات المحلية. على أن هذا الوعى التقابلى لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إعادة النظر المستمرة فى كل وافد من المعايير العلمية أو الثقافية المستحدثة ابتداء من القيم الممارسة فى المجتمع المستقبل لها . هنا تكمن الإضافة الحقيقية للقيم الوافدة ، وهنا يتشكل الإسهام ، ومن ثم الإنتاج الثقافى الحق فى إطار الثقافات العالمية .

وحتى لا يكون مقترحى مجردا أضرب على ذلك مثالا من خلال علم الدواء . فمن يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تهيمن على العالم بقواتها الحربية وحدها يكون مخطئا تماما . إنما هى تهيمن عليه أولا من خلال تعميم معاييرها على مستوى العالم ، وذلك من خلال توظيف ما لديها من وسائل العلم والتكنولوجيا . وفى مجال علم الدواء – مثلا- كان من المستقر "عالميا" عن طريق تدويل معايير " إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية أن استخدام مادة الشطة فى الغذاء يساعد على حدوث قرحة الامعاء ، حتى جاءت أبحاث الأستاذ الدكتور محمد رؤوف حامد التى أجراها مع طلبته فى مرحلة ما قبل البكلوريوس فى جامعة الفاتح فى ليبيا منذ قرابة العشرين عاما بما أحدث انقلابا معرفيا فى مجال علم الدواء على مستوى العالم . فقد تبين للدكتور رؤوف أن عادة تناول الليبيين للهريسة ، المكونة من مهروس الفلفل الحار المحتوى على مادة "الكابسايسين" مع كل وجبة طعام ، تؤدى ليس فقط إلى اختلاف التأثر بالدواء عن المعايير المدولة ل"إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية ، وإنما تساعد – فضلا عن ذلك - من خلال استهلاكها المنتظم مع كل وجبة على الحد من إمكانية الإصابة بقرحة المعدة على العكس مما كانت تنص عليه المعايير المعولمة ل " إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" . وقد أدى طرح هذا الاكتشاف فى حينه ( أوائل الثمانينات) فى المؤتمرات العلمية الدولية فى كل من سويسرا (مونترو) واليابان (طوكيو) إلى تحول هام فى علم الدواء على مستوى العالم . وما كان لهذا الاكتشاف المضيف إلى تراث المعرفة العلمية المعولمة أن يكون لو أنه اقتصر على إعادة إنتاجها " تقديسا" منه لهالة " تقدمها " . فهو لم يقاطعها ، كما أنه لم يرضخ لما تود تعميمه ، وإنما وضع نتائجها موضع الاختبار والمساءلة البحثية النقدية ابتداء من الثقافة الاجتماعية الخاصة المستقبلة لها دونما أدنى إحساس بدونية أو تفوق مزعوم للذات المستقبِلة أو للآخر الوافد. هنا تكمن قوة الإنتاج الثقافى الحقيقى فى مقابل إعادة إنتاج معايير الآخر أو تراث الذات على نحو يدَعى "ثوابت " لا تخضع للنقاش وإعادة النظرعلى الرغم من تباين السياقات الاجتماعية الثقافية عبر الزمان والمكان ، أو اختلاف العادات المتوارثة فى بيئات طبيعية مختلفة . مثل هذه الإضافات إلى تراث المعرفة الإنسانية هو ما يجب أن يقدم فى فرانكفورت ، وهو ما يجعل شعوب العالم أجمع ، وليس الألمان وحدهم ، تحترمنا وتقدرنا ، حتى وإن اختلف البعض معنا فيما نقدمه من إضافات لتراث المعرفة العالمية . وهنا تبزغ أهمية التناول من خلال بوصلة منهجية بحثية كان لى شرف بلورتها وتقديمها فى أعمالى على مدى العقود الماضية من خلال اختبار مدى مصداقيتها فى مجالات تخصصية عدة ، تمتد من علم الأدب إلى الفنون التشكيلية إلى علم التاريخ ، كما أكدتها أبحاث موازية أجريت فى مجال علم الدواء (الدكتور رؤوف حامد ) ، وهندسة الإنتاج (الدكتور حامد الموصلى ، هندسة عين شمس) وهندسة النسيج ( الدكتور محمد عبد الله الجمل ، كلية الفنون التطبيقية ، جامعة حلوان) :

دراسات "التداخل الحضارى" مدخلا

يتلخص هذا المدخل المنهجى الذى أقترحه فى تشخيص حالة الشعور بالاحباط من جراء تهديد النظم القيمية المتوارثة خاصة فيما يطلق عليه تجاوزا "المجتمعات التقليدية" أو "النامية" ، ولعل تسميتها الأدق قد تكون :" المجتمعات المعوقة عن النمو" أعنى من داخلها . ويتمثل هذا التهديد لنظمها القيمية المتوارثة فى هيمنة المعايير الغربية الوافدة سواء عن طريق " السماوات المفتوحة" متمثلة فى عولمة وسائل الإعلام ، أو الفرض الإمبريالى المباشرعلى نظمها التعليمية ومنظماتها الحكومية أو ما يقدم من إغراءات مادية لمنظمات المجتمع المدنى من جانب الولايات المتحدة . وهنا اقترحت وسيلة منهجية للتشخيص الدقيق لهذا التداخل السالب بين الذات ، ومن ثم الهوية الثقافية الخاصة ، والآخر المهيمن اقتصاديا ومعرفيا وحربيا . هذه الوسيلة أو الأداة التى اقترحتها مستمدة من علم اللغة ، وعلى وجه التحديد مما يدعى فى ذلك العلم : "التداخل اللغوى " ، ويقصد به التعرف على ظواهر الخلخلة الحادثة فى لغة ما من خلال دخول نظام لغوى مختلف عليها ، مما يؤدى إلى "تكسير" قواعدها من نحو وصرف إلى نظام صوتى ودلالى تتميز به ، وغالبا ما يتم ذلك من خلال هيمنة لغة أجنبية تمثل حضارة " أقوى" من منظور أصحاب حضارة اللغة المخلخلة . وقد استعار علم اللغة مفهوم "التداخل
عن "تداخل الموجات الصوتية" فى علم الفيزياء ، مما يؤدى إلى تشويشها . وقد استعرت بدورى هذا المفهوم عن علمى اللغة والفيزياء لتشخيص عمليات الخلخلة والتشوش فى مجال اتصال الثقافات الاجتماعية بعضها بالبعض الآخر ، وذلك تحت شروط نفسية اجتماعية صراعية تتراوح "حلولها" بين التوحد "بالأقوى" ، إلى الرفض المطلق ، أو شبه المطلق له . يتم ذلك فى إطار الثقافات الاجتماعية من خلال درس تقابلى للنظام القيمى الوافد (الساعى أو المتوسل للهيمنة) ، وردود فعل النسق القيمى المستقبِل للنظام الجديد الوافد ، خاصة إذا ما رأت النخب فى المجتمع المستقبِل للوافد أن تستعيرمنه بعضا من الآليات التى تتصور أنها كانت وراء " تفوقه" (وهو ما ينطبق على معظم مشاريع التحديث فى بلدان ما يدعى "العالم الثالث" ، وفى مقدمتها الدول العربية الحديثة) . يزيد من حدة ذلك التداخل الحضارى أن الاستعمار الغربى فى مرحلة سيطرته المباشرة على الشعوب المستعمرة ، قد حرص على هدم والتقليل من شأن نظمها القيمية وتنظيماتها الاجتماعية المتوارثة- كما حدث فى الهند مثلا – وإحلال نظمها القيمية وفنون إنتاجها الآلى مكان فنونه المتوارثة . الأمر الذى أدى فى مرحلة ما بعد الاستقلال السياسى إلى تكريس للتبعية الثقافية للمستعمر السابق لازالت آثارها المدمرة قائمة هناك ( أنظر فى نقد هذه التبعية أعمال الباحث الاجتماعى الألمانى "كريستيان زيجريست" ، والهندى " إعجاز أحمد" ) . أما الأخطر من ذلك التهميش فهو تبنى رهط مهم من "مثقفى" الهند ومصر وسائر البلاد العربية وأمريكا اللاتينية لقيم الحداثة الغربية فى مقابل النظم القيمية المتوارثة فى مجتمعاتهم على نحو يكاد أن يكون عكسيا لردود الفعل الرافضة تماما لقيم حضارة الغازى فى بلادهم ( لذلك أطلقت فى ردى على أحد هؤلاء المتحمسين لإحلال الثقافة الغربية الحديثة مكان الثقافات الاجتماعية المتوارثة فى عالمنا العربى : التنوير المنقب !) .

التشخيص الدقيق لآليات ذلك " التداخل الحضارى " السالب والمخل لا غنى عنه فى تقديرى لمحاولة التخلص منه وتحويله - بدلا عن ذلك - إلى تفاعل ثقافى واع ، ومن ثم إيجابى بإزاء سائر ثقافات العالم ، بما فيها الثقافات الغربية بتنوع مصادرها واختلافاتها البينة عن بعضها الآخر . من هنا يمكن لنا أن تكون لنا بصمتنا المنتجة فى خضم الثقافة العالمية ، ومن هنا يمكن لنا أن "نصدِر" إنتاجنا المعرفى بمثل ما نختبر إنتاج الآخرين اعتمادا على اختلاف سياقاتنا الموضوعية عن سياقاته – وصدورا عن وعينا بأننا لسنا أفضل منه ولا أسوأ ، وإنما نحن فقط مختلفون . من خلال احترام هذا الاختلاف الثقافى الاجتماعى فى إطار نسبيته التاريخية وسياقه التقابلى المتزامن مع سواه من النظم الثقافية والقيمية يمكن لنا أن نكتشف دوما ما نضيفه إلى تراث الإنسانية اليوم وليس بالأمس البعيد وحسب ( أيام ابن النفيس ، وابن الهيثم ، والبيرونى ) .

أرجو بهذه المحاورة مع الأفكار التى طرحها الأستاذ ابراهيم المعلم ، الذى سعدت بلقائه فى معرض فرانكفورت على مدى سنوات وسنوات، أن أكون قد ألقيت بعضا من الضوء على مناطق الوهن ومصادر القوة الممكنة فى مشروعنا الحضارى سواء قدمناه فى فرانكفورت أو لم نقدمه بأنفسنا ، فسوانا من الغربيين أنفسهم سيبحثوا عنه ليتعلموا منه مثلما نتعلم منهم على نحو نقدى منهجى تقابلى نابع من الرغبة الواعية فى تنمية ثقافاتنا الاجتماعية من داخلها مستعينين بآخر ما وصلت إليه البشرية من معارف وتقنيات جديدة يعاد فيها النظر دوما من خلال هذا الوعى النقدى بالاختلاف الموضوعى بين الذات وحلولها والآخر ومكتشفاته فى إطار سياقه الاجتماعى الاقتصادى الثقافى الخاص به.